أقرب إلى القلب :

 

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

(  1  )

 

          خرج عن دار الساقي عملي الروائي الأول بعنوان " نقطة التلاشي" في خواتيم عام 2007 ، ولمن لم يقرأ الرواية فإني أنوه هنا  أنأحداثها تدور على خلفية خروج الجامعة  العربية من القاهرة إلى تونس ، بعد توقيع الرئيس المصري السابق أنور السادات اتفاقيتي  كامب دايفيد ، وما وقع بعد ذلك من جروح وشروخ في جسد الأمة  . لم أخف أني أخذت الكثير من تجربتي الشخصية وأعدت صياغته في سياق الرواية . ولعل الناقد الحصيف سيقف  طويلا عند الحد الفاصل المموّه بين ما هو واقع وما هو خيال . وذلك جانب أتركه لسانحة أخرى ، ولأقلام نقدية غير قلمي .

 

          بقدر ما كنت مشغولاً بما يجيء من النقاد ، غير أني كنت أتطلع لتقصي الانطباع الذي ستتركه الرواية لدى زملائي الدبلوماسيين والسفراء على وجه التخصيص ، إذ أن روايتي  خرجت من ثنايا بعض تجاربهم ، ومن بين أضابير السياسة والدبلوماسية ، بما كان يصنف محظورا ، أو يوصف بالسرية ، ويحاط بالكثير من الإخفاء واتباع الحيطة  واجتناب تداوله كتابة أو شفاهة . تعلمنا الدبلوماسية وانخنا رحالنا في فيافيها ، خلال سنوات الحرب الباردة ، وقت كان توخي السرية  أقدس مقدساتها . دبلوماسية الحرب الباردة أخرجت روايات من نوع "الأمريكي القبيح" ، ومسلسلات أفلام الجاسوسية  التي بدأت  بجيمس بوند وتواصلت حتى السنوات الأخيرة ، جلها تمحور  في الصراع بين موسكو من جهة وواشنطن ولندن في الطرف الآخر. كانت الروايات الدبلوماسية آنذاك ، قليلة قليلة . ذكر جمال م. احمد في كتابه آنف الذكر، أن هارولد نيكلسون ، وهو دبلوماسي بريطاني سابق توفي في أوائل الستينيات ، كتب رواية "وجوه عامة" (Public Faces ، Penguin Books 1940   ) ،ويورد جمال  كتــاباً لـلاسترالي James Aldridge  عنوانه "الدبلوماسي"  عام 1949  (The Diplomat) .

 

         سألت نفسي : ترى كيف سيرى المسئولون في وزارة الخارجية  روايتي وقد صدرت لي وأنا أشغل منصب  سفير للسودان في بيروت ، وكيف يراها زملائي الدبلوماسيون ؟ دار السؤال في ذهني طويلا ، أدرت معه شريط سنوات الحرب الباردة التي علمتنا في سنوات الستينيات  والسبعينيات من القرن العشرين ، أن نلزم أنفسنا  بلوائح تحظر على الدبلوماسي أن يكتب مقالا في الصحف أو يظهر في أجهزة الإعلام . وإن احتاج أن يكتب عملا ابداعيا ، شعراً أو قصة أو مقالاً ، فإن عليه اتباع إجراءات مطولة  للحصول على الإذن والموافقة اللازمتين . تلك كانت بعض تقاليد مرعية على مستوى العالم ولم تكن وقفاً على السودان  . غير أني لا أزعم ان هنالك غلظة في التعامل مع الابداع في وزارة الخارجية . كلا !  أنظر رعاك الله ، في ابداع الدبلوماسيين الأدباء ، مذ نشأتها أول مرة في منتصف الخمسينات من القرن الماضي، لا تغفل عينك عن كتاب "باليه الشاعر" لمحمد عثمان يسن ، أول وكيلٍ دائم لوزارة الخارجية  الفتية. وكان ليوسف التني سفيرنا الأول بعد الاستقلال ديوانيه الشعريين "الصدى الأول" و "السرائر"، ثم تتوالى مؤلفات جمال محمد أحمد منذ ترجمته لكتاب "افريقيا تحت أضواء جديدة" عام 1961 وهو سفير للسودان في اثيوبيا.  وتوالت دواوين شعرية للراحل صلاح أحمد ابراهيم إذ يدخل إلى عالم الدبلوماسية بعد أن نشر ديوانه "غابة الآبنوس" ، ولمحمد المكي ابراهيم ديوانه الأول"أمتي" وهو دبلوماسي ناشيء ، ولسيد أحمد الحردلو ولدكتورعمر عبد الماجد ، والراحل عبد الهادي الصديق وقصص للروائي د.علي حمد ابراهيم ، ومن تلاهم من جيل دبلوماسي برع في الابداع ، وكثر بذله وغزر انتاجه . أما بعد اندياح ثورة الاتصالات وسطوع شمس الانترنت ، فقد تهاوى – مثلما تهاوى جدار برلين – جدار المنع والاستئذان والفسح الاعلامي والسياسي بأشكاله وألوانه. لقد كان انهيار جدار برلين عام 1990 ايذاناً  بنهاية  عصر من التصارع البارد ، وبداية عصر من الانفتاح والشفافية الكــونـية . عندها استشرفت الدبلوماسية فجراً جديدا . .

  

         (  2  )

 

         إبان عملي سفيراً ثانٍ (نائباً لرئيس البعثة)  في لندن بين عام 2000 وعام 2004 ، أدركت سريعاً تلك الأهمية الإعلامية للعاصمة البريطانية ، مصنع السياسات، ومضخة الترويج الإعلامي الأولى في العالم الغربي . تشكّل مزاجي الإعلامي وأنا أمارس مهنتي الدبلوماسية هناك ، إذ ما كان عسيراً عليّ أن أكتشف تداعي جدران الحيطة والحذر التي جبلنا عليها لسنوات طويلة ، حتى ادرك أن العصر الحالي هو غير ذالك العصر الآفل ، وأن الاتصال الميسور تجاوز أساليب الاتصال العتيقة ، بسلحفائيتها التي تهدر الوقت والطاقة، وصرنا على أعتاب دبلوماسية "رقمية"  تستفز الهمم والقدرات. 

 

        كنت أبعث بمقالاتي لصحيفة "الشرق الأوسط" اللندنية ، بهدوء حذر، ولم تبعد موضوعاتي عن هموم الوطن  وتنازع أبنائه حول هويته واتجاهاتها . ولكن لم يفت على وزير الخارجية آنذاك والمستشار الرئاسي الحالي د. مصطفى عثمان ، هذا الذي كانت تنشره لي "الشرق الأوسط " اللندنية من مقالات ، في سنوات الألفية الأولى ، ولم أفاجأ  . ولقد كان تشجيعه لي كلما جاء لندن عابراً في زياراته العديدة إلى تلكم الأنحاء ، دافعاً لي للتنفس الفكري بعمق والكتابة بقلم مرتاح ، غير وجلٍ ولا هيّاب .

 

        آخر المطاف ، وبعد أن عدت إلى الخرطوم وقد اكملت مهمتي في لندن ، أشار  وزير الخارجية عليّ أن أتولى  إدارة الإعلام بوزارة الخارجية ومهمة النطق الرسمي .علمت بعد ذلك أن الوزير الأسبق مصطفى اسماعيل اتخذ سياسة استصحبت  العناصر المستجدة في التواصل والاتصال، ونادى  بتشجع الدبلوماسيين للكتابة والنشر في الصحف ، بل والمشاركة في المنتديات السياسية الكاديمية المغلقة والمفتوحة  . كان هذا يعني أن آخر حجر تبقى في "جدار برلين" الإفتراضي في الخارجية السودانية ، قد  صار هباءاً منثورا ..

   

(  3  )

 

         كنت على قلقٍ وأنا أبعث بنسخٍ من روايتي "نقطة التلاشي" لوزارة الخارجية في أواخر عام 2007 ، برغم  اطمئناني أن الحال قد تغير، ونحن إلى انفتاح ، ومناخ سياسي وإعلامي  صحي  مجافٍ لمسلك الشموليات المنفّر، قد انداح في الأنحاء . أعرفك عزيزي القاريء عن روايتي انها تتناول أحداثا بالغة الحساسية : رحيل الجامعة من القاهرة إلى تونس، عرب الأطراف وعرب المركز ، الشروخ التي خلفتها اتفاقيتا كامب دايفيد ، حيرة الدبلوماسية السودانية في البحث عن منطقة رمادية آمنة ، والبطل السوداني في روايتي لا يجد مخرجا إلا في الهروب  .. إلخ . سألني الصحفي الكبير الصديق فؤاد مطر ، ضاحكا مستعجباً وقد قرأ الرواية أوائل عام 2008  : أما كنت تنتظر حتى تغادر مهنتك الدبلوماسية لتنشر هـــذه الرواية ؟ ثم أراني النسخة التي أهديته اياها وقد أعمل فيها ملاحظاته ،  فلم أرَ صفحة سلمت من حبر أحمر مسفوح من قلمه . زاد قلقي بعد الانطباع الذي خرج به فؤاد مطر عن رواية "نقطة التلاشي" ، من أن يكون انطباع زملائي الدبلوماسيين  شبيها بالذي قاله مطر،انطباعاً حسناً يخالطه إشفاق .

 

         كنت محظوظاً ، أو ربما أتت الرياح بما يشتهي السَفِنُ . تبخر قلقي إذ تناهى إليّ أن من أوكلتْ إليه مهمة النظر في الرواية من المختصين في الوزارة  ، لم يجد فيها  شيئاً ذا بال ، ولربما كانت توصيته أن لا حاجة للوزارة العتيدة أن تنشغل برواية جمال هذي ، وهي مشغولة  بما يكفيها ويزيد من تعقيدات الأزمة الناشبة في دارفور ، وأن لا حاجة للدبلوماسيين ، بهذا العمل "الخيالي". وهكذا لم تهتم الوزارة بالرواية . بعدها  راودتني فكرة الترويج لها في أوساط الدبلوماسيين ، خاصة شبابها ممن يتوقون للتعرف على شيءٍ من تجارب الرعيل الأول والثاني ، لينصلب العود ويشتد . لا عليك ،  فقد  التفتت  صحف لندنية ولبنانية وخليجية لرواية "نقطة التلاشي" ، وتبعتها صحف سودانية  وبأقلام رصينة ، أما وزارة الخارجية هنا فمع تقديري لأفضالها عليّ ، غير أنها بخلت بكلمة شكرٍ تقال  للسفير على ما كتب..!   وعلى عكس التوقع فقد بلغني امتعاض أطراف مسئولة في الوزارة ، بل نقل إليّ صديق وفيّ ، أنه سمع بأذنيه مسئولاً فيها يعلق لبعض خواصه في الخرطوم ، على  ما نشر سفيرنا في بيروت من شعر ورواية ومستنكراً : " ألهذا ابتعثناه ؟. . ؟! " لربما كان ذلك على سبيل الدعابة ، أو ما يصفه شباب اليوم بـ "الشمار"  والذي حتى لو كثر ، فلن يغير نكهة الفول !

  

(  4  )

 

         كتب جمال محمد أحمد في آخر فصول كتابه "في الدبلوماسية السودانية  " في سلسلة ثقافة للجميع  (أول كتاب في السلسلة)، والذي صدر عن وزارة الثقافة والإعلام في الخرطوم عام 1984:

 

(( أحب أن أقول لشباب الدبلوماسيين، إنْ قرأ بعضهم هذا الكتاب ، أن زملاءنا الدبلوماسيين الذين لقيناهم في العواصم التي عملنا فيها ، كانوا يشيرون علينا بكتب في الدبلوماسية  كانت نافعة . لكن الذي بقي منها في الذهن قليل . وكانت هي الكتب التي درسوها في جامعاتهم في شعب  الدبلوماسية، لكن بعد هذه الفترة الطويلة ، يجد الواحد أن  عنصرين جديدين في التعرف على طرائق وغايات الدبلوماسية ، فقد اتخذا مكانا ما كان لهما ن قبل على عهدنا الأول .

 

 العنصر الأول هو كتب السير وأذكر منها ثلاثة أمثلة (. . . )

 العنصر الثاني هو عنصر الرواية ، فالدبلوماسية كغيرها من المهن أوحت بروايات كثيرة تمتع وتفيد . كتب الروايات أطباء ومعلمون وكتبها دبلوماسيون ، والروايات التي أسوقها لك أمثلة هنا نوافذ على الدبلوماسية . عندي أنا – أضواؤها أبرق من أضواء الكتب التي أشار  بها علينا العارفون أكثر أيامنا الأول....))            ما أصدق  قلم الرائد والمفكر الراحل جمال محمد أحمد . رجل واسع الإدراك جميل العقل راجحه . ما قرأت له مقالا أو كتابا إلا ووجدتني اتبع نصيحته وأقتفي اثره . يداعبني اصدقائي السفراء : " عامل فيها جمال محمد أحمد ، تزهو باسمك هذا ! ؟"  

         ولا يسعني إلا أن أفخر أكثر بأني اقتفي آثاره واثره ، قدر استطاعة قلمي ، واني أمضي أصوغ من وحي بعض تجاربي في مسيرتي المهنية ، بعنتها ومعاناتها  ، قصصا وروايات ، ثم أجد جمالاً يكتب في عام 1984 عن أهمية الرواية التي يكتبها الدبلوماسي ، ففيها كما جاء منه ، الفائدة والمتعة . في مقال كتبه مؤخراً صديقي اللبناني الناقد سليمان بختي ، نقل عن الرئيس الفرنسي السابق جورج بومبيدو  قولا قديما له : "أن لا سياسة  بدون عمل شعري" . هكذا إذاً يتوافق كلام بومبيدو مع كلام الدبلوماسي المفكر جمال محمد أحمد ، يتلاقيان في رؤية ثاقبة ، وأكاد أسمع صدى صوتهما يتردد في برية الدبلوماسية ، يقول لمن سأل مستنكراً : نعم لمثل هذا ابتعثناه ......

   

يونيو/حزيران 2009

 نقلاً عن صحيفة "الأحداث"