في مطلع تسعينات القرن الماضي. يممت وجهي شطر الصومال لتغطية حربها الأهلية، والتي كان يدور رحاها آنذاك بين مليشيات اثنين من جنرالات الحرب، هما محمد فارح عيديد وعلي مهدي محمد. كان الأول يرى أنه أحق بالرئاسة، لأنه لم يكتف بطرد سياد بري من (فيلا صوماليا) أي القصر الرئاسي، ولكن طارده حتى الحدود الكينية، وعندما عاد وجد أن الثاني نُصَّب قسراً، أو كما زعم. كان القسم الجنوبي من العاصمة مقديشو الذي تدور فيه المعارك الطاحنة، تنبعث منه روائح الموت من كل ركن، وأين ما ذهبت ستطالع عيناك مقاتلين يحتمون ببقايا المنازل والمنشآت، ويتوشحون أحزمة الرصاص تباهياً. كل شيء في العاصمة التي كانت تضج بالحيوية آل إلى خراب. غير أنه من بين ذلك الحطام المبعثر، كان هناك (فندق) صغير، استطاع صاحبه واسمه محمد، أن يحافظ عليه بمليشيا (قطاع خاص) وبذكاء يقارب الدهاء، قام بتغيير اسمه إلى فندق (الصحافي) فكان ذلك مدعاة لأن تهوى إليه أفئدة الصحافيين، فصار قبلتهم. وعلى الرغم من أنه لا عاصم يومذاك من الحرب وجحيمها، لكن المفارقة أن التسمية الجديدة حجبته من عيون المليشيات المتناحرة.


(2)
نشأت بيني وبين محمد (الذي نسيت اسمه كاملاً) علاقة حميمة لم اجتهد فيها كثيراً وذلك لسببين: الأول هو أنني سوداني وسط عشرات من ذوي السحنة البيضاء بمختلف جنسياتهم وبضع صحافيين أفارقة، إذ إن غالبية الأفارقة أحجموا لأنهم لم يجدوا في فصول يعايشونها في ديارهم ما يثير فضولهم، أو كما بدا لي. المهم أن تكون سودانياً في الصومال، بل في كل دول القرن الأفريقي - التي عملت فيها لنحو عقد من الزمان - فتلك مزية لا يلقاها إلا ذو حظ عظيم. أما السبب الثاني، فقد كان محمد ضمن قلة من الطلاب الصوماليين الذين درسوا في جامعة الخرطوم، وذلك يكفي لأن تتداعى ذكرياته غير عابئة بزخات الرصاص المنهمر، ولا هدير المدافع المتواتر. فلتلك الشعوب عواطف جياشة، لو أنها عُبئت وقُسِّمت على شعوب الدنيا لما أصبح بينهم بائس حزين. كان محمد يسألني بشغف عن أماكن التصقت بذاكرته في الخرطوم ولم تبارحها. والحقيقة لم أشاء أن أفسد عليه بهجة رومانسيته تلك، وأخبره أن ثمة جراداً صحراوياً هبط علينا، وأحال البلاد كلها لهشيم تذروه الرياح!


(3)
مؤانستي مع محمد أكسبتني معرفة كنت افتقدتها في الإلمام ببعض ملامح الواقع الصومالي، وهو واقع أكثر تعقيداً مما تظنون. بل من الدروس التي تعلمتها في منطقة القرن الأفريقي تلك، عدم الوقوع في حبائل المقارنات الجائرة، وذلك مبحث يطول الحديث فيه. بيد أنني لم أر في حياتي شعباً يضارع الصوماليين في صفتين - امتلأ بهما تراثنا حتى كادتا أن تكونا حكراً لنا - تلكم هي الشجاعة والكرم. وهما صفتان ترسختا في ذهني بعد زيارات كثيرة للصومال، شملت مناطق متعددة في جنوبه وشماله. وللأخير قصة تعلمها كل الدنيا، فما أن سقط نظام سياد بري حتى نبذ الشماليون الحرب وعادوا لوضعيتهم قبيل الاستقلال، فأعلنوا دولة بكل مظاهرها المعروفة، سميت (جمهورية أرض الصومال) ذلك منذ نحو ثلاثة عقود زمنية، ولم يعترف بها المجتمع الدولي ولكنهم لا يأبهون. أهداني محمد كتاباً، قال لي إنه سيفتح لي مغاليق ما استشكل في نظري. وفي واقع الأمر ليس هناك ما صعُبَ عليَّ فهمه، سوى ذلك الواقع الكئيب الذي اختلط فيه الحابل بالنابل. إذ إن لا أحد يستطيع أن يتبين القاتل من المقتول، وذلك من فرط أوجه الشبه الحسية والمعنوية التي يشترك فيها الجميع!.


(4)
سعدت للإهداء، كان الكتاب باللغة الانجليزية Somalia From Barri To Ideed (الصومال من بري إلى عيديد) ومؤلفه عمل في عدة وظائف قيادية في عهد الرئيس المقبور سياد بري، وآخرها - أي قبل الطوفان – كان سفيراً في كمبالا، ولم أعد أذكر من اسمه سوى فارح. وقد ألَّف ذاك الكتاب بعد أن انفض السامر، أي شأنه شأن كل الذين يغادرون مناصبهم في العالم الثالث، فهم لا يعبُّرون عن مكنون صدورهم إلا بعد أن يأخذ (صاحب الوديعة وديعته). شغلني ذاك الكتاب لأنه يجسد واقع أراه أمامي وأعايشه، فما إن نعود للفندق حتى أهرع إليه لالتهم سطوره بشغف، التهام من لا يخشى تربص الفضوليين من ذوي السحنات البيضاء حولي. وكثيراً ما تذكرت الراحل محجوب شريف أثناء قراءتي ذاك الكتاب. فتجدني (مرة أسرح، ومرة أفرح، ومرة تغلبني القراية) ليس هذا فحسب بل كنت اعتبر ما أقوم به في خضم تلك الظروف، ضرباً من ضروب التراجيدكوميديا. فالمشهد برمته لا ينقصه شيء سوى جبرائيل غارسيا ماركيز!


(5)
كان ذاك الكتاب ينبغي أن يكون أكثر متعة لولا الهرج والمرج الذي يقطع عليك التسلسل في القراءة عند حدوث أمر جلل، ما يلبث أن يعود الناس أدراجهم بعده ويغشاهم صمت القبور. فيومذاك لم يلزم الصوماليون منازلهم ويعتكفوا فيها كما سائر خلق الله المنكوبين، ولا تدافعوا نحو الخنادق التي أشك في وجودها أصلاً. بل تراهم في غدوهم ورواحهم يزرعون الطرقات جيئة وذهابا. ويمشون في الأسواق ويزدردون الطعام ازدرادا، وتلك صورة كلاسيكية لا يغيرها قتلى وقعوا على مرمى حجر أو جرحى خرجوا للتو من ركام انفجار ضخم. وبين الفينة والأخرى يشدك منظر بؤساء تقوست ظهورهم، وهم يحملون بقايا متاع لا يغني ولا يسمن من جوع. هربوا من الجحيم ليواجهوا الموت جوعاً في سيرهم نحو المجهول. المحظوظ فيهم من تلتقطه أيادي منظمات الإغاثة، لتقدم له (الطعام مقابل الصورة) لكي تنشرها على العالم المتخم، فلربما حرَّكت المشاعر الإنسانية الموؤدة أو المفقودة سيان!


(6)
تداعى لذاكرتي ذاك الكتاب قبل بضع أيام، وفي الواقع داهمت ذاكرتي رواية واحدة، لم أتوقف فيها يومذاك. حكى السفير فيها قصة سياد بري مع الخبراء الروس. وقال إنه قرر في لحظة من لحظات الهياج الديكتاتوري أن يطردهم بعد سنوات أحاطوا فيها بنظامه إحاطة السوار بالمعصم، ومع ذلك كانت عينهم على أثيوبيا (متحف القوميات) كما يقولون عنها. واتسعت أكثر بعد وصول مانغستو هيلا ميريام للسلطة منتصف السبعينات. قال السفير إن بري الذي كان يتخذ قرارته منفرداً شأن كل ديكتاتور عتيد، منحهم 48 ساعة للمغادرة، ثمَّ توجه مباشرة نحو أمريكا، ظناً منه أن البيت الأبيض سيفتح أبوابه على مصراعيها للقادم الجديد. أضاف السفير أن بري سمع من كل الذين جلس معهم من المسؤولين الأمريكيين، عبارات الامتنان جراء ما قام به، باعتبار أنه اختصر طريقاً كانوا يهدفون له أصلاً، وأدَّخروا له سنين عدداً. فعاد متأبطأ خيبته. ومن جهة ثانية لم يصمت الروس على إهانة طردهم، فرموا بثقلهم في أثيوبيا التي ناصبته العداء، فأنطلق عيديد وصحبه من أراضيها حتى دخلوا (فيلا صوماليا) ولحقت لعنة الصوماليين سياد بري الذي لم يجد من الدنيا سوى قبر صغير في بلدة صغيرة في نيجيريا!


(7)
عجبت لمن رفع حاجبي الدهشة قبل أيام مضت عندما نضح إناء الرئيس المشير بحديث ساقط في موسكو. لكأنهم بدهشتهم تلك سمعوا ما لم يألفوه من قبل. مع أنه أمر طبيعي ظل الناس يسمعون مثله وهم كارهون، لكن ما اسميه (الذاكرة الغربالية) التي رزئنا بها صارت ثقوبها تتسع طردياً مع محنتنا، كلما زاد وجعها. فالكثيرون رأوا أن الرئيس المشير في حديثه المبثوث على الهواء، انتهك السيادة الوطنية وأذل الكرامة السودانية. ذلك صحيح من باب أن ما نطق به لم تسمعه أذن ولم يخطر على قلب بشر حتى في خضم الحرب الباردة. وإن شئنا تبسيطاً للأمور – بحسب منطق المندهشين – سندرك أن انتهاك الكرامة السودانية، بدأ قبل ذلك حينما امتطى طائرة الرئيس الروسي الخاصة لتكون درعاً حامياً له من تربص المحكمة الجنائية. أما إن شئنا تعميقاً للمحنة، فسندرك أن الرئيس المشير دأب على انتهاك تلك الكرامة سنين عدداً. ولن نجهد أنفسنا بأمثلة ظللنا نكتبها حتى كلَّت أيدينا، ولكن بما أن الذنب بالذنب يذكر أليس هو القائل في العام 2006 على الهواء أنه سيقود المقاومة ضد القوات الأممية إن تجرأت ودخلت البلاد!


(8)
ذكرنا أن استقلال الرئيس المشير طائرة الرئيس بوتين هو بداية السقوط في الرحلة التي أصبحت مثار استغراب من البعض وتهكم آخرين. وقد يقول قائل إن ذلك عُرف متبادل بين الدول، وليس فيه ما ينقص أو يشين. ونقول نعم، ذلك لو كانت العلاقة طبيعية، ولو لم يكن الرئيس المشير مطارداً من جهة عدلية. لكن طالما أن ذلك لم يكن كذلك، فليس سراً أن من بنى مجده كله على الشعارات بدءاً (من أمريكا وروسيا دنا عذابها) لم يتوان عن (لحسها بكوعه) من أجل سلامته الشخصية، حتى لو كان في ذلك انتهاكاً لكرامة شعب بأكمله. ثمَّ إن المهم في هذه الجزئية هو أنها أوحت للرئيس المشير أن هذه الكرم الرئاسي الروسي يمكن أن يمتد لحمايته من بطش المحكمة الجنائية، فحلت عقده من لسانه في الطلب المهين الذي ألقى به على مسامع الرئيس بوتين. فأنظر سذاجة من جلس على سدة سلطة لنحو ثلاثة عقود زمنية، ظل خلالها كآل بوربون لم يتعلم شيئاً ولم ينس شيئاً!


(9)
في حقبة الستينات من القرن الماضي، كانت الحرب مستعرة بين الجيش البريطاني والجيش الجمهوري الإيرلندي. اضطرت بريطانيا للتدخل بقواتها وفصل المناطق البروتستانتية عن الكاثوليكية، مما أدى إلى حرب شاملة من قبل الجيش الجمهوري ضد الجيش البريطاني، وحدثت مواجهات عنيفة جداً مثل ما سمي (أحد الدم) في بلفاست، حيث حصد الجنود البريطانيين أرواح 13 من الشباب الإيرلندي. عندئذ حمى وطيس المعارك الكلامية في الصدور المحمومة بالغضب أيضاً. إذ قام مجلس العموم البريطاني (البرلمان) باستجواب الوزير وأثناء إلقائه بيانه نهضت نائبة إيرلندية من مقعدها واتجهت صوبه وصفعته صفعة قوية، لم يتداع لها جسده بالسهر والحمى فحسب، وإنما ارتجت لها قاعة مجلس العموم وديمقراطية (وستمنستر) في كل أركان العالم الذي يستلهم منها فجوره وتقواه. وفي اليوم التالي خرجت الصحف البريطانية بعناوين مثيرة بما فيها (ذي تايمز) الصحيفة المحافظة تقليدياً بعنوان رئيس (لقد اشتعلت الحمية الإيرلندية) إنها الكرامة التي لا ترقص رئاء الناس على أنغام (النار ولِّعها وأتوطأ فوق جمرها)!


(10)
جثم نظام المخلوع جعفر نميري على صدر الشعب السوداني سنين عددا، ليس لأنه نظام عبقري ولا لأن رئيسه تنثال الحكمة من بين صدغيه، فقد تضافرت عدة ظروف جعلت سني حكمه تتطاول وكلنا نعلمها. ولكن للتاريخ دوماً إشاراته التي لا يغفلها سوى الجاهلون، فالديكتاتوريات تصل حد التعفن عندما يظن الديكتاتور إنه بمقدوره أن يرفع من يشاء ويذل من يشاء. وتلك حالة غشت نميري في حديث الوداع الذي ألقى به على مسامع كهنة المعبد وهو يتأهب للسفر إلى أمريكا، في رحلة سنوية دأب على القيام بها، ظاهرها الفحوصات الطبية، وباطنها تقديم آيات الولاء والطاعة. يومذاك كانت البلاد تشكو ضنكاً في العيش ونقصاً في الحريات، ولأنه كان خالي الوفاض من حلول للأزمة المستحكمة، أخذته العزة بالإثم، فألقى خطاباً مستفزاً للكرامة السودانية، وقبيل مغادرته كانت التظاهرات قد اندلعت لتعبر عن الغضب المختزن في الصدور. لكنه استصغرها فهي بحسب تعبيره (شوية طلبة) وكان لا يعلم أن النار مثل التظاهرات تكون في مستصغر الشرر أيضاً. لكن ما الذي جعل الثأر للكرامة ميسوراً يومذاك وعصياً يومئذٍ؟


(11)
لمثل هذا النوع من الأسئلة إجابة افتراضية سنرجئها حتى ختام المقال. ولكن ثمة حقيقة موجعة تكمن وراء حديث السقوط الذي أدلى به الرئيس المشير، تلك الحقيقة تنبئُنا كيف أنه قزَّم وطناً بكل تاريخه التليد. فمنذ أن سطا على السلطة في العام 1989 لم يجلس قط إلى رئيس دولة عظمى، وبالتالي فهو خالي الذهن تماماً، من الكيفية التي يتم بها التخاطب معهم، والتفاكر حول القضايا العالمية الكبرى. وأظن – وليس كل الظن إثم - أنه عندما جلس إلى الرئيس الروسي فلاديمر بوتين، كان عقله قد توقف في العام الذي استولى فيه على السلطة، ونظراً إلى أن المعروف عنه أنه لا يقرأ، فليس غريباً أن يظن أن الحرب الباردة بين القطبين العظميين ما تزال قائمة، علاوة على أنه درج على اتخاذ أخطر القرارات منفرداً، ونضرب في ذلك مثلاً بإرسال جنود سودانيين خارج الحدود، لأول مرة في تاريخ الجيش، ليشتركوا في حرب لا ناقة لهم فيها ولا جمل، ولو أن النظام ديمقراطي لقلنا أين مستشاروه؟ ولكن لأن النظام ديكتاتوري، ليس غريباً أن يبذل إبراهيم غندور وزير الخارجية، وأحمد بلال وزير الإعلام، وبعض الصحافيين الذين يكتبون ببطونهم، جهداً مستميتاً في تفسير الماء بعد الجهد بالماء!


(12)
لم تكن كرامة المواطن السوداني وحدها التي تمرغت في الوحل، ولكن نظراً لما يسمى (العقيدة العسكرية) فإن الجندي السوداني كان الأكثر إهانة وهو يسمع الطلب الذليل بتوفير الحماية للوطن المناط به حمايته. فكيف نسى المشير أنهم نفس الأمريكان (الذين تسلحوا لهم) كما تقول الأهزوجة البائسة، وهم نفس الأمريكان الذين كان (يتنبر) ويقول عنهم إنهم تحت حذائه؟ ولأنه لا يعي ما يقول، فقد ناقض نفسه، كيف يقول إن الأمريكان فصلوا الجنوب، وكأنه يشير ضمناً إلى تفريط نظامه في السيادة الوطنية؟ ثمّ إمعاناً في تكريس هذه الإهانة، فها هو يدعو الروس لحمايته من الأمريكان. ناهيك عن أن تصريحاته الهوجاء تلك كشفت عن تعثر العقلية الانتهازية في الموقف من المحورين، السعودي والقطري. ومن الغباء التصور أن الانفكاك من هذا أو ذاك سيكون سهلاً.


(13)
إن كان ثمة فائدة تذكر من هذه السقطة، فتلك ما ينبغي أن يجنيها معارضو النظام. فحديث المشير كشف عمَّا يجري خلف الكواليس من تجاذب وصراع محموم حول السلطة. والمعلوم أن الرئيس المشير كان قد استبق تلك السقطات، بينما كان في طريقه إلى موسكو، بحديث للقناة الروسية الرسمية (آر، تي) قال فيه إن لا أحد يستطيع حظر الحركة الإسلامية إلا عبر انقلاب، وزاد متبرعاً بلزوم ما لا يلزم، وقال إنه نفسه حركة إسلامية. مناقضاً قولاً سابقاً لصحيفة الاتحاد الرسمية الإماراتية قبل أقل من عامين، انتقد فيه (التنظيم الدولي للإخوان المسلمين) غير أنه معروف أن هذا التصريح كان شرطاً من دولة الإمارات لكي تعيد العلاقة إلى طبيعتها. وفي رواية أخرى ذلك يسمى الخنوع من أجل دراهم معدودات. وهذا التناقض وذاك، وضَّح للرأي العام إنه ممن يجعلون لكل حالة لبوسها، فتتبدى انطباعات سوء الظن التي أصبحت علامة تجارية مسجلة باسمه!


(14)
في سياق ما ذكرناه سابقاً عن أن حديث السقوط كشف عن صراعات تدور في الصوالين المغلقة، كان لافتاً دخول جماعة المؤتمر الشعبي المعترك ببيان ينتقد ما أدلى به المشير في موسكو. ولعل كشف صراع الكواليس زاد من القناعة بدنو (ليلة السكاكين الطويلة) وهي المفاصلة الدامية التي ستخرج فيها السكاكين من أغمادها. يعضد من ذلك أن النظام حالياً أصبح عبارة عن جزر، لا رابط بينها سوى فقه المصلحة. وطبقاً لشواهد التاريخ سوف تتضارب هذه المصالح في ليلة يرونها بعيدة ونراها قريبة، وهذا الافتراض هو الذي ينفي ما تردد عن تقاعس الناس في الإتيان برد فعل يوازي الفعل المشين. فالأنظمة الاستبدادية، والتي يمثلها أبالسة نظام الخرطوم، يظنون أن القوة وحدها هي التي تضمن لهم البقاء، فيسري الخدر في جسومهم حتى تأتيهم الطامة الكبرى بغتةً، وهم غافلون!


(15)
زبدة القول في هذا التحليل، هو ما ذهبنا إليه في كتابنا الجديد والموسوم (الطاعون/ اختراق دولة جهاز الأمن والمخابرات في السودان) وهو قيد التوزيع حالياً، ولمن لم يطلع عليه بعد، نقول إننا خصصنا فيه فصلاً تحليلياً لشخصية الرئيس المشير (ص 37) ذلك على ضوء ما استجد من معلومات تفيد بأنه أصبح غير قادر على مباشرة عمل يحتاج لطاقة ( زادت وساوس الرئيس المشير في السنوات الأخيرة، بعد مرض أصابه في حنجرته، وصار يتردد به دورياً على مستشفيات الدوحة والرياض، وهو بالطبع أخف وطأة من العملية التي أجراها في الخرطوم لركبته. بيد أن مصادرنا الخاصة أكدت أنه نظراً لهذه الظروف الصحية علاوة على عامل السن، فقد بات غير قادرٍ - بصورة نسبية - على إدارة شئون دولة بغض النظر عن طبيعتها، أي لا ذهنياً Mentally ولا جسدياً Physicallyفقد أصبح حبيس داره معظم الوقت، وصارت ساعات عمله في القصر تجيء لماماً On call وفق ما تقتضيه المسائل الطارئة. والمعروف أن مثل هاتيك الظروف تجلب الإحباط والاكتئاب Depression غالباً لضحيتها). وزدنا على ذلك بدلائل وقرائن تؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن الرئيس المشير أصبح ضمن جوقة (الفاقد السياسي) وتلك على شاكلة (الفاقد التربوي) إحدى بدع الضلالة التي أنتجتها طائفة الأبالسة!

لقد بلغت الإهانة منتهاها... فماذا نحن فاعلون!؟

آخر الكلام: لابد من المحاسبة والديمقراطية وإن طال السفر!

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.