تنويه قبل قراءة هذا المقال، أقول مقال مجازاً، ذلك لأنه (معلوماتي) أقرب للتقرير الإخباري. أي أنه مبنيٌ على معلومات ليس لنا فيها يدٌ سوى أجر المناولة. وقد رأيت أن أخص بها القارئات والقراء الكرام تعضيداً لعلاقة متميزة ظلت سنداً لنا على الدوام. وفي واقع الأمر كنت قد نثرت بعض هذه المعلومات على الهواء في البث الحي Live والذي أجراه معي تجمع الشباب الديمقراطيين وصفحة الراكوبة وإذاعةBCFM البريطانية/ صوت السودان يوم السبت الفائت 2/3/2019 وأداره باقتدار الإعلامي النابه والمثابر نميري مجاور. أما الأمر الثاني، فإن هذه المعلومات وصلتني من مصادر ثُقات، ظلوا يمدونني بالكثير المثير الخطر منذ سنوات عدة، وقد وقف القراء على أهميتها من خلال كُتب لنا اخترقت الجدران الصلِدة وعادت بالذي أرق مضاجع النظام، وإنا لسائرون في ذلك الدرب إلى أن (يسقط وبس) وبالتالي لست في حاجة لتأكيد مصداقيتها. فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر بها!

أولاً: وفقاً لذات المصادر الخاصة، هناك صراع خفي وعنيف بين المشير البشير وأقطاب نافذين في الحركة الإسلاموية، هم يرغبون في التضحية به وتقديمه ككبش فداء، يضعوا عليه كوارث الثلاثة عقود التي شهدت جميع أنواع الموبقات، بغية أن يتسنى لهم الظهور بواجهة جديدة حال تغير الأوضاع، بمثلما حدث في انتفاضة أبريل 1985. إذ أكدت المصادر أن المذكور يعلم ذلك بناءً على أن دولة مؤثرة تعيش توتراً مأزوماً مع الإسلامويين، وضعت بين يديه ملفاً مدعوماً بشواهد في أن الحركة الإسلاموية التي يستند عليها قررت التخلص منه. فبحسبهم أنه بات يمثل عبئاً ثقيلاً عليها. وقد حمل الملف رئيس الدولة المشار إليها ضمناً بنفسه، وحضر للخرطوم في زيارة خاطفة قبل أشهر قليلة مضت، ووضعه بين يدي المذكور.

وتشير المصادر إلى أنه منذاك الوقت بدأ كل طرف في شحذ خناجره تحسباً فيما سميناه نحن في مقالات سابقة (ليلة السكاكين الطويلة) وهي المسألة الحتمية لمثل هاتيك الصراعات، وفقاً لمجريات الواقع ووقائع التاريخ. وأكدت المصادر إلى أن الرئيس المشير لم يستشر التنظيم في اختيار الولاة العسكريين الذين قام بتعيينهم منفرداً. وزاد المصدر بأنه أصدر إليهم أوامراً مشددة بعدم صرف أي أموال أو تقديم أي نوع من أنواع الدعم لحزب المؤتمر الوطني. والمعروف أن الحزب يمثل الذراع السياسية للحركة، علاوة على أنه الحزب الحاكم بلا ريب. كما نوهت المصادر إلى أن تجميد رئاسته لذات الحزب تعني سحب الغطاء السياسي من نفسه. الأمر الذي يشيء أنه مُقدم على خطوة مُبهمة في إطار صراع قصقصة الأجنحة الصامت بين الطرفين. والجدير بالذكر أن هذه الخطوة التي فتحت الباب لاجتهادات جمة، حدت بكوادر قيادية في التنظيم للقول إنه أصبح في حلٍ من الحركة الإسلامية نفسها. وقد حزمت المصادر رأيها بالتأكيد على أنه في مثل صراعات الإسلامويين هذه، ليست للتوجهات العقدية مكان بصورة عامة، وبين الطرفين المذكورين بصفة خاصة. وفي ذات الصدد أشارت المصادر إلى أن تأجيل المؤتمر العام للحزب إلى أجل غير مسمى، جاء بناءً على رغبة المشير البشير بعد ما نما لعلمه إنهم بصدد إقالته في هذا المؤتمر فاستبقهم بتجميد نفسه.

ثانياً: في سياق التوتر الخفي هذا، كشفت ذات المصادر إلى أن المشير البشير أرسل أحد أصدقائه المقربين جداً، ممن لا ينتمون للحركة الإسلاموية، بل أن (المُرسال) نفسه يعيش صراعاً بينه وبينهم منذ أمدٍ طويل، بعد أن طمعوا في وظيفته ذات العائد (الدولاري) الكبير. كان قد أرسله إلى أقطاب في جبهة المهنيين قبل خطاب الطوارئ بنحو خمسة أيام. وحملَّه رسالة فحواها أنه سوف يقف على مسافة واحدة منهم كما الآخرين (ذكر ذلك في الخطاب فيما بعد) بما يعني تقديم ذات (الرشاوي) التي ظل يقدمها للمؤلفة قلوبهم على حد تعبير المصدر. والتي تمظهرت في الاستوزار. أي ما درج عليه النظام مع الآخرين الذين اشتركوا معه في السنوات السابقة، مثل مبارك الفاضل وأحمد بلال وأبو قردة وغيرهم من الانتهازيين الآخرين. وطبقاً للمصدر كان رد ممثلي جبهة المهنيين حاسماً، إن ذلك لا يعنينا في شيء، فليفعل ما يشاء وسنفعل ما نشاء.

وفي تطور متصل قالت المصادر إن المشير البشير يعيش ظروفاً نفسية سيئة للغاية منذ اندلاع التظاهرات، وصفتها المصادر بأنها إحباطFrustration وقالت إنه أصبح لا يثق في أي أحد غير نفسه، وصار عصبي المزاج يثور لأتفه الأسباب، أي بحسب تشبيه المصدر الذي استعار وصفاً قرآنياً (إن تحمل عليه يلهث وأن تتركه يلهث) ونوه المصدر لدليلين، الأول أنه ظلَّ الوحيد المُدافع عن النظام منذ أن بدأت هذه المواجهات (باسط ذراعيه بالوصيد) في حين انزوى الحرس القديم، بل شمل ذلك حتى على عثمان الذي صوَّب سهماً خاطئاً ثمَّ انكفى على نفسه وصمت.

أما الأمر الثاني يكشف أن الذين قام بتعيينهم ذوي صلة بالمحنة التي يعيشها، فأحمد هارون مطلوب مثله للمحكمة الدولية الجنائية، وعوض أبنعوف مشارك في مأساة دارفور التي دفعت بالمشير إلى المحكمة الجنائية ذاتها. بجانب أنه أحد الذين جمدت الحكومة الأمريكية أرصدتهم في الخارج. أما محمد طاهر أيلا، فهو على دين المشير. فقد ظلَّ في حالة حرب مع عُصبته من الإسلامويين، أدت في نهاية الأمر إلى تجميده مجلس تشريعي ولاية الجزيرة. وجميع المذكورين يمثلون ملاذا للمشير البشير في ضوء غياب الحرس القديم، إلى جانب أن محنهم تلك تجعلهم أكثر حدباً من المشير نفسه في الاستماتة من أجل الحفاظ على النظام. وفي هذا الإطار فسَّرت المصادر لجوء المشير البشير للمؤسسة العسكرية ممثلة في قيادتها العسكرية العليا، بمثابة رشوة تسعى لتأمين تزمر لا مناص منه من قِبل الكوادر الوسيطة.

ومن جهة أخرى أكدت مصادر دبلوماسية رفيعة المستوى، أن ثمة ثلاثة دول خليجية تدخلت في القضية السودانية بصورة حذرة، أشار لها المصدر بقوله سواء بإرادتها أو بدونها. الأولى جددت عرضاً سبق وأن تقدمت به للمشير البشير منذ العام 2015 وهو ضرورة إبعاد الإسلامويين من السلطة مقابل تقديم مساعدات مغرية للخروج من الأزمة الاقتصادية. وذكرت المصادر أن ثيرموتير الرئيس المشير ظل مضطرباً حيال الحركة الإسلاموية منذاك الوقت. فمرة يقول في خطبه إن النظام حركة إسلامية كاملة الدسم، وأخرى يذهب إلى النقيض بأكثر من ذلك، ويتبرأ ليس من الحركة السودانية وحدها، وإنما من التنظيم الدولي للإخوان المسلمين برمته بعد وصفه بأقذع الألفاظ.

أما الدولة الأخرى فهي على النقيض تماماً، إذ تريد المحافظة على شعرة معاوية بين المشير والحركة الإسلاموية، ومسعاها هذا - طبقا للمراقبين – يعني الحفاظ على مشروع التنظيم الدولي للإخوان المسلمين. وكانت محاولات هذه الدولة قد وضحت في زيارة خاطفة قام بها أحد مسؤوليها قبيل إلقاء خطاب الطوارئ، وكانت سبباً في تغيير بعض نصوصه. أما الدولة الثالثة فهي الولايات المتحدة الأمريكية، والتي لا ترغب إدارتها في تدخل مباشر. وعوضاً عن ذلك رمت بفكرته إلى حليفها الأكبر في المنطقة، وتتلخص في استضافة المشير في ديارها، مقابل دور تقوم به الإدارة الأمريكية في أروقة الهيئة الأممية لتجميد مطالبة المحكمة الجنائية لمدة عام وفقاً للمادة 16 من قانونها الأساسي. وقد أكد المصدر وصول العرض، بل العروض الثلاثة طاولة المذكور.

صفوة القول: ذلك حديث المصادر الذي نضعه بين أيدي القراء بحذفاره، تعضيداً للصدقية والعلاقة المضطردة كما ذكرنا في صدر المقال. ويتخلص في ثلاث مشروعات أمام المشير، وهي تمثل مسارات آمنة لهبوط ناعم إن شاء، في مقابل هبوط دامٍ محتمل الحدوث من بني عصبته. أما رأينا الخاص الذي يحتمل الصواب كما يحتمل الخطأ، فأوجزه في نقطتين باختصار:
من الواضح أن التطورات في القضية السودانية تسير في مسارين، الأول: داخلي بين السلطة ومعارضيها، والثاني خارجي ممثلاً في تدخلات إقليمية ودولية. فالثاني الذي يسابق الزمن، أصبح متوقع حدوثه نظراً لأن السودان ليس جزيرة معزولة، بل هو قطر يؤثر ويتأثر بما يحيط به. لكن التطور الأول وهو الأخطر يشيء باقتراب ما هو مرجح الحدوث في أجندة المراقبين منذ أمد بعيد، ربما منذ حدوث المفاصلة الأولى، والتي كانت قد اقتربت يومذاك من بحور دم تمَّ تداركه. ولكن نظراً للتغيير الكبير الذي طرأ على المشهد السوداني بفضل العصبة الحاكمة، فسيناريو المفاصلة الجديدة يصعب تكراره دون أن يراق على جانبيه الدم!

ثانياً: هذه المعلومات ينبغي، بل نأمل أن توضع في العقل الباطن، باعتبار أنها يمكن أن تعين في معرفة طرق ووسائل وحيل العدو، ولكن دون أن يُعوَّل عليها كركيزة أساسية في سقوط النظام ورحيله، فالنظام بها ودونها يقترب من السقوط. بيد أنني وصفت العصبة بالعدو نظراً لممارساتها غير المسبوقة في التقتيل والتعذيب وكافة انتهاكات حقوق الإنسان السوداني. وبذلك وضعت خطوطاً حمراء في مفهوم المواطنة بصورته الكلاسيكية التي نعرفها، وتبعا لها صار نظام جلاوزة الإسلام السياسي عدواً لدوداً وخصماً خصيماً، بقدر الدماء الطاهرة التي روت تراب الوطن!

آخر الكلام: لابد من المحاسبة والديمقراطية وإن طال السفر!!

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
/////////////////////