في الجزء الأول من هذا المقال تحدثنا عن ما سميناه (توابع الزلزال) أي تلك الإفرازات التي رشحت من الزيارة الخاطفة والتي قام بها الفريق أول عبد الفتاح البرهان رئيس مجلس السيادة الانتقالي إلى يوغندا، حيث التقى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في مدينة عنتيبي برعاية الرئيس يوري موسفيني. وفي محاولة للإجابة على الشق الأول من التساؤل موضع العنوان والقائل: كيف حدث ما حدث؟ كان الملاحظ أنه عوضاً عن الاهتمام بتلك التوابع، انصرف الناس بالحديث حول إمكانية التطبيع مع الكيان الإسرائيلي من عدمه، وغاب الموضوع الأساسي والذي فصلناه في سبعة بنود. رأينا أنه من الضرورة بمكان الوقوف عندها نسبة لخطورتها على استقرار المرحلة الانتقالية، ولأن التمادي فيها يهدد استمرارية العلاقة بين السلطتين السيادية والتنفيذية. وبالتالي لم يعد ثمة جدوى من سؤال التطبيع، أهو حلالٌ أم حرامٌ؟ إذ كان ينبغي أن ينحصر السؤال حول الكيفية التي جرت بها وقائع الزيارة والتي كادت أن تحدث شرخاً في العلاقة بين السلطتين. ثمَّ تراءى للمراقبين لكأنما العاصفة قد هدأت، ولكن الحقيقة على العكس فقد بدأت، فما يزال تحت الرماد وميض نار، ينتظر طارئاً آخر يوشك أن يكون له ضرام. ويبدو أن ذلك ما حدث بالفعل في موكب الخميس 20/2 قبل أن يجف حبر الجزء الأول من المقال، ويعد وصمة عار تتحمل تبعاته الحكومة الانتقالية برمتها. 

إذن فإلى الملاحظات التي حاولنا حصرها أدناه، كدليل يفسر العجز الذي أحاط بالحكومة، وهي اجتهاد يحتمل الصواب مثلما يحتمل الخطأ، كما يقبل الاختلاف أو الاتفاق. فالغاية الأهم أن تشعل عصفاً ذهنياً يمضي بهذه الثورة نحو تحقيق أهدافها الكبرى، والتي مهر الثوار من أجلها أرواحهم الزكية.
أولاً: بعد نجاح الثورة تمَّ الخضوع لأحكام الأمر الواقع الذي جعل من (اللجنة الأمنية) شريكاً في السلطة، رغم مرارة الخيار. وبعدها تمَّ التوقيع على الوثيقة الدستورية بغية أن تكون مرشداً في المرحلة الانتقالية. وذلك بالطبع يحتم على جميع الأطراف رعايتها وشملها باحترام يليق بها. لكن ما حدث كان على العكس تماماً. إذ توالت عليها الخروقات التي ابتدرتها قوى الحرية والتغيير أولاً، والتي تمثل الحاضنة السياسية للحكومة الانتقالية. إذ فوجئ المراقبون بدخول كوادر حزبية في التشكيلة الوزارية، وكان ذلك تنكراً للوعود التي لا تتسق وقيم الثورة. فخلق ذلك احباطاً في نفوس الثوار، وأغرى الشريك بفعل الخطيئة نفسها.
ثانياً: كان فعل الشريك انسيابياً، إذ أقدم المكون العسكري في مجلس السيادة على فرض هيمنة غير مرئية على صناعة القرار، متكئاً في ذلك على العجز الذي يعتري صنوه المدني. فعلى سبيل المثال ابتدع منصباً واستحوز عليه بوضع اليد، وهو نائب رئيس مجلس السيادة، والذي يشغله الفريق أول محمد حمدان دقلو. وعندما لم يجد اعتراضاً حتى من المكون المدني السيادي واصل المشوار باستمراء الخروقات، إلى أن حدثت الطامة الكبرى بزيارة يوغندا مثار الجدل، والتي شطح فيها الجنرال البرهان بتجاوز الشعب السوداني كله وليس الوثيقة الدستورية وحدها. ثمَّ أقبل بعضهم على بعض يتلاومون حول تفسير نصوص الوثيقة التي ظنَّ الناس أنها محفوظة عن ظهر قلب!
ثالثاً: مع ذلك عولجت الخطيئة بمزيد من الغموض، بدليل أنه حتى الآن لا يعرف الشعب المغلوب على أمره وقائع ما حدث بالضبط بين البرهان ونتنياهو. قال الأول إن اللقاء الذي امتد لساعتين من الزمن لم يتعد حديث المجاملات العامة، بينما أشعر وأسهب الثاني في وصفه، بدءً من نشره على العالم، مروراً بالحديث عن إمكانية التطبيع وانتهاءً بتأكيد اتفاق يسمح بمرور طائرات شركة العال الإسرائيلية عبر الأجواء السودانية، وهذا ما حدث بالفعل الأسبوع الماضي، على الرغم من أن الجنرال ما يزال مستعصماً بالنكران حيناً والصمت المريب في أحيانٍ أخر!
رابعاً: ليس البرهان وحده من خرق الوثيقة الدستورية، فعلى الجهة المقابلة فعل حمدوك إثماً لا يقل عنه. إذ التقى غازي صلاح الدين في مكتبه، ولم يصدق الأخير هذا فسارع بإصدار بيان كأنه تحلل من ثقل أوزار علقت بسيرته. ولم يكتف حمدوك بذلك فأردفها بلقاء أكثر عددا مع ثلة من كوادر المؤتمر الشعبي، ومثلما فعل أخاهم في الخطايا، ملأوا الدنيا ضجيجاً وعجيجاً، بينما تدثر رئيس الوزراء بالصمت المبين، مثلما فعل الجنرال في متاهته!
خامساً: ربما ذلك ما حدا برئيس الوزراء لاتخاذ خطوة أكثر جدلاً بتوجيه خطاب إلى مجلس الأمن لتطبيق الفصل السادس في السودان عقب انتهاء مهمته الحالية الكائنة بموجب الفصل السابع. الجدير بالذكر نحن لا نتحدث عن جدوى الخطوة من حيث إنها مقبولة أو مرفوضة، فذلك أمر لا يتسع له هذا المقال. ولكننا في الواقع نتحدث عن الطريقة التي تم بها الطلب دون أن يسبقه توضيحٍ كافٍ. بيد أنه من حسن حظ رئيس الوزراء أن (غلطاته مغفورة) لدى غالبية أهل السودان. إذ يُحظى بشعبية لم ينلها أي أحد في حكومات ما بعد الاستقلال، ولكنه يخطئ كثيراً إن ظنَّ أن هذا الحب موجه لشخصه وليس للثورة التي جاءت به إلى كرسي الرئاسة، وليته يعلم أن الأمر يعود من قبل ومن بعد إلى خشية الناس على الثورة من مكائد الفلول المتربصين!
سادساً: في إطار ما سبق لا أجد في نفسي حرجاً من الإشارة إلى ضعف قدرات الفريق أول البرهان السياسية. ولعل ملابسات زيارة يوغندا تكشف ذلك، فالذي لا مراء فيه أنها تمت برافعة من وراء حجاب. بمعنى أن ثمة جهة ما هندست الخطوة ووضعتها بين يديه للتنفيذ. والمفارقة أنه أكد ذلك بنفسه في المؤتمر الصحافي، حيث قال (هناك ثمان جهات – لم يذكرها – كانت تتسابق من أجل إنجاز هذه المهمة) وهذا كما تعلمون قولاً ثقيلاً، قلنا عنه في الجزء الأول إنه لم يسبقه عليه إنس ولا جان، كما أكد زعمنا القائل بضعف قدراته السياسية وليس هو الوحيد بين عصبته!
سابعاً: حتى نكون منصفين فالضعف سمة سائدة في أوساط المجلسين السيادي والتنفيذي، إلا من رحم ربي. وتلك في تقديري نتيجة طبيعية للمعايير التي حددت أطر الاختيار بالكفاءة المهنية ولم تمض إلى أبعد من ذلك، سواء بإقرار المهارات السياسية المتصلة بالفعل الثوري، أو الخبرات البشرية المرتبطة بتسيير دولاب العمل الوظيفي، ولهذا لم يكن ثمة بدٌ من أن يقبل يعضهم على الوظيفة بفؤاد أفرغ من جوف أم موسى!
ثامناً: إن شئنا أن نكون أكثر تحديداً في الملاحظة أعلاه، سنؤكد حتماً إحساس القلق الذي يعتري المرء جراء وزراء لاذوا بصمت القبور للدرجة التي غابت فيها عن الناس حتى أسماؤهم. لكن السؤال من يسائل هؤلاء في غياب المجلس التشريعي وهم في شغل فاكهون. لكن ما هو أشد وطأة على أهل السودان أن بعضهم يقف على رأس وزارات مساهمتها في العملية التنموية مرهونة بمواقيت زمنية محددة، كوزارة الزراعة على سبيل المثال. ذلك يقودنا إلى النقد الموجه باستمرار لوزير المالية ومع ذلك لم يحرك ساكناً، بل إن ما زاد الطين بلَّة قوله جهراً إنه لن (يقطع عيش أحد) وليته أكمل بقوله (طالما لم يقطعوا عيشي) وإمعاناً في اللامبالاة قام بإضافة آخرين مثيرين للجدل. ويمتد الأمر أيضاً إلى وزيرة الخارجية التي احتار الناس في أمرها، علماً بأنها تتسنم أسهل الوزارات في التطهير المطلوب الذي لا يحتاج لحيثيات أو أدلة وبراهين. وعلى هذا المنوال القائمة تطول بآخرين لا يعرف الناس حتى أسمائهم، رغم مرور ما يناهز الستة أشهر على توزيرهم!
تاسعاً: من الواضح جداً أن الفلول وبخاصة تلك التي في الوسط الإعلامي، قد استغلت منابره في بث الدعاية السوداء لدرجة أفقدت الناس الإحساس بطعم ثورتهم، فأصبحت الوزارة بمثابة (كعب أخيل) الذي تصوب الفلول عليه سهامها آناء الليل وأطراف النهار. وبما أن هذه الوزارة تمثل المرآة العاكسة لحركة المجتمع وحراك السلطة، لعل السؤال الذي يطرح نفسه: هل السياسة الإعلامية الحالية من صنع وزير الإعلام وحده؟ يقيني يقول إنها أشمل بحيث إنه مفترض أن تكون نتاج نقاش جرى في أروقة مجلس الوزراء وأدى إلى إجازتها. ولو افترضنا ذلك فلماذا يتحمل وزير الإعلام المسؤولية وحده بعد أن اتضح وفقاً لقياسات الرأي العام أنها في حاجة لمراجعة وإعادة تقييم، لاسيما، بعد أن اتضح استغلال الفلول لهذه السياسة وتفسير صبر مسؤوليها بأنه عجز، لقد بلغ السيل الزبى وتمزق القلب إرباً ودمعت العين مراراً، حيال تلك الإساءات البالغة الموجهة لمجلس الوزراء حين يوصف بـــ (المجلس غير المحترم) وأخرى طالت الوزير والوكيل بوقاحة ولغات أكثر انحطاطاً!
عاشراً: لعل هذا وذاك هو ما أوصلنا إلى تفسير عدم تفاعل السلطة الانتقالية مع قضية تفكيك النظام البائد بالصورة التي تتواءم مع طموحات الثورة، ذلك لن يتأتى بتلك الصورة ما لم يتم إقصاء كل أزلام النظام البائد من المفسدين أخلاقياً وجنائياً. أكاد لا أعرف ثورة في الدنيا تماثل ثورة ديسمبر وتكاسلت في تطهير الأرض التي تقف عليها. ولا اعتقد أن هناك ما هو أشد مضاضة على النفس من رؤية المفسدين (بالنظر) وهم يمشون هوناً بين الناس ويمارسون حياتهم بخيلاء واستعلاء، وآخرون تبنوا الثورة وباتوا يتحدثون وكأنهم صناعها. ومثلهم يصدعونك بالحديث عن الوطن الذي يسع الجميع، وينسون كيف أنهم بعثروا مواطنيه في كل بقاع الأرض. لقد قلنا قبل تشكيل هذه الحكومة، لا مناص من مداواة علل الفلول إلا بذات الداء الذي ابتدعوه وسموه زوراً وبهتاناً (الصالح العام) فالثورات لا تعرف التردد ولا التلكؤ ولا التسامح!
حادي عشر: ثمة سبب موضوعي يجعل القضية أعلاه في صدارة القضايا. فالمعنيون وهم المزروعون في كل مكان في الدولة يواصلون الليل بالنهار في حياكة المؤامرات وخلق الأزمات لإضعاف السلطة، يقللون من شأن أي خطوة ويوصمونها بكل النعوت السالبة. أنظر كيف نجحوا في تحويل مفاهيم الثورة العظيمة، من ثورة وعي وقيم جميلة إلى ثورة (بطينية) جل همها توفير الخبز والوقود. ذلك لأن كل إناء بما فيه ينضح، فالسلطة بالنسبة لهم مجرد بقرة حلوب لا يطيقون فطامها. فليت من يهمه الأمر انصرف عن الإصغاء لترهاتهم وهم يولولون كلما اقترب نحو أحدهم سيف البتر. ولا أجد وصفاً ينطبق عليه إلا كقول الحق تبارك وتعالى (فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث) فلا يجرمنكم شنآن ألا تفعلوا فيهم ما فعلوه في أهل السودان من قبل!
ثاني عشر: هؤلاء كالنبت الشيطاني، يترادفون بعضهم بعضاً، فلا أدري فيم هذه اللامبالاة تجاه طلب المدعو صلاح قوش بطريقة رسمية من جمهورية مصر، والتي يقيم فيها ويحيك منها المؤامرات والدسائس. وبنفس القدر نعلم جميعاً أن هناك قضايا فساد ضد المدعو طه عثمان الحسين، القابع في المملكة العربية السعودية، وهي كفيلة بمثوله أمام القضاء السوداني عن طريق الشرطة الدولية (الانتربول) فهؤلاء يشكلون الخطر المنسي على الثورة المجيدة. وبنفس المستوى لا يرى المرء سبباً في اتخاذ خطوة رسمية حيال ثلة من المجرمين تجمعوا في تركيا، ويمارسون أنشطة هدامة بنسج الأكاذيب، وكذلك هناك آخرون يجوبون الدنيا بثروات الشعب السوداني، فإن عزَّت المطالبة بهم، فلم لا تكون المطالبة بالأموال المنهوبة هي ديدن الحكومة؟ فالثورة في حاجة لمن يخرج على الملأ شاهراً لسانه ليملأ به أرض السودان عدلاً بعد أن مُلئت ظلماً وجوراً!
ثالث عشر: من باب النقد الموضوعي حري بنا القول إن ثمة مسؤولية كبرى تقع على عاتق قوى إعلان الحرية والتغيير، فإن بدا للناس أنها استكانت، فما يزال المشوار طويلاً، وتلك العبارة التي نطق بها أحد الشهداء الأبرار تنير الطريق كلما أدلهم ليل الخطوب (لقد تعبنا يا صديقي ولكن لا يمكن الاستلقاء أثناء المعركة).
رابع عشر: من المؤكد أن عدم استكمال مؤسسات الحكم مثل موضوع الولاة (مع كُرهي ومقتي لهذه الكلمة) يمثل حجر الزاوية في عثرات الحكومة الانتقالية، والتي تبدو لناظرها كأنها تحكم العاصمة المثلثة وحدها. وبنفس القدر فإن مسألة تكوين الجهاز التشريعي لا تقل أهمية، خاصة وأن هناك ما يريب في استغلال هذا الفراغ من قبل المُكون العسكري في المجلس السيادي. ولهذا فرواده لا يبدون اهتماماً بكلا القضيتين اللتين يظنون أنهما ستسلبهما سلطة جاءتهم طائعة تجرجر أذيالها!
خامس عشر: أيضاً من باب النقد الذاتي يمكن القول إن بعض القوى السياسية لم تستوعب الدرس بعد، فباتت تثقب في السفينة التي تشارك الآخرين ركوبها، ظناً منها أنها ستكون بمنجاة إن حدث ما لا يحمد عقباه، بل يعجب المرء من قصر نظر هؤلاء رغم تطاول سنوات عمرهم في النشاط السياسي، ونظنهم لا يعلمون دروس التاريخ بصفة عامة وتاريخ هذا الوطن بصفة خاصة، وكلاهما يؤكدان أن لا عاصم إن جاء الطوفان!
سادس عشر: بالعودة إلى منصة التأسيس، لعل كل ما ورد ذكره لن يحقق مبتغاه إلا بتفكيك دولة الأبالسة في الأجهزة النظامية الثلاث، المخابرات والشرطة والقوات المسلحة، فضلاً عن الخدمة المدنية، وتشذيبها تبعاً لمقتضيات الدولة المدنية وبمزيد من الشفافية، بدءاً من إنجاح الفترة الانتقالية، مروراً بإقامة المؤتمر القومي الدستوري، وانتهاءً بعقد انتخابات حرة ديمقراطية تجعل السودان يتبوأ مكانه الطبيعي بين الشعوب والأمم!
آخر الكلام: لابد من المحاسبة والديمقراطية وإن طال السفر!
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.