أقرب إلى القلب:

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
صدر كتاب "تاريخ مدينة الخرطوم تحت الحكم المصري 1820-1885"   في القاهرة، ورقم ايداعه  بدار الكتب المصرية هو 7217/2000 ،( بما يوحي ان سنة النشر هي 2000م) ورقم  ال ISBN هو  5 -6668-01-977  . الكتاب من تأليف د. أحمد أحمد سيد أحمد ، عن الهيئة المصرية العامة للكتاب في عام 2000م ، في سلسلة تاريخ المصريين تحت الرقم185، ويقع في 515 صفحة من القطع المتوسط. رئيس تحرير هذه السلسلة هو الدكتور المصري الراحل عبدالعظيم رمضان . كتب في مقدمة الكتاب، أنه  في الأصل رسالة حصل بها صاحبها على درجة الدكتوراة من كلية الآداب قسم التاريخ ، تحت إشراف الأستاذين الجليلين د. محمد فؤاد شكري ود. محمد أنيس ، وذلك في عام 1963( لا تشير المقدمة إلى اسم الجامعة). وإني لا أنوي هنا استعراض الكتاب ، فهو كتاب  ذو قيمة أكاديمية عالية بلا شك . ولكن لابد من الإشارة إلى محتوى الكتاب ، فهو كما يقول مقدمه يقوم على فصول سبعة ، تناول كاتبها عواصم السودان قبل حملة محمد علي باشا في 1820، وأسماء السودان المختلفة، والعلاقات المصرية السودانية في مختلف العصور، وأصل تسمية الخرطوم وتشييدها على يد خورشيد باشا، وخارطة المدينة وتقسيمات سكانها . خصص المؤلف فصلا مهما عن مجتمع الخرطوم من عرب وعبيد وترك ونصارى ، ثم عرض على جوانب التعليم والصحة ، كما تناول التمثيل القنصلي في الخرطوم . ويضيف د.عبدالعظيم رمضان  في مق دمته  أنها دراسة " جديرة بالقراءة وبأن تحتل في المكتبة العربية مكاناً  مرموقا ." ص 6.
غير أني وقفت محتارا عند بعض ما لاحظت على الكتاب وما اكتنف  أسلوب نشره وعرضه من غموض . أريد أن أشرك القاريء – سودانياً كان أم مصريا – للتمعّن في الملاحظات الخمس التالية . ولا بد من أن أشير إلى أني لا أستهدف تشكيكا في شخص عالم ومؤرخ له مكانته مثل د. رمضان ، اختلفنا معه أو اتفقنا ، خاصة وأنه في ذمة الله وقد رحل عن الفانية  في يوليو من عام 2007 .
1  / 
لا يشير الناشر، وهو الهيئة المصرية العامة للكتاب، ولا المشرف على سلسلة "تاريخ المصريين"، وهو د. عبد العظيم رمضان ، إلى إسم الجامعة المصرية التي منحت د.أحمد أحمد سيد أحمد الدكتوراه في التاريخ أوائل الستينات ، والتي تفيد هوامش الكتاب أن المقابلات الميدانية والروايات الشفاهية ، قد جرتْ في حوالى عام 1958م . والأرجح أن تكون الجامعة التي منحته تلك الدرجة العلمية الرفيعة ، هي جامعة القاهرة ، إذ معروف أن د. محمد أنيس ، المشرف على رسالة الكاتب أحمد سيدأحمد ،  كان يدرّس فيها تلكم السنوات .
2/
ذكر د. عبد العظيم رمضان  في المقدمة التي وضعها لكتاب تاريخ مدينة الخرطوم ، أنه لا يعرف المؤلف إن كان حياً أو ميتا (( وإنما الذي عرفني على الرسالة أنني اشتريتها من سور الأزبكية بطريق الصدفة من نحو عشرين عاما ! وقرأتها وأعجبت بها ، ثم رأيت أن أخرجها الى النور باصدارها في هذه السلسلة المجيدة ..))  ص.5 ، فإذا كان قد دفع بها للنشر في عام  2000م فهذا يعني أنه عثر عليها - صدفة على زعمه - في الأزبكية حوالى عام 1980.. وأطنب رمضان في تقريظ الرسالة  لقيمتها العلمية . ولكن نجد أن دكتور رمضان نشر كتبا عديدة في التاريخ الحديث وتاريخ مصر والسودان على وجه الخصوص، مثل كتابه :"أكذوبة الإستعمار المصري للسودان :رؤية تاريخية"، 1988، سلسلة تاريخ المصريين عن الهيئة المصرية العامة للكتاب ( وأيضاً رئيس تحرير السلسلة هو د. عبدالعظيم رمضان ) . ونلاحظ أنه  لم يشر عموماً في كتابه  إلى أيّ مرجع بصورة دقيقة وعلمية ، بل أورد قائمة بمراجع في خاتمة صفحات الكتاب ، برغم خطورة الموضوع الذي تناوله في كتابه. مما يدعو للعجب أنه نشر كتابه عن "أكذوبة الاستعمار المصري للسودان" في 1988، لكنه لم  يشر إلى كتاب أحمد سيد أحمد برغم أهميته الوثائقية لموضوعه ، ولم  يرد ذكر له ، وهو بحوزته منذ 1980، وهو الذي أقرّ بضرورة أن يحتل كتاب سيد أحمد مكاناً مرموقاً في المكتبة      العربية  ! الذي رأيناه هو أنه استبقى الكتاب حبيساً في مكان مرموق  في مكتبته الشخصية ولعشرين عاما!
3/
يشير د. رمضان إلى أن صاحب مخطوطة  "تاريخ مدينة الخرطوم" ، نال عليها  درجة الدكتوراة ، على يد  أستاذين جليلين هما  محمد أنيس و فؤاد شكري ، وذلك في عام 1963 .
ونشير هنا  أن د. محمد أنيس هو الذي أشرف على رسالة عبد العظيم رمضان للماجستير في 1964 ، حسب سيرة رمضان الذاتية ، علماً بأن السنة  التي أعد فيها د. سيدأحمد رسالته وبإشراف ذات الأستاذ الذي أشرف على رسالة رمضان ، هي سنة 1963  . غير أننا نقرأ في مقدمة د. عبد العظيم لكتاب سيدأحمد  ، أنه (( لا يعرف صاحبها ولا يعرف إن كان حياً يرزق أو صعد إلى بارئه ! ))  وللقاريء أن يسأل معي كيف لا ينجح مؤرخ مهنته التقصّي عن الحقائق ، في الوصول إلى هوية من كتب هذه الرسالة التاريخية النادرة عن عاصمة السودان  وتطورها بين  1820م و1885م . ولا نتصور أن لا يعرف أو يتذكر  أستاذ جامعي في مثل قامة الراحل محمد أنيس ، طلاباً في مثل مستوى د. سيدأحمد ، أو د. عبد العظيم رمضان ، يعدّون باشرافه رسائل دكتوراة أو ماجستير في سنوات الستينات من القرن العشرين ، تناولتْ موضوعات في مثل هذه الأهمية للسودان ولمصر ، وتظل طيّ النسيان  محفوظة – ولا نقول مخفية – طيلة عشرين سنة كاملة من 1980 إلى 2000م . تشير سيرة د.رمضان أنه حصل على الدكتوراة في التاريخ الحديث من جامعة القاهرة عام 1970!
4/
الملاحظ  أن مخطوطة رسالة الدكتوراة التي كتبها د. سيدأحمد، كتبت بمهنية أكاديمية عالية ويكفي أن نعلم أن ثبت المراجع الأفرنجية التي عاد إليها المؤلف موضحة بأرقام صفحاتها ، بلغت 257 كتابا ومخطوطة ومذكرة . أما المراجع العربية فقد بلغ عددها 72 كتابا ومخطوطة ووثيقة ومن مظانها في القاهرة ولندن والخرطوم  . أكمل د. سيدأحمد ثغرات رسالته باللقاءات الميدانية  والروايات الشفاهية مع شخصيات التقاها خلال جولته في الخرطوم عام 1958  ، والتي رأيت أن أثبت هنا  بعضا منها :
- عبد الله عبد الرحمن (الضرير)  ، من ام درمان ، مؤلف كتاب العربية في السودان ، 1922الخرطوم
- عبد الرحمن جميل الله   ، من حلة خوجلي
- ابراهيم عبد الرزاق  .
-   ابراهيم صديق ، التقاه المؤلف عام1958 ،    وهو ناشر كتاب الطبقات ومن أهالي حلة خوجلي (ص95)
-  أحمد الأحمر ،  قابله المؤلف عام1958  ،  (ص 99)
- عبد العزيز بن الزبير باشا  رحمت.. ( كتب اللقب هكذا ! ) وهو من أهالي الخرطوم بحري (ص95).
- أحمد البدري  ، من القوز 1958.
- يوسف النور   ،     من ام درمان . 
-  نصر الحاج   ، من  سكان توتي ،  وهو معلم .
-  الشيخ نورالله علي  ، الحماداب ،  1958 .
-  أحمد ابو سن   ،  من معمري توتي .
-  ابراهيم سوار الدهب   ، من بري .
-  محمد نور عثمان .
-  المنصور محمد الصديق ود حضرة ،  من شمبات .
- احمد بابكر موسى . (قد يكون المقصود هو الراحل بابكر أحمد موسى ، معلم التاريخ في الثانويات  في الستينات والسبعينات  – الكاتب).
-  الحسين وني .
-  محمد البادي ، من الجريف غرب .
- الاستاذ محمد عبد الرحيم .
- عمر الخليفة ، ابن الخليفة عبد الله ، الاكبر .
- عبدالله الامير إسماعيل ، من ام درمان .
- المبارك ابراهيم ، رئيس تحرير مجلة  "هنا ام درمان .
ومع أهمية الرسالة الجامعية التي كتبها د.أحمد أحمد سيدأحمد ، إلا أنها ظلت مجهولة في طي " أدراج " د. عبد العظيم رمضان لأكثر من عشرين عاما ، وظني أنها وبما حوت من معلومات تاريخية  ثمينة ، تظل عملا استثنائيا لافتا ، ولا أعرف إن كان علماؤنا قد نظروا في هذا العمل الهام أو علقوا عليه .  
5/
يلاحظ أن المؤلف سيد أحمد يورد أسماء الأماكن السودانية ، والأشخاص من  المعروفين أومن غمار الناس ، بدقة متناهية ، فيما عُرف عن الأكاديميين والصحافيين المصريين إيرادهم الأسماء السودانية بأغلاط واضحة وقد تكون متعمدة . ولقد درجت  الصحافة المصرية في سنوات السبعينات ، على سبيل المثال ، أن تسمى الرئيس السوداني وقتها : "محمد جعفر النميري" ، قياساً على اسم الرئيس المصري " محمد أنور السادات" ! والأمثلة كثيرة .
يورد المؤلف د.سيدأحمد بعض الألقاب السودانية بأسلوب ومعرفة باللهجة السودانية : في ص 80 يكتب : (( نجد الفكي (الفقيه) المشهور إدريس ود الأرباب  الذي أسس والده مدينة العيلفون ...إلخ )) . ويضع تعريفا "للعنقريب" ، ويصفه بدقة متناهية .  ولقد ذهب بي الظن أول الأمر إلى أن د. أحمد أحمد سيد أحمد  قد يكون سودانياً ، خاصة لجهة إسم جده المركب وإسمه المكرر مع إسم والده . غير أنه يورد في هوامش الفصل الثاني من كتابه في صفحة  97 ، جملة ذات مغزى ، أبعدت هذا الإحتمال عن الذهن ، إذ كتب: (( وجبل أولي معروف عند الوطنيين بجبل أوليا وعندنا بجبل الأولياء ، وهو يقع جنوب الخرطوم بحوالي ثمانية وأربعين كيلومترا. .)).  تلك جملة تأتي من قلم ولسان غير سوداني كما هو واضح .
عزيزي القاريء،  هذا مقال مليء بالتساؤلات ، يشير إلى الملتبس ولا يتهم . أعجبني الكتاب الثمين ، ولم تعجبني حقيقة حجبه عن أعين القراء والمؤرخين لعقدين كاملين ، حتى وإن كان ذلك بحسن نية !
لا يفوتني وأنا أختم هذه التساؤلات إلا أن أزجي جزيل الشكر والامتنان للصديق الأستاذ متوكل ، صاحب مكتبة ودار المتوكل للنشر الأكاديمي في الخرطوم ، لإهدائه لي هذه النسخة التي قد لا تتوفر حاليا في أسواق الكتب  ، وألحق شكري بدعوة أهل الإختصاص للرجوع لهذا السِفر القيم قصد القاء الضوء عليه وعلى هذا العالِم والمؤرخ المجهول ، الذي أرى ما كتبه عن الخرطوم كتابة تاريخية موضوعية رصينة  غير مسبوقة . ليتني لا أكون أول من أشار للإلتباس الذي يحيط بقصة نشر هذا الكتاب، آملاً أن يأتي من يعمل على تكييف له يتسق وقوانين الملكية الفكرية . ورحم الله  د.عبد العظيم رمضان ، المؤرخ المثير للجدل ،  فقد نشر الكتاب آخر الأمر . .

بيروت - أبريل / نيسان 2008