على مدى أكثر من شهرين، تواصل اهتمام الرأي العام الدولي بجريمة اغتيال الكاتب الصحافي السعودي جمال خاشقجي. وقد ظلَّ هذا الاهتمام يتضاعف يوماً إثر يوم، نظراً لأن القضية في خلفية مشهدها المأساوي، تشابكت فيها عدة خيوط جعلت غموضها يزداد وضوحاً، فقد اختلطت فيها المعايير الأخلاقية، مع المصالح الدولية، مع الظروف الإقليمية، إضافة إلى تقاطعات أخرى يطول شرحها، ولكنها قطعاً لن تخفى على أي مراقب. ويمكن القول ابتداءً إن هناك شبه إجماع انبثق من مؤشرات قياس الرأي العام، وأشار إلى أن الجريمة بالطريقة التي نُفذت بها، انطوت على استخفاف بالغ بالقيم والمثل والأخلاق الإنسانية، كما أنها استهانت بالقوانين الوضعية، علاوة على تلك السذاجة التي صاحبت تنفيذها، ولربما ضحكت لها الأجنة في الأرحام!


(2)
من المؤكد أن جريمة بهذا الحجم لا يمكن أن تكون قد تمت دون علم من لا يُعصى له أمراً. وهو افتراض دفع بالمراقبين لوضعها تلقائياً على كاهل ولي العهد محمد بن سلمان، بحكم المسؤولية التراتبية والواقعية في هيكل المملكة.. سواء صدرت عنه التعليمات مباشرة أو ذرَّها أحد على أسماع مساعديه. ولقد بات جلياً أن الأمور لو مضت في هذا الاتجاه، ستكون عواقبها وخيمة على الأمير النزق لسلطة مطلقة. وفي محاولة لقطع الطريق أمام هذه الفرضية، عمدت السلطة السعودية لتسخير ماكينتها الإعلامية الضخمة، واستخدمت امكانياتها السياسية المؤثرة، ووظفت علاقاتها الدولية الواسعة، وفعَّلت شبكاتها (اللوبيات) المتعددة الجنسيات كافة، وذلك بغية الخروج من هذه الورطة الكبيرة. ولكن عوضاً عن ذلك ظلت القضية - منذ حدوثها - تأخذ مناحٍ أكثر تعقيداً، وذلك إثر محاولات جماعة الإسلام السياسي تجاوز مأزق الأمير الشاب، ووضع المملكة السعودية برمتها في امتحان عسير باستغلال رمزيتها الدينية، كرد فعل لاستغلالها هي نفسها لذات الرمزية في حربها الخفية والعلنية معهم، وهي الحرب التي ظلَّ يدور رحاها منذ اعتلاء ولي العهد سنام السلطة!


(3)
بيد أن الذين سلكوا هذا الطريق لن يستطيعوا أن يمضوا قُدماً في توجيه أصابع الاتهام للفاعل الحقيقي موضع تساؤلنا أعلاه. ذلك لأن الطرفين ينهلان من نفس المشرب. ويخوضان حرب خداع الذات بعورتين مكشوفتين. الأمر كان محرضنا ودافعنا في قراءة حيثيات الجريمة بصورة مغايرة، أي الصورة التي تتجاوز أُطر المسكوت عنه. ومن هنا جاء مدخلنا لهذه القراءة بعدة تساؤلات لربما وجدنا فيها ترياقاً لما نرمي إليه: فما الذي جعل خمسة عشر رجلاً محترفاً، تمّ اختيارهم بعناية، يقدمون على تنفيذ جريمة تقشعر لها الأبدان، وهم في كامل الهدوء والسكينة والطمأنينة؟ من أين لهم هذا اليقين في أن المهمة التي هم بصددها مهمة نبيلة وليست شيطانية لزهق روح إنسان؟ وهل تمرسوا على مهمات مماثلة، ولذلك بدأوا كأنما هم ذاهبون لنزهة أو قضاء عطلة ترفيهية؟ كيف آن لهم أن يضحكوا ملء أشداقهم – مثلما ظهر بعضهم في الكاميرات – بعد أن فرغوا من تلك المهمة المُرعبة، وكأنهم كانوا في وليمة حافلة بما لذ وطاب؟ وبالقدر نفسه مضى بنا سيل التساؤلات إلى ما هو أبعد. فما الذي دفع ولي العهد محمد بن سلمان، لأن يتقمص روح الحجاج بن يوسف الثقفي، ويقول لمساعديه – وفق ما تسرب – (أئتوني برأس خاشقجي) تماماً على نسق (هات السيف والنطع يا غلام)؟ ما وراء تلك القناعة الصمدية التي ارتكز عليها محمد بن سلمان؟ إزاء هذا السيل الجارف من الأسئلة اللولبية، توصلنا لقناعة إلى أن ثمة دوافع أخرى تقف وراء القتل. بما يعني أن هناك فاعلاً آخر لهذه الجريمة النكراء ولم يجر ذكره على ألسنة وأقلام المحللين!


(4)
(كلما اتسعت الرؤية ضاقت العبارة) قول مأثور نطق به محمد بن عبد الجبار النفري، أو الصوفي الغامض كما يُطلق عليه. أما قوله المشار إليه فلن تجد له تطبيقاً واقعياً أصدق من الصورة التي غرقت في لُججها المملكة العربية السعودية اليوم. ولعلني (وجدتها.. وجدتها) أي وجدت إجابة عملية لهواجسي، مثل تلك التي أرهقت (أرخميدس) وجعلته يركض عارياً في الطرقات. ففي إطار الضخ الإعلامي الكثيف التي تحاول المملكة أن تدرأ به الاتهام عن ولي العهد. شاهدت مادة (فيديو) يتحدث فيه (الشيخ) صالح الفوزان، وهو أحد أعضاء (هيئة كبار العلماء) أي علماء السلطان من الوهابيين الذين يحيطون بالسلطة إحاطة السوار بالمعصم، وهم الذين دأبوا على تزيين الحرام لها وتحريم الحلال. بل من المفارقات أن هؤلاء افتضح محمد بن سلمان أمرهم بعد تصعيده وتنصيبه ولياً للعهد. إذ استوجب التصعيد الإقدام على خطوات تجديدية كما سُميت، فانبرى لها أولئك (الشيوخ) بالنسخ. أي لعق فتاويهم التي كانوا يحرِّمونها على مدى ما يناهز القرن من الزمان، لتصبح بين عشية وضحاها حلالاً بلالاً. فما الذي قاله (الشيخ) صالح الفوزان في جريمة اغتيال جمال خاشقجي دون أن يطرف له جفن؟


(5)
بسمل وحوقل واتكأ على حديث منسوب للرسول الكريم (حدثني عثمان بن أبي شيبة، حدثنا يونس بن أبي يعفور، عن أبيه، عن عرفجة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد يريد أن يشق عصاكم أو يفرق جماعتكم فاقتتلوه). ثم أردف الرجل قائلاً: (نعم أقتلوه، هذا إذا دلَّ الحديث على أنه لو تم الأمر وانعقدت البيعة لواحد من المسلمين وتآلفت الجماعة، ثم قام شخص يريد شق عصا الطاعة ويفرق الجماعة، فإنه يجب قتله، يجب قتله لإراحة المسلمين، لأنه لا يقتل إلا لأمر كبير، فدل على أن الخروج على ولي الأمر أنها كبيرة تستحق القتل، عقوبة له وتعزيراً له وردعاً لأمثاله، وهذا من دفع الشر الأعظم بالشر الأقل. بما في ذلك القضاء على دابر الفتنة. يُقتل وإن كان مسلماً. لأنه يريد شق عصا الطاعة، وتفريق الجماعة، ويريد الإخلال بالأمن، ويترتب عليه مفاسد كثيرة، أدلها على ألا نطيع دعاة الظلام).


(6)
ثم سكت الفوزان برهة كأنه يستجمع أنفاسه وواصل حديثه، بنفس البرود الذي اتسم به المجرمون الذين نفذوا فعلتهم الكارثية وقال: (الآن هناك دعاة ظلام يهيجون على ولاة الأمور، يتلمسون لهم العثرات. وينسون مالهم من الحسنات، يغمرونها ويدفنونها، يتلمسون زلاتهم وينفخون فيها، ويمشون بها وسط الناس، من أجل تهييج الفتنة وشق عصا الطاعة، فيجب أن نحذر من دعاة الظلام.. دعاة السوء. والذين يحرشون بين المسلمين وبين ولاة الأمور ورعيتهم، يجب أن نحذر من هذا الصنف من الناس وأن نكون ضدهم، لأن الدولة دولة الجميع والمصلحة للجميع) انتهى الاقتباس، لكن المحنة لم تنته، فعلى النهج نفسه سار بقية علماء السلطان، صالح المغامسي، محمد العريفي، عبد الرحمن السديس ومن لف لفهم. أتخذوا المنابر منصات لإطلاق الفتاوى التي أصبحت تنهال على رؤوس الملأ كما الصواريخ القاتلة. أما أنا فلعمري لأول مرة أعلم أن هناك صحابي أسمه عرفجة وآخر أسمه ابن يعفور! ويبدوا أنهما فضحا قراءاتنا المتواضعة في السيرة النبوية!


(7)
نعود لجادتنا، هل يمكن أن يشك أحد ممن شاهد هذا الفيديو في أن القتلة المجرمين - الذين بينهم طبيب شرعي – مضوا لإنجاز تلك المهمة (المقدسة) بهذه الفتوى؟ ألا يوحي الأمر لناظره أن القتلة حملوا تلك الفتوى في جيوبهم بحسبها الضوء الأخضر، أو الوازع الذي يذكرهم بأنهم ينفذون شرع الله، وأنهم مكلفون بلا جُناح ولا تثريب؟ وهل يظن أحد أن محمد بن سلمان نفسه لم يستند على ذات الفتوى الكارثية وهو يطلب بكل هدوء رأس المغدور؟ لا سيَّما، وهو يعلم سلفاً أن علماء السلطان الذين يحيطون به من (الشيوخ) هم رهن إشارته وقيد الطلب، يسارعون الخطى له وبين أيديهم كتب التراث الصفراء البالية؟ وفي ظل الشكوك التي ضربت أطنابها كل مفصل في هذه القضية، هل يستبعد عاقل أن القتلة بعد أن فرغوا من مهمتهم المقدسة، هرعوا للصلاة جماعة تقرباً وزلفى لرب العالمين، ولربما قرأ إمامهم الآية (... أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا) وأناس بمثل هذه الغيبوبة، من المؤكد ألا أحد منهم وقف عند المعنى الرباني لقتل النفس أو المعنى المضاد له وهو إحيائها!


(8)
في تقديري أن الذي اغتال جمال خاشقجي ليس محمد بن سلمان، وليس الخمسة عشر كوكباً، ولكنها تلك المؤسسة الوهابية العميقة والقميئة، المؤسسة التي قطعت رؤوس آلاف البشر، وعذبت أضعافهم بشتى صنوف العذاب، المؤسسة التي أكسبت الإسلام ذلك الوصف الإرهابي وقبَّحت وجهه الوضيء. أما إذا اندهش الناس في كل مكان من ممارساتها، فينبغي ألا ندهش نحن في السودان، فقد خبرنا عارها وعرفنا شنارها في مقتل شهيد الفكر الإنساني الأستاذ محمود محمد طه. وهو الذي قام بتعريتها في مواقف كثيرة، إلى أـن تمكن منه إخوتهم الذين استقوا بالسلطان الجائر. لهذا لم يكن غريباً أن تنبري العصبة ذوو البأس للإشادة بأفعال المؤسسة الوهابية تلك. فقد جاء ذلك في بيان صدر عن وزارة الخارجية السودانية يعلن الوقوف إلى جانب المملكة العربية السعودية (ضد قوى البغي والعدوان) وكانت بذلك الدولة الوحيدة في العالم التي تقف مع القاتل من قبل أن يعرف الناس ليل القضية من ضحاها، ذلك لأن الطيور على أشكالها تقع كما يقولون!


(9)
صفوة القول، لن تعترف المؤسسة الوهابية بهذه الجريمة النكراء، ولن ينزوي محمد بن سلمان من مسرح السلطة، بل سوف يعمل على إيجاد كباش فداء، بشرط ألا تُقطع رؤوسهم، وهو أمر مقدور عليه طالما أن علماء السلطان أقرب إليه من حبل الوريد، والذين لن يألوا جهداً في صناعة فتاوى مضادة يلوون بها عنق الحقيقة. وسوف تمضي القافلة غير عابئة بدماء المسلمين التي انهمرت أمطاراً، ولا بأحزانهم التي ترسخت أجيالاً، ولا بفجائعهم التي تقادمت سنيناً عددا. ستمضي القافلة بتخلفنا وكل خيباتنا التي نرزح في كهفها البالي منذ ألف عام، بل يزيد!

آخر الكلام: لابد من المحاسبة والديمقراطية ولو طال السفر!!


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.