بعيداً عن السياسة ومكائدها، أكاد لا أعرف رئيساً – غض النظر عن شرعيته – أصبح مصدراً للسخرية والاستهزاء والتنكيت مثلما هو حاصل مع المشير عمر حسن أحمد البشير، والذي ضرب رقماً قياسياً جبَّ ما قبله من أمثاله الديكتاتوريين. فقد كنت أظن أن تلك مرتبة قصية لم ينلها في المحيط الأفريقي سوى عيدي أمين دادا وفرانسوا تمبل باي وروبرت موغابي. وبالقدر نفسه ما كنت أظنه سيتفوق على العقيد معمر القذافي وعلي عبد الله صالح وحسني مبارك في المحيط العربي. واعتقد جازماً لو أنني مضيت في ذات السبيل وبحثت في المحيط الدولي، فلن أجد أحداً يضاهيه في تلك المرتبة العَلِيَّا!

أذهلني الدكتور الطيب زين العابدين الذي ترعرع في عرصات الحركة الإسلامية وفارقها بعد أن مضت في تنفيذ خطيئة الانقلاب. قال إنه مندهش كيف آن لرجلٍ بهذه الملكات المتواضعة حكم السودان لمدة ثلاثة عقود زمنية (صحيفة الصيحة) وبرغم مشاركتي للطيب دهشته، إلا أنني أخالفه حيثياتها، فالقطع بأنه حكم السودان كل تلك العقود، قول فيه نظر كما يقول البخاري. ذلك لأن الطيب وغيره يعلمون أنه لم يكن سوى خيال مآتا في العشرية الأولى، وأنه أصبح كالميت بين يدي غاسله فيما تلاها من سنوات، احتوته فيها البطانة التي ناهضت الترابي وشغلته بالدنيا وملذاتها التي يهواها وأدمنها!

المفارقة أن الترابي نفسه الذي جاء به (للقصر رئيساً ومضى هو للسجن حبيساً) كما قال، حاول التبرؤ منه في الحلقات مثار الجدل التي بثتها قناة الجزيرة الفضائية. إذ قال بتأكيد قاطع إنه لم يره سوى يوم الأربعاء، أي قبيل الانقلاب بنحو 24 ساعة. وهذه هي نصف الآية كما يقال، لأنه لم يفصح عما دار بينهما في تلك الليلة الظلماء. لكن ذلك ما كشفنا أمره وأمطنا اللثام عن سره في كتابنا المرقوم بعنوان (سقوط الأقنعة/ سنوات الأمل والخيبة) والذي صدر قبل نحو عقد ونصف من الزمان. قلنا فيه إن الترابي وضع القسم أمام المذكور وطلب منه أن يقسم بألا ينفرد بالسلطة إذا ما دالت إليه. ومع ذلك فإن تلك في تقديري تعد شهادة مجروحة رغم توثيقي لها، لماذا؟ لأن الترابي كان عصرئذ مهموماً بالسلطة نفسها، ويخشى أن تذهب لغيره. والثاني ما كان له أن يفصح عنها لولا أن الدهر حَلب أشطره - كما تقول الأعراب - ومضى الأحباب كلٌ في طريق!

بيد أن لي سبباً ثالثاً هو مربط الفرس في تقديري، أتساءل فيه: هل الصفات التي عُرف بها البشير صفات لا يشاركه فيها أقطاب الجبهة الإسلاموية بمن فيهم الترابي نفسه؟ وتأتي في صدارة تلك الصفات آفة الكذب. أقول ذلك بالرغم من أنني وآخرين أيضاً تحروا تاريخ المشير منذ طفولته (أنظر مقالنا/ هذا رئيسكم الذي لا تعرفون/ من جزئين/ الراكوبة) والذي وقفنا فيه على نقائص ووقائع يشيب لها الولدان. وحتى نكون موضوعيين، هي نقائص يمكن أن توجد في مكونات أي بشر، ولكن أن يعتلي صاحبها هرم السلطة، فذلك ما يدخل في دائرة التحريم عند الذين ينعتهم المذكور بالكفر والإلحاد!

لقد أكدت في مبحثي وأظن أن غيري مضى في ذات المذهب، أن المذكور عُرف بين زملائه ومجايليه في القوات المسلحة إبان خدمته فيها، بلقب عمر (الكضاب) أي الكذاب. وفي واقع الأمر كان أمر تلك الخصيصة ميسوراً لمن تتبع خطاه منذ أن جلس على سدة السلطة. فهو من كثرة ما أدمن تلك الصفة باتت لا تشغل بال أحدٍ، لكنها عضدت من السخرية والاستهزاء به. إذ تجلى ذلك من خلال وسائل التواصل الاجتماعي التي حذق شباب السودان استخدامها، وأثبتوا فيها أن (المتغطي بالسلطة عريان) كما يقول المثل الدارج، حيث شاهدنا (فيديوهات) توثق لكذبه الصراح بما يندي له جبين الصادقين!

هذه مواهب تستحق وقفة خاصة، غير أن الذي حفزني لهذا المقال (فيديو) شكَّل قمة الإبداع الشبابي، إذ زاوج صانعوه بين خطاب الرئيس المصري حسني مبارك وهو يلقي خطبة الوداع، وخطاب المشير الأخير وهو يقتفي أثره، بصورة تقول عنها العرب في أمثالها (وقع الحافر على الحافر) غير أن لنا ملاحظتين أُخريتين حول ذلك الخطاب الأصنج. الأولى: أن قانون إعلان الطوارئ، كان من صنع الترابي نفسه حينما كان رئيساً للمجلس الوطني، أي قبل ما سُمي المفاصلة. لربما كان له فيها مآرب أُخر لم تمهله الظروف لاختبارها. أما الثانية فتمثلت في تكرار المفارقة، إذ إن سقوط نظامي إبراهيم عبود وجعفر نميري حدثا بعد أن أقدما على الخطوة ذاتها، بل ذلك ما حدث بالضبط في سقوط أنظمة ما سُمي دول الربيع العربي. وتلك معلومة لعمري قد تكون نذير شؤم للعصبة الحاكمة!

على كلٍ، فإن خطوة إعلان الطوارئ وهي العلامة الأبرز في ذاك الخطاب الكارثي، وضعت البلاد في منزلق خطير يمكن أن يؤدي بها إلى التهلكة إن لم نعمل على تلافيها قبل بزوغ فجر الخلاص، لا سيَّما أن جميعنا يعلم أن الطغاة المستبدين لا يأبهون لمصائر الأوطان بقدر الاهتمام بمصائرهم الشخصية، خشيةً مما يمكن أن تؤول إليه الأمور، فما بالك لو أن هذه المآلات تنتظر السفاح في المحكمة الجنائية، حيث ستتجلى إرادة المجتمع الدولي في جعله عبرة لمن لا يعتبر. بهذا المنظور عنَّ لي أن أطرح على معشر القراء الكرام سيناريوهات أرى أنها محتملة الحدوث في مقبل الأيام، لعلها تجلي ما التبس على بعضنا من غموض وتوهان، هو مُرهقٌ للعقل والوجدان معاً.

السيناريو الأول: يشير إلى أن ثورة الكرامة هذه ستمضي في مجراها بنفس الزخم الذي بدأت به منذ أكثر من شهرين حتى لو تطاول أمدها، وذلك بغية الوصول لنهايتها المنطقية والمتمثلة في رحيل النظام ورئيسه. يعضد من هذا السيناريو التصميم الجبار والإرادة الجماهيرية الغالبة والتي وضَّحت لكل ذي لب عليم أيان مرساها. خصوصاً وأن الثورة قد دخلت كل بيت سوداني وانخرط فيها الكبير والصغير، قد وجدت لها حاضنة اجتماعية فريدة، وهي الحاضنة التي تمثل ركناً ركيناً في نجاح أي ثورة عبر التاريخ. علاوة على أن ما هو حادث في السودان قلب كل معادلات المألوف الذي درجت عليه الحياة السياسية والاجتماعية السودانية.

السيناريو الثاني: في حال اشتداد وطأة الأنشوطة حول رقبة النظام ورئيسه، قد يُسرِّع من هذا الاحتمال دخول المجتمعين الإقليمي والدولي، كل بدوافعه المعروفة. والحقيقة أن هذا الأمر قد حدث فعلاً، فوفق ما تسرَّب لنا من معلومات، أن دولة الإمارات العربية جددت عرضاً للرئيس المشير سبق أن تقدمت به من قبل. ويتمثل في حتمية التخلص من الإسلامويين في السلطة، في حين قدمت دولة قطر عرضاً مناقضاً جاء به نائب رئيس الوزراء قبيل إلقاء خطاب المشير، مما نتج عنه تأخير بثه المعلن مسبقاً وأدى إلى تغيير في بعض فقراته، وإن لم يعد المبعوث القطري لبلاده بما جاء من أجله. أما على المستوى الدولي، وفق مصادرنا أيضاً، دفعت الولايات المتحدة الأمريكية بمقترح للملكة العربية السعودية بإمكانية استقبال المشير في بلادها، على أن تسعي لتجميد مطالبة المحكمة الجنائية في أروقة المنظمة الأممية، وقد وصلت المملكة تلك الرسالة. وعموماً تظل تلك هي مشاريع مقترحات وُضعت على طاولة المشير المكابر!

السيناريو الثالث: يمكن أن تتدهور أوضاع البلاد بما ينذر بخطر ماحق، وهنا ستقوم الكوادر الوسيطة في القوات المسلحة في القيام بدورها المناط بها في مثل تلك الحالات، متمثلاً في الضغط على الأزلام التي صنعتها السلطة من الكوادر العليا بعد أن عينها المشير حمايةً لنفسه، ولن تجد هذه الكوادر ثمة مناص من الخضوع لرغبة الكوادر الوسيطة. وكما هو معلوم أن ذلك هو ذات السيناريو الذي سبق وحدث في الحياة السياسة السودانية نفسها في أكتوبر 1964 وأبريل 1985
السيناريو الرابع: وهو سيناريو وثيق الصلة بأعلاه، ويتمثل في انقلاب قصر تقوم به السلطة لتصرف به الأنظار حينما تتلاشى خياراتها. وواقع الأمر إن ما حدث في حل الحكومتين وتعيين ولاة عسكريين هو بالفعل تمرين لهذا السيناريو. زد على ذلك معلومات بالغة السرية توفرت للكاتب وتشير إلى أن الحركة الإسلاموية تريد أن تقدم الرئيس المشير ككبش فداء، تضع على كاهله كل سوءات النظام الذي صنعته، وبالمقابل ثمة ما يشير إلى أن الرئيس المشير متربص بها أيضاً ولكن بحذر شديد!
السيناريو الخامس: وهذا هو السيناريو الذي ظل ينهش في عظام النظام بصورة متواترة ويدري أهل النظام أنفسهم كنهه، ولكنهم لا يملكون له ترياقاً. ذلك هو ما نسميه (الجنرال اقتصاد) فمن المُسلَّم به أن الاقتصاد المتدهور أصلاً سيمضي في نفس وتيرة التدهور، والأنكى أن الدولة لا تملك له حلاً. ذلك مما يؤدي في نهاية الأمر إلى انهيار شامل ترتفع معه رايات العصيان المدني والإضراب السياسي الذي سيشل الدولة!
السيناريو السادس: وهو سيناريو يزيد من وتائره وضعية الدولة المنهكة بتركة الفساد الموروث. علاوة على أن لإعلان حالة الطوارئ تكلفة باهظة ستؤدي لمزيد من إرهاق خزينة الدولة الخاوية على عروشها أصلاً. دعك من مترتبات أخرى، فللطوارئ تبعات نفسية واجتماعية وسياسية مرهقة، حيث إن الدولة في منظور المجتمع الدولي دخلت حيز (الكرنتينة) أي ستكون في عزلة لن تستطيع أن تتحمل تبعاتها، وذلك مما يجعل الانهيار دراماتيكياً موجعاً لعصبتها.
السيناريو السابع: وهذا هو السيناريو الفطير، الذي درجت الثقافة السياسية السودانية بتسميته حلول (الجودية) وهو سيناريو سبق أن أعاد ما سُمي الدائرة الشريرة، وهو ملاذ دهاقنة الموصومين بداء السلطة، أي الذين ينهضون بغتة من المعسكرين كما خفافيش الظلام ليتسيدوا المواقف، وفي أيديهم فرية لوح محفوظ اسمه (التسامح السياسي السوداني) غير أن الذي يقلل من مفعول هذا السيناريو تلك الدماء العزيزة التي أهدرت، والفساد الذي أزكم الأنوف، وما طرأ على الواقع السياسي والاجتماعي السوداني من متغيرات أنتجت ثورة تختلف ملامحها عما سواها.
السيناريو الثامن: وهذا هو السيناريو الذي يبدو مخيفاً لمن ألقى السمع وهو شهيد، وهو ما سبق وسميناه في مرات عديدة سيناريو (ليلة السكاكين الطويلة) لا سيَّما وأن النظام قد أعد مذبحها في الكراهية التي تزكَّت نيرانها واعترف بها رئيس النظام في خطابه، وفي المليشيات التي تكاثرت وغذاها النظام بالعدة والعتاد، وفي القبلية التي استشرت بين المكونات الإثنية السودانية، وفي السلاح الذي أصبح متاحاً في يد الجميع، وفي ظل رئيس متشبث بالسلطة، وفي ضوء تشاكسٍ بين سدنته وبطانته وتعاضدٍ بين مناوئيه، وفوق كل ذلك ما خفي في السيناريو الرابع وهو أعظم!
صفوة القول، الواقع يقول إن سماء السودان الملبدة بالغيوم أصبحت مهيأة لأي من السيناريوهات المذكورة، والتي لا يجادل حولها سوى تائه مكابر. أما إذا سُئلت وأنا العبد الضعيف المحب لوطنه، فسوف أرجح خيار السيناريو الأول، والذي يظل هو الحكم والفيصل في معطيات ثورة لا نرى لها مثيلاً. ثورة ملك فيها الشعب زمام نفسه وبات يحصد ثمارها قبل أن تؤتى أكلها، في مقابل عصبة فاسدة، أطعمته الزقوم وماء الحميم وصارت خياراتها تتضاءل كل يوم، ولن يعصمها من طوفان قادم أكاذيب رئيس ظل يتحراها حتى كُتب عند الشعب السوداني كذاباً أشر!

إن بعد الثورة يسراً، وتسقط بس!

آخر الكلام: لابد من المحاسبة والديمقراطية وإن طال السفر!
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.