فلتسألنّ يومئذ كيف أصطبح الشعب في بلادنا يوم الجمعة في ذاك التاريخ عام 1989م فملامح الطقس عليها غبرة منذ الساعات الأولى من الفجر و لم يكن الذهن العام الذي يتزيأ بالبساطة يبلغ درجة الكهانة أن تحت الحجر ما يعطل عجلة التاريخ و التطور و لم يخطر بباله الموغل في التواضع أن في الأفق علامة (أن القهر ينبت في الضلال) و ما درى العاديون ممن يأكلون الطعام و يمشون في الأسواق أن مذكرة الجيش الشهيرة في عام 88 تبعث الخوف من هذا اليوم في نفس نائب رئيس القسم السياسي بالتلفزيون وقتها و لا ينام بمفرده في منزله خشية أصداء الانقلاب على الديمقراطية و يخرج بعدها خائفا يترقب و مرغما خارج البلاد و يعود في يوم من الأيام ليشري نفسه بثمن بخس دراهم معدودة يستر بها عورته من غوائل الزمن و بالأحرف المادحة (ربي ما تحرم بيت من الإنقاذ). العارفون من أهل الباطن السياسي لم يغرقوا في بحر التوقعات فقد كانت الصورة جلية لديهم أن (غراب الشؤم الأسود) يحلق في سماء الصراع السياسي وأن ميكافيللي الجلابية والعمامة يدخل من مسامّنا مسرجا خيل الفتوحات نحو السجن حبيسا و يعتلي ظله رقاب الشعب رئيسا وفق الأكذوبة التي صلّت الصبح نافلة. ثلاثون عاما سلب فيها هؤلاء القوم الشعب عزته و كرامته و بساطته و فتحوا النوافذ لشكل جديد من أشكال التشفي بالسيف و غيره و الرقص على إيقاع تنظيم سياسي (منزوع الوطنية) تتقمصه لوثة أن لديه القدرة على عبور القارات و يكتب فجر كل يوم عمرا جديدا للسؤال السرمدي للطيب صالح طيب الله ثراه : من أين أتى هؤلاء؟

بعد ثلاثين عاما من العربدة و بعد أن أفنى هؤلاء القوم العمر و الجهد في استنبات الظنون و بث الشعور بالخسران والخيبات في أفئدة شعبنا العظيم و بعث (دينهم المشوه) ساعيا بين (سباتات) إسلامنا، إسلام أهل السودان الموشي بالمعارف التقليدية و الثقافات المتنوعة دون أن يطعن في جوهر الدين، و تنبت الأرض من كبرياء جرحنا ملايين الثوار في 30 يونيو 2019م و يكون لها موعد جديد مع القدر و مثلما كان 6 أبريل ملهما للجيل الجديد في صناعة الاعتصام و جمهورية أعلى النفق، كان هذا التاريخ يوم البعث للشعب ووفق إرادته يقبض و يبسط كيف يشاء ليتلو آية جديدة في سفر تاريخ الشعب السوداني ينسخ بها ما كتب بقلم الرصاص و إن بلغ من العمر 30 عاما في الرقاب و في لمح البصر تحكر في كتاب التاريخ بأنه إبن سبيل. لقد كان 30 يونيو 2019م علامة فارقة في مسار الثورة المجيدة فقد غسل القلوب الغلف من رانها بأن الدولة المدنية هي الغاية التي خرج من أجلها الثوار شاهرين هتافهم لا تعطله الأنفاق المظلمة المؤدية إلى استغفال الإدارة الأهلية في ثوبها القديم و لا يضعف عزمها ذاك الأكلاشيه المعربد في الذاكرة السياسية للشعب السوداني (ياخي ديل ملكية ساكت)، فمثل هذه الخطوط العريضة تسيدت العلاقة بين المدنيين والعسكريين علي أساس أن الأنظمة العسكرية في السودان حكمت أكثر من نصف قرن فوضعت المدنيين في المرتبة الأدنى تاريخيا إذ لا بد أن تهتز مثل هذه المسلّمات في العقل العسكري في حضرة الحديث عن مدنية الدولة. يأتي الاحتفال بالذكرى الأولى لهذا الانتصار العظيم و رئيس وزراء الحكومة الانتقالية دكتور عبدالله حمدوك قد بعث إعلاميا برسالة إلى العالم بأن السودان يتطلع إلى تقديم نموذج للشراكة بين المدنيين والعسكريين في القارة الأفريقية، و هذه الشراكة ينبغي بل يجب أن تنهض على قاعدة فتح مسارات التثقيف الليبرالي في المؤسسة العسكرية حتى لا تستغل عنصر القوة المودع بين يديها و يخرج السودان من الدائرة الجهنمية إلى رحابة الدولة المدنية الحديثة التي تكفل إرساء دعائم الحقوق والواجبات للمدنيين و العسكريين على حد سواء. كان لا بد للقوى السياسية أن تكون أذن خير لصوت لجان المقاومة و أسر الشهداء الذين رأوا أن يحتفلوا بهذه المناسبة و لكن في ظروف صحية بالغة التعقيد بسبب جائحة كورونا مما يجعل على العقل الجمعي الشعبي ابتداع وسائل الوقاية و العمل بنصائح اللجنة العليا للطوارئ الصحية و أهمها التباعد إذ يمكن لجموع الشباب أن تأخذ شكل مصفوفة أو دروع بشرية شريطة أن تكون المسافات وفقا لما ورد في البروتوكولات الصحية، أما ثقافة لبس الكمامات فلا شك أن دائرتها في اتساع و يمكن أن تحمل هذه الكمامات صورا لشهداء الثورة و تحمل شعاراتها التي تجسدت في (دير الاعتصام)، ترافقها لافتات تحمل تعبيرا واضحا عن المطالب و من الأولويات التي يجب الاهتمام بها أن تكون جموع المشاركين في حدود المدن الثلاث تحمل تعبيرا شعبيا لا مركزي على أن يكون ذلك في درجة عالية من التنظيم و في مسارات محددة ضيقة الدائرة منعا للمتربصين الذين ينتظرون هذه المناسبة لتنفيذ أجندتهم الظلامية بانتهاج خط العنف و يسعون في ذلك إلى دفع جموع المشاركين و دون وعي نحو الخروج عن سلمية الثورة و استغلالا لهتاف الشارع الذي له كامل الحق في رفع شعارات التقويم المتمثلة في استكمال هياكل السلطة الانتقالية و محاكمة رموز النظام البائد. و على القوات النظامية القيام بدورها كاملا غير منقوص في حماية هذه الجموع السلمية لأنها صوت الشعب الذي اتخذ السلمية شعارا لفت أنظار العالم و أصبح مثالا يحتذى في غلبة الإرادة الشعبية، فالتدافع في فناء الحرية يؤسس لإمكانية الرفض لأداء الحكومة و لا يمثل ذلك رفضا للنظام الذي ينقلنا للتحول الديمقراطي المنشود و لذلك يجب علينا الحفاظ على هذا التدافع الذي يغلق و إلى الأبد باب الدائرة الجهنمية التي تتسيدها الانقلابات العسكرية التي تكتم أنفاس التطور الطبيعي لبلادنا. إن أبرز ما تفضل به رئيس الوزراء في أول حوار في تلفزيون السودان أن نجاح الفترة الانتقالية رهين بدرجة الانسجام بين قوى إعلان الحرية والتغيير والحكومة و هذا الحديث يجب أن يتجاوز حدود الشعار إلى انبساط القرار بفاعلية الرئيس الذي جاء محمولا إلى هذا التكليف التاريخي على أكتاف حاضنة الثورة، و ينظر الجوار الإقليمي بل و كثير من شعوب العالم التي تابعت مسارات الثورة السودانية إلى الحبل السري الذي يربط الرئيس بالحاضنة بوصفه الطريق الذي يجعل حكومة الفترة الانتقالية تتسم بالسلاسة في هذا الانتقال مدعومة بوعي الشعب و إدراكه. سيظل تاريخ الثلاثين من يونيو في حلته الجديدة محفورا في الوجدان و ناسخا لمحطة الاستبداد والفساد و الطغيان و مدخلا للأخذ بتلابيب معطيات بناء الدولة الحديثة.