هناك عبارة ذهبت مثلاً، منذ خطّها قلم أحد كبار مصممي حملة بيل كلينتون الرئاسية في عام 1992 على سبّورة في مقر رئاسة الحملة: "إنه الاقتصاد يا غبي". ونحن بالطبع نعيذ من يعتقدون أنهم حكّام السودان اليوم من أي غباء، حاشا لله. ولكن هذا لا يمنعهم من الاستفادة من حكمةٍ نفعت أغبياء كثيرين وغيرهم (أو أضرّهم الجهل بها). كان الاقتصاد هو الذي أسقط جعفر النميري، حين فرض إجراءات تقشّف صارمة في مارس/ آذار 1985، وسافر إلى أميركا في "خروج نهائي". الاقتصاد أطاح عمر البشير الذي يقبع الآن في سجن استحقّه. وقد يطيح قريباً حكومة رئيس الوزراء عبد الله آدم حمدوك (إذا كان هو فعلاً من يحكُم).

الاقتصاد السوداني الآن في حالة سقوط نحو القاع: قيمة العملة تقترب بسرعة من الصفر، وليس لدى الحكومة أرصدة تدعم بها العملة، أو أمل في وصول معونات دولية كافية قريباً، أو خطط ذات صدقية من أجل إيقاف التدهور. ذلك أن معظم الجهات المنتظر دعمها لا ترى جدوى من صبّ الماء في سطلٍ مثقوب. ويطالب الداعمون برفع الدعم عن السلع الضرورية، والذي يستهلك نحو 12% من الناتج القومي، بينما تُماطل الحكومة خوفاً من غضب الشارع، من دون أن تتقدّم بأي خطة بديلة. وكل تأخير سيجعل الدواء أكثر مرارةً، لأن الفجوة بين السعر الحقيقي للسلع والسعر المدعوم ستتسع، ومعها الصدمة الناتجة عن رفعه.

المعضلة أن التضخم المنفلت من عقاله يهدّد الاستقرار السياسي، ولن يؤدي فقط إلى إسقاط الحكومة، بل إلى تفتيت البلاد، فإذا فقدت العملة قيمتها، كما حدث من قبل في بلدانٍ مثل فنزويلا وزمبابوي، تصبح الحكومة غير قادرة على دفع مرتّبات موظفيها وجنودها، وبالتالي تنهار المؤسسات. ولكن سقوط الحكومة أو استيلاء جهةٍ عسكريةٍ على السلطة لن يحسّن الأمور، فالأمر لا يتعلق بتغيير الحكومة، وإنما بإيجاد مناخٍ من الاستقرار، وتبنّي سياساتٍ اقتصاديةٍ فاعلة وحكيمة. فتجربة البلاد التي وقعت فيها تغييراتٌ سياسيةٌ بسبب أزمات اقتصادية، تفيد بأن الأزمات تتفاقم بعد التغيير. ففي اليمن مثلاً، ثار الحوثيون ضد زيادة حكومة عبد ربه منصور هادي سعر المحروقات في سبتمبر/ أيلول 2015 من مائة ريال يمني للتر إلى مائتي ريال، وجيّشوا الشارع ضدها. وعلى الرغم من تراجع هادي عن قراره، وتخفيض السعر إلى 150 ريالا، فإن الحوثيين أصرّوا على انقلابهم في 21 سبتمبر. وخلال شهر، أصبح اللتر من المحروقات يباع في السوق الأسود بسعر بلغ خمسمائة ريال! وفي السودان نفسه، أدّى سقوط نظام البشير في إبريل/ نيسان الماضي إلى مزيدٍ من التدهور في الوضع الاقتصادي، بزياداتٍ حادّة في الأسعار، وهبوط حر لقيمة الجنيه السوادني.

وعلى الرغم من أن عوامل اقتصادية بنيوية لها دور كبير، مثل عجز الميزان التجاري، والإنفاق الحكومي المرتفع، إلخ، إلا أن العامل السياسي هو الحاسم في هذه المرحلة. مثلاً ضخّم الإعلام الرسمي وتصريحات المسؤولين السودانيين من تمرّد محدود على خلفية مطلبية لبعض عناصر الأمن السوداني في منتصف الشهر الماضي (يناير/ كانون الثاني 2020)، ووصفه بأنه محاولة انقلابية، ما أحدث حالةً من الهلع وانطباعاً بعدم الاستقرار في البلاد. في الفترة نفسها، قامت الحكومة بمصادرات وإغلاق للصحف ووسائل الإعلام، وإغلاق مؤسسات إغاثية كانت تخدم آلاف الفقراء، وذلك كله في ظل استمرار صراعاتٍ بين عناصر الحكم، وعدم وضوح السياسات. على سبيل المثال، ظلت تصريحاتٌ متضاربةٌ تصدر بشأن ميزانية العام الجاري من جهات خارج الحكومة وداخلها، وما زال الغموض يحيط بها. كذلك يوجد عدم استقرار في مؤسسات الدولة، الإدارية والاقتصادية.

الأولوية في أي معالجة للوضع الاقتصادي المتأزم هي لإيجاد مناخ استقرار سياسي، عبر تخفيف حدّة التوترات، ووضع أسسٍ واضحةٍ تحكم التوقعات. وهذا يعني، قبل كل شيء، أن تكون هناك جهة معروفة تتولى الحكم. وحتى الآن، لا يعرف أحدٌ ما إذا كان رئيس الوزراء هو الذي يحكم، أم رئيس مجلس السيادة، عبد الفتاح البرهان، أم نائبه محمد حمدان دقلو، أم "قحت" (قوى الحرية والتغيير)، وأي "قحت" تحكم، أم هو الحزب الشيوعي، وأي جناح فيه. وكأن هذا لا يكفي، فإن هناك جهات تسمّي نفسها "لجان المقاومة"، لا يُعرف من أسّسها، ولا ما هي صلاحياتها، مع سؤال محوري بشأن مغزى وجود مقاومة في بلد غير محتل، وتحكمه (نظرياً) حكومة ارتضاها الشعب. فنحن لسنا في فلسطين! وبعد أن نتأكّد من جهة الحكم، لا بد من أن تكون لهذه الجهة سياسات اقتصادية واضحة.
هناك إذن فوضى متراكبة، تنعكس في حالة عدم استقرار اقتصادي، تبدأ من عدم معرفة من يحكم، وما هي سياساته. ولا يمكن للنشاط الاقتصادي المتزن أن يستمر في بيئة غير مستقرة، لا يكون الإنسان آمناً فيها على ممتلكاته وأمواله ومآلات استثماراته. وهذا ما يفسّر الميل إلى تحويل الأرصدة إلى عملة صعبة، أو إرسالها إلى الخارج، أو شراء الذهب والعقار. وأكاد أجزم بأن معظم وزراء الحكومة الحالية، إن لم يكن كلهم، يتبعون هذا النهج العقلاني في تأمين أرصدتهم. وفي ظل تضارب الأصوات الصادرة من الجهات الفاعلة، من داخل الحكومة وخارجها، حول السياسات التي يجب اتباعها، فإن من غير المستغرب أن يسود شلل اقتصادي، لأن الجميع ينتظر وضوح الصورة، قبل أن يغامر بأمواله في المجهول.

يتطلب الاستقرار الوضوح السياسي، وكذلك تقليل التدخلات السياسية في الاقتصاد، فللاقتصاد منطقه الصارم الذي لا تُجدي معه المحاولات الصبيانية لإملاءاتٍ سياسيةٍ، ترتد عكسياً على أصحابها. ويكفي تذكر محاولة نظام الإنقاذ في أول عهده الهيمنة سياسياً على الاقتصاد، حتى بلغ به الأمر إعدام المتهمين بحيازة العملة الصعبة أو تهريبها، وغير ذلك من أنواع الخبال. وفي النهاية، اضطروا، مثل غيرهم، للخضوع لمنطق السوق. ولم تكن هذه هي المشكلة، في نهاية الأمر، وإنما التدخلات السياسية في السوق، عبر الشركات الحكومية والمحاسيب وأنصار النظام من أهل الحظوة، وكل أشكال الفساد الأخرى.

وهل نحتاج هنا للتذكير بأن أول تجليات الحداثة كان استقلال السوق عن السلطتين، السياسية والكنسية، ما مهد للازدهار الاقتصادي؟ وقد فشلت كل محاولات تطويع السوق للفعل السياسي، إلا تلك المحاولات التي أخذت منطق السوق في الاعتبار، مثل سياسات دولة الرفاه التي حققت نجاحاً كبيراً في حسن توزيع الثروات. وتقوم هذه السياسات على اعتماد منطق السوق، وتدخّل الدولة عبر الضرائب والمعونات لضمان العدالة الاجتماعية. ولعل النموذج الاسكندنافي هو الأمثل والأكثر جاذبية في هذا المجال، من حيث جمعه بين العدالة الاجتماعية والازدهار الاقتصادي.

من هنا، يحتاج الوضع في السودان أولاً إلى قيام حكومة مدنية ذات سلطة، تكون بعيدة عن التدخلات المستمرة من خارجها، مع وضوحٍ في سياسات هذه الحكومة وقدرة على تنفيذها. ثانياً، يجب أن تشيع هذه الحكومة مناخاً من الهدوء والاستقرار، ليس فقط عبر إحلال السلام في كل ربوع السودان، بل قبل ذلك بعدم افتعال صراعاتٍ وحروبٍ جديدةٍ وتصدّعات طائفية لا مبرّر لها. وكما في المقولة المشهورة إن أولى واجبات المستشفيات ألا تسبّب المرض، كذلك فإن أولى واجبات الحكومة أن تحسم الصراعات، لا أن توجدها، وألا تتسبب بضررٍ اقتصاديٍّ عبر تدخلاتٍ عشوائيةٍ في السوق. وإذا كانت هناك حاجة لتعديل وضع مؤسسات تابعة للدولة، أو ذات صفةٍ متعددة ضد حكومة الشعب مشبوهة، فلا ينبغي الإسراع بإغلاقها وتشريد العاملين فيها، وإنما ينبغي التعامل معها بمنطق اقتصادي سليم. ولعل الأمثل هو إنشاء مفوضية مستقلة، تتكون من رجال أعمال وقانونيين مشهود لهم بالكفاءة والنزاهة، تتولى تعيين إداراتٍ مؤقتةٍ لهذه المؤسسات إلى حين تطبيع وضعها أو بيعها. ذلك أن تدمير المؤسسات القائمة، تحت أي ذريعة، مساهمةٌ في تخريب الاقتصاد في هذه المرحلة الحرجة. على أن تكون هناك ضمانات صارمة ضد أن يتحوّل هذا الإجراء إلى ذريعة للفساد، أو مدخلاً للزبائنية ومنفعة الموالين السياسيين والأقارب، كما هو الحال الآن في توزيع المناصب الحكومية. كذلك يجب استخدام أدواتٍ اقتصادية، مثل الضرائب والغرامات، للتعامل مع الجهات الاقتصادية التي يُعتقد أن فيها إشكالات.

في ما يتعلق برفع الدعم، فإنه لا جدوى من تأخيره، ولكن يمكن تطبيقه بصورة ذكية، مثل إجراء زياداتٍ تدريجيةٍ بنسب مئوية صغيرة كل شهر أو شهرين. وفي الوقت نفسه، تحديد مخابز ومحطات وقود في كل حي تباع فيها المنتجات بأسعار أعلى من أسعار الكلفة، إضافة إلى ضريبة صغيرة تستخدم لزيادة رصيد الدعم. ذلك أن قطاعاتٍ واسعةً من الموسرين لن تجد مشكلة في دفع أسعار أعلى لهذه السلع، ولا تحتاج للدعم أساساً. ويمكن بالقدر نفسه، توفير هذه السلع عبر قنوات التوزيع التجاري بأسعارٍ غير مدعومة.

الخلاصة أن السودان يحتاج إلى حكومة أولاً، لأننا بصراحةٍ لا نعرف من يحكم، والحكومة تحتاج سياسات واضحة وشفافة، لأنه لا أحد، صراحة، يعرف السياسات التي يجب أن تكون بدورها خادمة للاستقرار، لا مدمّرة له. لقد انتهت الثورة الآن، ولا حاجة إلى "لجان ثورية" أو "مليشيات" متعددة ضد حكومة الشعب. ولنا عظة وعبرة في ثوراتٍ دمرت نفسها عبر اعتماد مراكز قوى ومليشيات متنازعة ترفض الخضوع لسلطة مركزية. الأفضل الخضوع طوعاً لسلطة مدنية، قبل أن يجبر القوم على الخضوع قهراً لمثل عبد الفتاح السيسي وخليفة حفتر وبشار الأسد. والله من وراء القصد.