أقرب إلى القلب :

 

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

1-

 

          لك التهنئات تساق أستاذنا طلال  وتزجى ، فأنت  لست صاحب "السفير" فحسب ، بل أنت  سفير الصحافة العربية ، وكبير دبلوماسييها . ليس بزعم السفير رجلاً يمتهن مهنة أصلها مداورة ومناورة ، وحذق بهلواني السمات ، وذلك ما نعرفه عن الدبلوماسية لما فيها  من قدرات   على التلون الحربائي ، ومن ملكات لإمساك  العصا من منتصفها ،فلا تعرف لها شرق أو غرب  من الاتجاهات، لكثرة التمويه الذي فيها .  ولكن بالصفة ، فإن السفير هو الذي يمسك بخيوط التواصل ليديم اللحمة بين الأطراف المتنافرة . للسفير أيّ سفير وجهه الايجابي ، غير ذلك الوجه الآخر ، ولأنت يا طلال ، ذلك الوجه الايجابي عند كل سفير.

 

         ويصادف تكريمك واختيارك الشخصية الصحفية لهذا العام ، باجماع منتدى الإعلام العربي بدبي في مايو 2009 ، مناسبة مرور نحو شهر على الميلاد الخامس والثلاثين لصحيفة "السفير" ، تلك المنارة التي  استودعتها  قوسي المعاناة التي أحرقت عالمنا العربي : القوس الآول في عام 1973  ومعاناة المواجهات  مع اسرائيل  ، والثاني قبل 1975  ، حين بدأت مسيرة الانتحار السياسي في لبنان  وحريق الذات ، والنزف الذي تواصل  خمسة عشر عاما . لكأن الأقدار اختارتك وبإرادتك أيضا ، أن تكون صحيفة  "السفير" وليدة هذه المعاناة ، وتكون أنت الشاهد  كذلك على الشروخ والجروح  والنزيف العربي المأساوي .  خرجت "السفير " إذن من هدير الهزائم والخسائر التاريخية  الثقيلة ، وأفدحها جمال عبد الناصر نفسه ..

           وهأنتذا  تواصل دورك شاهداً مستداماً على ابتئاس سياساتنا العربية ، وعلى ضعف اتزانها واهتزازات تضامنها. لا تهادن فتقول بدلوماسيتك الصحفية ، للأخرق أخرقا من دون أن تخسره ، وللمصيب بخٍ بخ ٍ  من دون أن تداهنه . فالصحافة ليست للمدح ولا للذم ، ولكنها البوصلة التي تدل لمن ادلهمت عليه السبل فكاد أن يضل ،  وهي المنارة  لمن كاد أن يعميه الاظلام ، فيجد في العتمة مخرجا .

    2-

 

              في  صبانا ، في خرطوم السبعينات من القرن الماضي  ، كنا نتسقط أخبار البلد الذي أحببنا قبل أن نراه : لبنان ، من الصحف التي  تأتينا مع طائرات  طيران الشرق الأوسط ، من بيروت عبر جدة إلى عاصمتنا ، فنتلقف أول ما نتلقف من لهفٍ  صحيفة "الســـفير "،  فنأسى معكم - أستاذنا طلال- على البلد الحبيب يتقاتل بنوه بلا طائل . تلتهم الحرب  جماله  وتهبه قبحا بديلاً صنعته ثقافة القناصة وقتل الطوائف بعضها بعضا .  برغم النزف والمعاناة ، والذي كاد أن يطال جسد القلم الساطع طلال سلمان ، فقد بقيت  صحيفة "السفير" ، ذلك الشاهد على الجرح الكبير، كما كانت  تلك البوصلة التي تؤشر على المأساة ، وذلك الضوء المشع يلتمع في أنفاقها  المدلهمة  . كبرت "السفير" في كبرياء الجرح ، و"بوصلت" دورها من جديد.

 

        ومن يطالع "سفيرك" اليوم يراها باسقة القوام ، بديعة الإخراج . لكتابها  الكبار  اقتدار وصبر على التحليل العميق ، والتحليق الأعمق في شئون الساعة ،عندكم في لبنان أو في أنحاء المعمورة العربية، أو في الجسيم من أمور العالم والعولمة ، كما لهم جميعا ذلك الروح "الدبلوماسي " الذي  رشح من عقل وقلب منشئها الأستاذ طلال سلمان . حتى وإن قرأت لشلق  أو لفواز طرابلسي أو لساطع نور الدين ،  وبقية عقد "السفير" ، فإنك تلمح تلكم الروح مبثوثة في صفحاتها ، وإن كانت لكل منهم رؤاه ورواءه ولون قلمه المميز وبصمته . للأستاذية  مسئولياتها الجسام ، ولقد كنت ذلك الأستاذ القدير المقتدر .

 

3-

 

          كتب طلال في كلمة لم تلقى في ذلك المحفل الذي  احتفى به شخصية  صحفية  لهذا العام 2009: 


(( يداهمني مع الامتنان لهذا التقدير السامي الشعور باقترابي من نهاية المسيرة.


ويتملكني الخوف أكثر من الزهو، حين ألتفت الى قائمة المكرمين قبلي، فأجد ان غالبيتهم قد غادروا دنيانا، وان الجائزة قد منحت لذكراهم!
ما أمتع الرحلة في قلب الصعوبة: غادياً راجعاً بين نجمتي صبح، لا خلف خلفك، ولا محطة للاستراحة، والأمام تحدٍ مفتوح على الاستحالة، موعدك الشمس وقدرك ان تتقدم في الطريق الى تاريخك الذي يراد مسخه حتى ينكرك فتنكره، تلملم آهات التمني وتأوهات الوجع وزفرات الضيق بالعجز والرغبة في قهرها، فتعيد صياغتها حتى تكون صوت الذين لا صوت لهم.


هل أكملت ما كنت تفترض ان لا بد من قوله، لان الصمت مقبرة الجبناء؟!


وهل آن أن يغادرك قلمك او ان تغادره، وكلاكما شرط حياة للآخر الذي ليس إلاك... وفي مهنة لا يدق فيها جرس الانصراف إلا مرته الأخيرة؟!
أعترف بأنني من جيل لا يعرف التقاعد ولا يعترف، حتى بينه وبين نفسه، بأنه قد شاخ، وآن له ان يرتاح .. فالراحة انطفاء، وما زال في مصباحي بعض الزيت ! ))

 

مصباحك لن يجف زيته ولن ينضب ، أستاذنا طلال ، إذ "السفير" هنا ، وقلمك وأقلام تلاميذك  تحبر صفحاتها بحبر الانتماء الشامخ لأمة  عربية شامخة ، لن تقهر عزائمها  النكبات

 

4-

 

هذا العروبي الأميز ..

 

ليس فقط في قلمه وحبر كتابته ، بل هو الأفصح بها ، وهي المزروعة في جيناته ، الجارية في شرايينه مجرى الدم ، أو هي الدم نفسه . ولذا فلن يكون هو المنحاز لطرف سياسي ضد طرف، ولا السائر في تيار يواليه ضد تيار يعارضه . هذا العروبي الأميز هو سمو الفكرة  يبصر كبصر وبصيرة زرقاء اليمامة هذا المستقبل العربي ، ينسدل حوله إظلام المتآمر فيلتبس علينا ، فيرفع إصبع التنبيه  . يقف بعضنا  ويحسب نفسه في موقف الحق الأوحد والحقيقة الأخيرة ، فتنكسر المرايا العاكسة على واقعه المتشظي ، فيكاد من توهمه أن يحسب النصر المؤزر في جانبه وحده ، وأن  شقيقه في الوطن ، هو الغريب  المخطيء الآثم . لا تنكسر المرايا العاكسة، ولكن أيضا  تنكسر مرايا الوطن في تشظيها ، فيلتبس الحاضر علينا ، ويغرق الماضي في بحر ظلمات بلا قرار .  لا نحكي عن يسار ويمين . في لغة "السفير" / طلال تنحاز الكلمة بكامل حروفها إلى "العروبة "، تلك العنقاء التي تتراجع يوما إثر يوم إلى برية الحلم البعيد ، تسجل إستحالة انتزاعها من الاشتباك المأساوي الذي صوروه في الغرب ، صداما ومواجهات ومقاتلة وكأنه واقع أبيد وحال لن يتغير. قال طلال مرة عن العروبة  أنها في محنة . ولهي الآن في كارثة ماثلة . وليست العروبة عند طلال هي الماضي المدفون في رمال التاريخ ، كما ليست هي هذا الخراب الذي  نرى عليه  ما يوصف بالأنظمة العربية . الأنظمة شيء والعروبة /الفكرة والحضارة شيء آخر .  كتب في رسالة جوابية للأستاذ وليد جنبلاط  في ديسمبر عام 2004 : (( إن العروبة هي العروبة . هي طريق المستقبل.هي الخلاص .هي منهج التحرر من التبعية للأجنبي، وهي ضمانة الوحدة الوطنية في لبنان كما في أي قطر عربي آخر، هي تجاوز  الطائفية والمذهبية، وهي شهادة جدارة لهذه الأمة بالحرص المطلق على كل عناصرها، لأي دين أو لأية  طائفة انتموا. . والعروبة سيرة نضال مفتوح على الغد . وكما علينا مواجهة الهجمات عليها من الخارج فإن علينا حمايتها من أخطاء الداخل، بتوكيد الانتماء اليها هوية ومصيرا والدفاع عنها، ضد بعض أهلها، إذا لزم الأمر.)) هكذا كان يرى طلال ذلك الخيط السببي الذي  أشعل الحرب الأهلية في لبنان  بعد سنوات قليلة ، ممتداً من هزيمة "العروبة" الناصرية في 1967.

 

5-

 

        هذا العروبي الأميز ، كم يشرّف الأقلام العربية التي تقود صحافة العالم العربي . جديرة هي الجائزة برجل مثل طلال . شرفت به وشرف بها . من يرى أن "السفير" محض صحيفة عربية ناضجة وشامخة ، لربما  فاته أن يدرك أنها مدرسة صحفية كاملة المعالم ، ومنارة  وخط عروبي ، بيارقه مرفوعة فوق الهامات ، تذكرة  لنا جميعا أن لا تفتر لنا قناة وأن لا تنكسر فينا إرادة . في ظلامات العصر الراهن ومظلومياته ، فإن البحر اللجيّ الذي تدافعت فيه سفائننا ، ليحتاج لبوصلات ، وإن "السفير" هي  بوصلة للعروبة ، ودليل إضاءة  لا غنى لها  عنه  . .

 الخرطوم - مايو/أيار 2009