عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

أشهد أننا شعب عاطفي وليس في ذلك قدح ولا مذمة، كما أنها صفة لا علاقة لها بأوصاف سمجة سبق وأن وصفنا بها ولي الدين بن زيد بن عبد الرحمن الملقب بـ (إبن خلدون) رائد علم الاجتماع، وذلك في مقدمته الشهيرة التي قال فيها إننا قوم أُشتُهِرنا بـ (الخِفِّة والطَّيْش وكثرة الطرب، فتجِدهم مُولَعِين بالرقْص على كُل تَوْقيع مَوصُوفِين بالحُمْق في كل قُطْر...) وبالرغم من أنه أعزى ذلك إلى طبيعة المناخ الذي ليس لنا فيه يدٌ ولا سلطان (ولَمَا كان السُّودَان ساكنين في الإقليم الحار واستولى الحَرُّ على أَمزجتِهم وفي أَصل تكْوِينِهم كان في أرْواحهم من الحَرارة على نِسبة أبدانهم وإقليمهم فتكون أرواحهمْ بالقياس إلى أرْواحِ أهل الإقليم الرابع أشدّ حَراً فتكُون أكثر تفشياً فتكُون أسْرع فَرَحاً وسُرُوراً وأكثر انبِساطاً ويجِيء الطيش على أثر هذه...ألخ) إلا أنه ليس بالضرورة أن يكون إبن خلدون مُصيباً فيما ذهب إليه، لا سيما، وأن اصحاب الرُقعة الجغرافية التي كان يتحدث عنها، تشمل السودان وغيره من دول مجاورة لم يعرف الناس عن شعوبها تلك الغلظة في الطِباع، بل على العكس فإن بعضهم فيه من الرِقة ما يجعل النسيم يتوارى خجلاً. ولكن ليس ببعيد عما قاله ايضاً، فقد أثبتت الأحداث إننا شعب يحلو لهم الإفراط في عواطفهم من جهة، والتفريط في عقولهم من جهة أخرى. تماماً مثلما قِيل عنَّا...إننا شعب يُحسن صُنع الثورات، ولا يُحسن الحفاظ عليها!

 

تقول الحكمة الأزلية في شأن الحكم، إن السلطة (لو دامت لغيرك لما آلت اليك) ذلك لأن ارادة المولى تنزَّه وعلا، جعلت من الموت قدراً لا فكاك منه على جميع البشر، ولو أن فيه استثاء واحد لكان أولى به سيدنا محمد (ص) وهو خير البرية، ولكن لتأكيد قدريته عليه وكذا تعميمه على الخلق أجمعين، فقد خاطبه ربه تبارك وتعالى بقوله (إنك ميت وإنهم ميتون) بل حتى عندما كادت أن تتزعزع عقيدة البعض بعد أن طاف عليه طائف المنون، خاطبهم صفيه وخليله أبوبكر الصديق بقوله (أيها الناس من كان يعبد محمد فإن محمداً قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت) وخاض في ذلك حروب الردة التي استهل بها خلافته. ونحن في السودان – يا سادتي - عرفنا انماطاً مختلفة من الحكم، منهم من جاء عنوةً واقتدار ممتطياً ظهر دبابة، ومنهم من وصل محمولاً على اعناق الجماهير بعد أن خضع لارادتها عبر صندوق الانتخابات، ومنهم من جلس القرفصاء على سدة السلطة وكان بين ذلك قواماً. ومن حق الذين قضى نحبهم علينا...أن ندعو الله لهم طلباً للرحمة والمغفرة، بمثلما أنه من حقنا على من ينتظر أن ننصحه بلساننا واقلامنا، وإن حاد عن جادة الحق قوَّمناه بسيوفنا كما قال ذاك الصحابي للخليفة العادل عمر بن الخطاب. ومن جهة أخرى ليس من حقنا أن نطلب من الناس أن يغضوا البصر عن افعالهم واعمالهم في دنياهم، بخاصة إذا ما كانت لا تسر عدو ولا صديق، ففي ذلك تطفيف لعواطف الناس و تغييب لعقولهم!

 

فريتان ظلتا قيداً كبَّل به البعض حياتنا السياسية حتى أدمى معصمها، الأولى ما يمكن تسميته بـ (دبلوماسية الأحزان والمآتم) وهي تلك الحالة التي يستدعيها البعض ويُهل بها علينا عندما يرحل عن دنيانا أحد الذين تسنموا سدة السلطة ذات يوم، ثم يطالبون الناس باسقاط سلبياته وذكر ايجابياته حتى وإن لم تكن له ايجابيات تذكر، وفي ذلك يتكئون على حديث حكم عليه الشيخ الألباني بالضعف، ومع ذلك ظلت تلوكه ألسنتهم بترداد يَجُبُّ أي ببغاء مجتهد في تقليد الناس. فالحديث رواه أبو داود والترمذي من حديث عمران بن أنس المكي عن عطاء عن عمر أن رسول الله (ص) قال: أذكروا محاسن موتاكم وكفوا عن مساويهم. وقال أبو عيسى الترمذي: هذا حديث غريب، سمعت محمداً – يعني البخاري رحمه الله – يقول عمران بن أنس المكي منكر الحديث، وروى بعضهم عن عطاء عن عائشة. ولا اعتقد أن المولى تبارك وتعالى الذي خصص أكثر من نصف القرآن الكريم إلى قصص وسير الغابرين والسابقين واللاحقين (نحنُ نقُصُّ عليك أَحسَن القَصَص بما أَوحينا إليك هذا القُرآن وإن كُنت مِن قبله لمن الغَافِلين) وبعضها عن رسل وأنبياء واصحاب رسول الله الكرام، لم يستح سبحانه وتعالى أن يذكر لنا سلوك غير قوِيم أو افعال مؤذية اقترفوها (يا أُيها الذين أمنُوا لا تدخُلُوا بُيُوتاً غير بُيُوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على اهلها...الآية) وكذلك (يا أُيُها الذين امنُواْ لا تدخُلُوا بُيُوت النَّبِي إلَّاَ أن يُؤذن لكُم إلى طعامٍ غير نَاظرين إنَاه ولكِن إذا دُعيتم فادخُلُوا ...الآية) بل حتى محمد الموصوف بخاتم الأنبياء والرسل، والذي كان خُلقه القرآن كما قالت عنه السيدة عائشة رضي الله عنها. ولأنه لم يكن معصوماً من الخطأ بالرغم من قوله تعالى عنه (وإنّك لعلى خُلق عظيم) فقد أورد القرآن بعض اخطائه، سواء تلك التي اجتهد فيها دون وحي أو تلك التي جاءت عفو الخاطر دون قصد، (يا أيُها النبِيُّ لِمَ تُحرِّم ما أحلَّ الله لك تبتغي مَرضاتَ أزواجِك والله غفُور رحِيم) وأيضاً (عَبسَ وتَولَّى/ أن جاءَهُ الأَعمي/ وما يُدرِيك لعلَّهُ يزَّكَّى) وكثيراً ما خاطبه ربه مُحصحصاً الحق ومُدحضاً الباطل. وعلى شاكلة ذلك من السنة النبوية الكثير الذي لا يحتمله مقال صغير، فعلى سبيل المثال ما الذي يجعل الرسول الكريم يذكر لأصحابه مساويء مُسلِمينِ وكان بامكانه أن يصمت، جاء ذلك في الحديث الذي رواه بن عباس رضي الله عنهما قال (مرَّ النبي على قبرين فقال إنهما ليعذبان، وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان يمشي بالنميمة وأما الآخر فكان لا يستتر من بوله) (رواه مسلم) نقول كل هذا للتدليل على أنه طالما أن تلك القصص للعظة والاعتبار، وطالما أن الله كان بمقدوره أن ينتقى لنا قصصاً تسر السامعين، وطالما أن المسائل نسبية، فلماذا يطالبنا البعض أن ننسى للديكتاتوريين أفعالهم واقوالهم التي كانت أشد وطأً وأقوم قيلا مما ذكرنا!

 لو أن التاريخ يكتب بمقاييس الانتقاء، لأغفل المؤرخون عمداً ملابسات يوم السقيفة التي شكلت أول ثُغرة في جدار الشورى وكانت الدولة الاسلامية طفلا يحبو، ولو كان التاريخ يكتب برغائب الناس واهواءهم لكنا قد مررنا على ملابسات الفتنة الكبرى وقميص عثمان مرور الكرام، لا سيما وأن من بين الذين وجهت لهم تهمة قتله محمد بن أبي بكر الصديق خليفة رسول الله (ص)، ولو كان التاريخ يكتب بمنطق الحب والكراهية لكنا قد حذفنا من صفحاته واقعة الجمل، فمن المشاركين فيها كان سيدنا على بن أبي طالب الذي كرَّم الله وجهه، وفيهم السيدة عائشة زوج رسول الله التي أوصي بها خيراً، وفيهم الزبير بن العوام وطلحة بن عبيد الله وهما من العشر المبشرين بالجنة، ولو أن التاريخ يكتب بعين رضية لحذفنا من اضابيره واقعة كربلاء التي سفكت فيها دماء المسلمين وشطرت آل البيت الكرام إلى يومنا هذا، ولو أن التاريخ يكتب بعينين مغمضتين لكنا قد تجاهلنا واقعة صفين وسفهنا معركة النهروان، ولو أن التاريخ يكتب بأحبار مغموسة في موائد الحكام لكانت سيرة الوليد بن عبد الملك تجلجل حيث نواقيس كنائس دولة الفاتيكان، ولو أن التاريخ يكتب بالبطون لتضاءل صراع السلطة في الدولتين الأموية والعباسية، واصبح انموذجاً تتطلع له افئدة الباحثين عن الحرية وليس تمثالها المُطِل على خليج نيويورك، ولو أن التاريخ لم يكتب بمزاج ساكن جبال تورا بورا فلربما دخل سكان هذا الكون دين الله افواجا، ولو أن التاريخ يكتب بالتمني لكان (الخليفي) قائد معركة مسجد أنصار السنة في الحارة الثامنة زعيماً للدولة الاسلامية في السودان، لكن التاريخ - يا سادتي - وقائع مثبتة وأحداث مجردة، يصوغها الأخيار و يشاركهم الأشرار صنعها!

رحل جعفر نميري الرئيس المخلوع عن دنيانا الفانية ووري الثرى في الاسبوع الماضي، وهي فترة كافية على كل حال في أن يكفكف البعض دموعاً استمطروها غصباً من عيونهم، للتعبير عن حزن شعروا به بعد فراقه، وليس بمستغرب أن تجد فيهم من لم يكن يعرف أنه كان حياً يرزق إلا حين وفاته، بل منهم من لم يسمع به...أي بمعنى لم يعش في عهده حتى يعرف ما إذا كان يستحق الدموع التي ذرفها من اجله أم كان عليه توفيرها ريثما يحتاجها يوماً في فراق عزيز لديه، والفئة الأخيرة هذه هي التي لفتت أنظار محررو هذه الصحيفة (الأحداث) الذين غطوا وقائع مراسيم التشييع واستغربوا لفتيات ثواكل وفتيان بواكي وعمرهم تجاوز العشرين بقليل، فهل يا ترى تلك عاطفة انسانية كتلك التي تباغت المرء حينما يكون الأمر متعلقاً بجدلية الحياة والموت، أم أنها عاطفة سودانية بحتةً، تبكي في كثير من الأحايين دون أن تعرف من هو الميت؟ على كل حال هو سؤال لن نشغل أنفسنا به كثيراً لأن اجابته ليست عصية ولا خافية على أي قاريء حصيف، لكن أن يكون الذين سلموا أو استسلموا لتلك الظاهرة هم من الشرائح التي ناءت بكلكلها على صدر هذا الشعب، فذلك لعمري ينبغي وقفة تأمل واستقراء وقراءة ناصحة حتى لا يقولوا إنهم استغفلوا أمة بكاملها وطبعوا على خدها أجندتهم الفاسدة وتزويراتهم المكشوفة. لعل الكثيرون تابعوا بمزيد من الدهشة والاستغراب محاولات تزييف الوعى الجماعي بعد أن اتخذ البعض من رحيل نميري مناسبة تباروا في احيائها كما كان يتبارى شعراء الجاهلية في ساحات سوق عكاظ، سدروا في غيهم لدرجة كادوا فيها أن يوهمونا بأن بطلاً من ابطال الاساطير الاغريقية نهض من تحت الرماد وتحول بقدرة قادر من ديكتاتور عتيد إلى ديمقراطي تليد، ومن رئيس سفاح إلى زعيم متسامح، ومن حاكم متسلط إلى قائد زاهد في السلطة، وصدَّقوا زعمهم فتمددوا في وسائل الاعلام لدرجة قلنا فيها سبحان الذي أحيا عظام الاتحاد الاشتراكي وهي رميم!

 يقولون إن كان رب البيت بالدف ضارباً فشيمة أهل البيت كلهم الرقص، وعليه لم يكن ما سبق مفاجئاً بعد أن فتح البيان الرسمي لرئاسة الجمهورية الباب على مصراعيه لضخ الأكاذيب واستنهاض الافتراءات وتزييف الوعى، فقد قال البيان وليس ذلك بغريب على طيور وقعت على اشكالها (أرسى في حقبته العامرة العديد من البني التحتية للتنمية الشاملة بالبلاد التي كانت له هماً وبرنامجاً، ثم أعلن تطبيق الشريعة الاسلامية فأرسى بذلك قاعدة صُلبة للعدل والاحسان ما تزال البلاد تجني ثمارها، وكان الرئيس الفقيد أحد صمامات الوحدة الوطنية عندما أرسى اتفاقية أديس أبابا 1972 وأوقف الحرب في جنوب البلاد...) كان ذلك ايذاناً بظهور خفافيش الظلام بعد أن ابتلعتهم دهاليز العصبة ذوي البأس، فقالوا للذين يعلمون والذين لا يعلمون أن ما اسموه بعهد نميري (بئس التسمية المنسوبة إلى فرد) كان سخاءاً رخاءاً فاضت فيه انعام البر والبحر حتى لم يجد الناس فقراء يمنحونهم زكوات اموالهم، وقالوا لنا دون أن يطرف لهم جفن أن الديمقراطية في عصره كانت ترفاً تعاطاها الشعب حتى اشتعلت الغيرة في صدور أهلها في (وستمنستر) وقالوا للناس أن الأمن والطمأنينة سادا في نفوس الشعب المسكين حتى ضجر الشعراء وتمنوا معاناة تفجر لهم ينابيع الابداع. كما اسلفنا القول من حق نميري علينا كمسلم نتشاطره عقيدة سمحاء أن ندعو الله له بالمغفرة والرحمة، ولكن ليس من حقنا أن نلوي عنق التاريخ لنحمِّله ما لا يحتمل ونحشوه بما لا يطيق، وليس من حقنا الكذب والشمس في رابعة السماء، ليس من حقنا تكريس ظاهرة النفاق السياسي الذي تمدد واستشرى بفضل الديكتاتوريات وافعالها، حتى قال عنا البعض يا أمة ضحكت من نفاقها الأمم!

لابد أن غير السودانيين ممن لا يعرفون خبايا القصور وتقلب الدهور، قد تساءلوا بمثلما تساءلنا وقلنا طالما أن الرجل يمتلك صفات كتلك التي تبارى في ذكرها المادحون، فلماذا أسقطته تلك الانتفاضة اللعينة في ابريل 1985 أيها الناس لم يجيء نميري للحكم من بوابته المعروفة، ولم تتقطع انفاس الجماهير حتى تجد له موطىء مقعد في دست السلطة، فقد قاد انقلاباً عسكرياً اجهض نظاماً تعددياً انتخبه الناس برغبتهم وطوع ارادتهم. ولأن أول القصيدة كفر كما يقولون فقد ادَّعى فساد النظام الديمقراطي، وقدم أربعه من رموزه الوزراء إلى محاكمات هزيلة (احمد السيد حمد، احمد زين العابدين، كلمنت أمبورو، وعبد الماجد أبو حسبو) والمفارقة أن الأول براؤوه وعينوه وزيراً في ذات النظام أما الأخير فقد حاكموه بتهمة يتمنى أي وزير اعلام مستنير أن يرتكبها، وهي دعوته كوكب الشرق الفنانة أم كلثوم لاحياء حفل في الخرطوم. ولكن تراجيديا الأحداث تجسدت في موت رئيس الوزراء السيد اسماعيل الازهري في مستشفى الخرطوم الجنوبي – سيان من الاهمال أو الغصة – بعد بضعة ايام من الانقلاب، ولم يشفع له أنه ذات الرجل الذي رفع بيديه علم الاستقلال، فكان جزاءه خبر مقتضب في نشرة الساعة الثالثة بعد الظهيرة يقول (توفي السيد اسماعيل الأزهري المعلم السابق بوزارة التربية والتعليم)! ألم يكن للأزهري يومذاك محاسن تذكر؟

 

لم ينتبه النظام الذي ادَّعي أنه جاء لمحاربة الفساد أن رئيس الوزراء المذكور طلب (سلفية) من مواطن بمبلغ لا يستحق كل ذلك العناء، فقد جاء في وثيقة (انظر أسفل المقال) بخط يده ما يلي: (السيد بشير النفيدي/ السلام عليكم ورحمة الله وبركاته/ علمت من السيد الحاج مضوي بموضوع المائة جنيه الأولى وهي باقية ديناً علي، والآن أرجو أيضاً أن تسلفني مائة جنيهاً، وتكون الجملة علي (230) مائتان وثلاثين جنيه، وسنبدأ التسديد إنشاء الله في منتصف هذا العام، وأكون لكم من الشاكرين بهذا/ والله ولي التوفيق/ تأسفي لإزعاجكم/ المخلص اسماعيل الأزهري/ الأربعاء في يوم 1384ه الموافق 19/2/1964م) والمعروف أن رواد النظام الديمقراطي سواء الذي أجهضه نميري أو سلفه، فقد رفعت الديكتاتوريتان ألوية الفساد في وجوههم، وفيهم السيد محمد نور الدين الذي كان حتى وقت خروجه من الوزارة وانتقاله للرفيق الأعلى يسكن منزلاً فيما سمي بالمساكن الشعبية، وفيهم السيد يحى الفضلي الذي كان يقطن منزلاً من منازل الأوقاف، وفيهم السيد نصر الدين السيد الذي كان يسكن أيضاً في منزل للايجار بالرغم من أنه هو ذات الرجل الذي خطط المدينة كلها عندما تولى رئاسة مجلس بلدية الخرطوم بحري، وفي الواقع لا نظلم الديكتاتورية الأبوية الأولى فقد حسبنا قادتها فقراء من التعفف، وعلى رأسهم الفريق عبود، ولكن نظام نميري الذي ادَّعى محاربته فساد غير مرئي، ما أن دانت له السلطة حتى شهد الناس فساده في انفسهم وفي الآفاق، فقد جفَّ الزرع والضرع في وقت أصبحت فيه بعض صحف الغرب تطلق على بهاء الدين محمد ادريس وصف (مستر تن بيرنست) في اشارة للعمولات التي كان يتقاضاها نظير الصفقات المبرمة مع النظام، وهو وصف لم يكن يجرؤ أحد رؤساء تحرير الصحيفتين اليتيمين اللتين كانتا تسبحان بحمد الرئيس أن تسبغانه عليه، ثم التفت الناس يساراً ورأوا سليم عيسى اللبناني الجنسية يقوم بأعمال رئيس وزراء خلف الكواليس...يرفع من يشاء ويذل من يشاء. ثم التفت الناس يميناً ورأوا عدنان خاشقجي الملياردير السعودي يبيع البلاد وخيراتها في مزاد كبير، وشاهد البعض طائرته الخاصة وهي تفرغ حمولتها - بين الفينة والأخرى - بشراً وخطايا في قلب الخرطوم. ولكن والحق يقال لم نكن نعلم بأنه سيأتي علينا حينٌ من الدهر سنرى فيه الفساد وقد اصبح ركناً سادساً في اسلام دولة الصحابة!

 

من أين نأتي بالحسنات لنميري وحاشيته حتى نذكرها، عندما دكت الدبابات الجزيرة أبا، لم يكتف النظام بقتل الامام الهادي المهدي، ولا بترميل نساء الانصار، ولا بتيتم أطفالهن، فلو أن الزمن عاد القهقري للوراء ما الذي يمكن أن نلمسه من مشاعر اختلجت في افئدة اهاليهم، ليت الذين ملأوا الدنيا ضجيحاً وعجيجاً وبكاء...وطالبوا الناس بالكف عن مساويء رئيس نظام ديكتاتوري وذكر حسناته التي لا وجود لها، ليتهم وضعوا أنفسهم هنيهة في مكان اهالي الضحايا وهم يرون الآلة الاعلامية للنظام تضُخ الأكاذيب وتُزيِّف الوقائع، حيث لم يكتف قادة النظام الثوري الجديد بقتلهم وسحقهم وسحلهم، وإنما زادوا على ذلك بالتشهير بهم، ووصم البسطاء بالجهل والغوغائية وقالوا عنهم إنهم مجرد رعاع استغلتهم (الفئة الباغية) وليت الذين نظموا الموشحات وضعوا أنفسهم في مقام ذرية الأمام الهادي، والذي شهد الناس له تمسكه بعقيدته ولم يشك احداً يوماً في اسلامه، ومع ذلك يأتي زعيم القتلة القابع في احدي مؤسسات النظام الآن، ويعرض على الناس في جهاز التلفزيون ما اسماه بـ (معروضات) للاساءة لسمعة الرجل ومكانته بين طائفته، فعرضوا زجاجات خمور متنوعة وملابس نسائية داخلية، فتأمل! وليت الذين رقَّت قلوبهم استشعروا الأسى حينما حصدت أرواح ابنائهم البنادق في ودناوباوي، ولم يسلموا أيضاً من تشوية سيرتهم بذات الأوصاف المسيئة!

 

المعروف أن النظام الذي رحل رئيسه وكان فيه حاكماً فرداً، لم يتخذ القتل منهجاً فحسب وإنما جعل له سنن وفرائض، ليت الذين ثقب الزمن ذاكرتهم، عادوا بها إلى ما اسماه الحزب الشيوعي بـ (اسبوع الالام) يوم أن حصد النظام ارواح قادته وكوادره العسكرية بذات التهمة التي أوصلت النظام نفسه للسلطة، ليتهم وضعوا أنفسهم في مكان السيدات اللائي فقدن ازواجهن والابناء الذين حرموا من عاطفة الأبوة، وجميعهم يسمعون ذات الاعلام يفترى علي آبائهم كذباً، ويفبرك الروايات التي لا وجود لها إلا في عقل صانعيها. ليس هذا فحسب فالأمر نفسه انطبق على ضحايا ما سمي بانقلاب حسن حسين 1975 وكذا على الآخرين الذين جاءوا من خلف الحدود في العام 1976 تحدوهم دوافع وطنية لتغيير المنكر، فإذا بالنظام يعمل على الانتقاص من وطنيتهم تلك فيصفهم بـ (المرتزقة) وهي التهمة التي لم يجد لها الشموليون بديلاً في كتاباتهم إلى اليوم، والمفارقة أن الموصوفين بالارتزاق يومذاك تربَّع بعضهم على سدة السلطة حينئذٍ، ومنهم من صار ينعت غيره بذات الأوصاف دونما حياء سياسي أو اخلاقي!

 

ختم النظام مسلسل العنف مع خصومه باغتيال مفكر عجزت الأمة السودانية حتى الآن عن انجاب مثيله، وتعلمون - يا سادتي – سواء هو أو الضحايا الآخرين الذين جرى ذكرهم، لم تجر ألسنه أهل النظام يومذاك بذكر محاسنهم حتى بعد أن مضوا إلى رحاب ربهم، بمثلما يطالبوننا أزلام النظام اليوم بذكر محاسن قاتلهم، وهم يعلمون أيضاً أنه لم يكتف بقتلهم وإنما سخَّر آلته الاعلامية، واستخدم مبعضه التشهيري في تشريح سيرتهم وتشويهها، فاصبحوا في غفلة من الزمن هم الموصومين بالعمالة والارتزاق وعدم الوطنية بل بالكفر والزندقة، مثلما هو الحال مع الاستاذ الجليل محمود محمد طه، وهو ذات الرجل الذي نذر حياته كلها للدفاع عن نقيض ما زعم القاتل!!

 

عن (الأحداث) 7/6/2009

 

لمزيد من مقالات الكاتب يرجى الاطلاع على مكتبته على موقع الجالية السودانية بواشنطن:

 http://www.sacdo.com/web/forum/forum_topics_author.asp?fid=1&sacdoname=%DD%CA%CD%EC%20%C7%E1%D6%E6&sacdoid=fathi.aldaw