عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

          

الثورات لا تندلع بغتةً، بل لا تندلع اصلاً بغير اسباب موضوعية. فهي تأتي نتيجة تفاعل وتراكم القضايا السياسية والاقتصادية والاجتماعية بالدرجة الأولى، وليس بمعزلٍ عن القضايا الفكرية والثقافية كذلك. ولأن الشعوب بطبعها تُمهِل ولا تَهمِل فهي تلجأ للثورات كوسيلة من وسائل التغيير حينما يكتمل شرط وجوبها. والمعروف أنها واحدة من ثلاثة آليات تواطأ الناس عليها للتعبير عن رغباتهم ونواياهم في تغيير السلطة الحاكمة. ذلك إلى جانب التغيير السلمي الديمقراطي الذي يتأتى عبر الصندوق الانتخابي، وهو الوسيلة الأكثر تحضراً وقبولاً، يضادها على العكس تماماً...التغيير عبر الانقلابات العسكرية وهي الطريقة التي رُزئت بها الدول المتخلفة أو ما درج على تسميتها بدول العالم الثالث، وكلا التسميتان لا تغيران من الواقع المُزريء شيئاً. وكأن قاموسها – أي تلك الدول - لا يحتمل سوى مفرداتٍ بطنينها ورنينها...ففي اطار منظومتها فإن الثورات تسمى احياناً بالإنتفاضات. وذلك ليس هو الموضوع، ولكن ما نود الاشارة إليه أن هذه الثورات أو الانتفاضات رغم تكلفتها الباهظة تفرز احياناً مسخاً مشوهاً لا يوازيها كحدث، بل ربما أساء لها أكثر مما يُحسن. بيد أن التغيير عبر الصندوق الانتخابي في اطار المنظومة نفسها، يحتمل ألا يطابق رغبات وتطلعات المنتخبين، ذلك لأنه لا يتم وفقاً للمعايير الموضوعية المتعارف عليها، إذ تحل اساليب الخداع والتمويه والتزوير عوضاً عن الشفافية والنزاهة والاستقامة السياسية. ولكن حتى لا نذهب بعيداً فلنحصر حديثنا في الثورات وشجونها، والتي لا يُعرف حتى الآن متى كانت أول ثورة قام بها شعب مقهور أو مواطنين متمردين، وإن كان ثمة روايات غير متفق عليها بإجماع تُرجح أنها كانت في عصور الفراعنة المصريين. ولكن على كلٍ ما أتفق عليه القاصي والداني من الأحياء والأموات، أنك لن تجد أمة من بين الأمم أو شعباً من بين الشعوب، لم يلجأ للثورة كوسيلة من وسائل التغيير، سواء كان ذلك التغيير للتخلص من براثن مستعمر قميء، أو ضد حكم وطني جثم على صدر مواطنيه بوسائل لا تنقص قطميراً من وسائل المستعمر نفسه!

 

يُقال إن الشعوب المتقدمة والمتحضرة لا تلجأ للثورة إلا مرة واحدة، وهو قول تجده مطابقاً إلى حد ما مع ثورات انداحت تداعياتها خارج اطار الاقليم أو الدولة، منها على سبيل المثال الثورة الامريكية (1775) والفرنسية (1789) والروسية (1917) وهناك ثورات كانت ضد الاستعمار واشهرها ما كان متصلاً ضد سياسة الفصل العنصري (الابارتهايد) في جنوب افريقيا، وكذلك الثورة الجزائرية ضد الاستعمار الفرنسي الذي دام لأكثر من 130 عاماً، والثورة المصرية ضد الاحتلال البريطاني (1919) وثورة حركة اللواء الأبيض السودانية ضد الاحتلال نفسه (1924) كذلك هناك ثورات وطنية ارتدت الثوب الديني أو العكس أولها الثورة المهدية (1881-1898) وآخرها الثورة الإيرانية (1979) مثلما هناك انقلابات عسكرية ارتدت ثوب الثورات وهي الظاهرة التي دشنتها حركة يوليو المصرية (1952) ثم انتشرت كالنار في الهشيم، فحذت دولاً عربية وأفريقية حذوها، كالعراق، سوريا، السودان، الجزائر، ليبيا، موريتانيا، الصومال، وجزر القمر..إلخ. واخيراً نعلم أن الثورات اتشحت بالالوان أيضاً، فالثورة الحمراء والتي اطلقت على الثورة الروسية تناسخت في بلدان كثيرة، ومؤخراً شهدنا الثورة البرتقالية في اوكرانيا (2005) واعقبتها الثورة الصفراء أو ثورة الليمون التي حدثت في قرغيزستان، ومنها ثورات سلمية كالثورة البيضاء في اليابان، والثورة البنفسجية وهي تظاهرة عارمة قام بها العراقيون في العام نفسه، وانتظموا فيها بمختلف اعراقهم ومذاهبهم وطوائفهم وتياراتهم السياسية دعماً لخيار السلام، وعلى إثر أول انتخابات ديمقراطية تجرى بعد سقوط نظام صدام حسين، وإن لم تأت أكلها. ويشابهها في الخيار السلمي ما سمي بالثورة السوداء وهي تظاهرة ايضاً قام بها المحامون الباكستانيون بعد تنحي بيروز مشرف عن السلطة وتولي يوسف جيلاني رئاسة الوزارة، والذي سارع بدوره إلى اصدار أمر بالإفراج عن القضاة الستين الذين احتجزهم مشرف، فخرجت جموع المحامين والقضاة في تظاهرة ابتهاج اكتسبت التسمية من المعاطف السوداء التي كانوا يرتدونها، وأخيراً فقد بدأت وسائل الاعلام تروج لتعبير الثورة الخضراء، وهو التعبير الذي صكَّته قوى المعارضة الإيرانية في وصفها لمجريات الأحوال في بلادها الآن. أما نحن فمن أجل هذه الخُضرة التي نُحبها والوجه الحسُن للديمقراطية التي نشتهيها...فإن إيران وثورتها لابد وأن يكونا موضع  نظرنا في هذا المقال!

 

استطاع الامام آية الله الخميني من منفاه الاختياري في فرنسا إحداث هزة عنيفة في الوجدان الوطني والديني للشعوب الإيرانية، وذلك عبر وسيلة بسيطة (الكاسيت) وإن سارعت الاوضاع المتردية في عهد الشاه رضا بهلوي إلى انجاحها أو المساهمة في تفعيلها، الأمر الذي أدى إلى وصول أول ثورة دينية ذات مرجعية شيعية إلى سدة السلطة ولأول مرة في التاريخ. لهذا كان من الطبيعي أن تتوجس دول الاقليم وبخاصة الانظمة الراديكالية في دول الخليج (العربي/الفارسي) خيفةً، وهو التوجس الذي أضحى حقيقة بعد دعوة الخميني الصريحة إلى اسقاط الانظمة الملكية والأميرية والمشيخية، وهي الدعوة التي اعقبها مباشرة الترويج لشعار (تصدير الثورة) وهو الشعار الذي نجح في بلد واحد هو لبنان فظهر (حزب الله) للوجود. كذلك ينسب للثورة الإيرانية من المساويء ايضاً، بروز ظاهرة التطرف والعنف والأفكار الأصولية المتزمتة التي وجدت ملاذاً في عقول الشباب في الدول العربية والاسلامية، وكذلك ايقظت الفتنة الطائفية من مرقدها في بلدانٍ ظنت أنها نجحت في خلق تعايش ديني على مدى عقود زمنية، ثمَّ ساهمت في توطين الأفكار الانتحارية في نفوس متطرفين اتخذوا التكفير منطلقاً لحسم الخلافات العقائدية بالقتل والتفجير والتفخيخ ترهيباً لغير المسلمين، وهي الظاهرة التي سميت بالارهاب الديني والتصقت بالاسلام والمسلمين، وعموماً فقد اصاب الغرور ملالي إيران وظنوا أن التغيير الذي تمَّ داخل بلادهم يمكن أن يحدث مثيله وبذات الطريقة في مناطق أخري، وتوخياً لتلك الغاية طرح الخميني نفسه إماماً للمسلمين وظلاً لله في الأرض، دون اكتراث بموقف الرافضين ولا حتى الذين يناوئونه في التوجهات سواء داخل إيران أو خارجها في المحيط الاسلامي!

 

واقع الأمر كان شعار تصدير الثورة محاولة من الآيات للهروب من واقع لم يُتهيئوا له جيداً، فقد وجدوا انفسهم في سدة سلطة لا يعرفون مفاتيحها ولا كيفية إدارة عجلة الدولة، وهم الذين كان غاية همهم ومبلغ علمهم السيطرة على حوزة دينية واتباع يعدون بالالاف، ولهذا بالنظر لطبيعة الشعوب الإيرانية نفسها، فإن التغيير الذي أدى إلى إزاحة الشاه عن السلطة كان بالضرورة أن يمس أولاً عقولاً عشعشت فيها أفكار بالية، وهو ما حدث بالفعل، فإن تفاعل الاحداث الذي سبق الانتصار النهائي للثورة في العام 1979 سبقه تغيير طفيف في أفكار الآيات القابعين في الحوزات الدينية، وظلوا يشغلون أنفسهم بقضايا الحيض والنفاس وزواج المتعة وتنظيم الاحتفالات السنوية بكربلاء. بالمقابل يخطيء من يقلل من شأن القوى الوطنية والديمقراطية في إيران، فهي صاحبة تراث وافر في النضال السياسي الديمقراطي، فلا غروَّ أنها مشبعة بالأفكار الليبرالية التي رفدت بها حضارتهم الفارسية الحضارات الانسانية، ولهذا لم يكن غريباً أن تحصل أول حالة صدام مع تيار الليبراليين الاسلاميين والذين كانت تمثلهم حركة (حرية إيران) بقيادة مهدي بازركان الذي نصبه الخميني كأول رئيس لحكومة الثورة المؤقتة، الأمر الذي أدى إلى استقالته بعد شهور قليلة من المنصب المذكور بسبب تهميشه من قبل المؤسسة الدينية التي كانت تحكم من وراء حجاب، ثم الصدام الثاني مع الحسن بني صدر الذي كان أول رئيس منتخب عملت المؤسسة الدينية على ازاحته في العام 1981 من السلطة بالتصويت في البرلمان على كفاءته السياسية، بعدها بدأ الخميني يلعب دوراً مباشراً في السلطة وإدارة عجلة الدولة، وبدأ ذلك بسلسلة فتاوى لازمة النفاذ ابتدرها بإعتبار الديمقراطية الغربية رجس من عمل الشيطان، وهي الفتوى التي فتحت الباب للسلطة على مصراعيه لتنظيم حملات ما اسمته بتطهير المجتمع الإيراني من اليساريين والديمقراطيين خصوصاً الذين كانوا ينتمون لمنظمة مجاهدي خلق، حيث نصبت محاكم الثورة بقيادة صادق خلخالي اشرعتها الترهيبة في وجه أي معارض، وقد تمَّ تصفية الالاف وزج آلاف آخرين في السجون والمعتقلات بدون وكلاء دفاع أو محلفين أو أي مظهر من مظاهر العدالة الطبيعية، واغلقت الصحف والمجلات وكذلك الجامعات بإعتبارها بؤراً للفساد وإفساد عقول الشباب، كما تمَّ فصل العديد من الضباط والمعلمين وشرائح أخري من العاملين في قطاع الخدمة المدنية، وامتدت يد السلطة إلى خارج الحدود حيث لاحقت الذين تشتتوا في المنافي والمهاجر وعملت على تصفية بعضهم مثلما حدث لشابور بختيار رئيس الوزراء الاسبق الذي اغتيل في باريس، إلى جانب اكثر من سبعين ناشطاً سياسياً آخرين!

 

من البديهي ألا تجد تلك السياسات قبولاً لدى كثير من الإيرانيين بخاصة وأنها لم تخاطب قضاياهم الاساسية، وسرى الاحباط بزعم أن التغيير السياسي لم يؤدِ إلى تحقيق الطموحات المشروعة في ظل عيش كريم وحرية متاحة اكدتها كل الأديان السماوية وأقرتها كل الشرائع الانسانية، ولهذا كان من الطبيعي أن تحدث مقاومة، ظلت تتواتر علواً وهبوطاً ولم تمنع الحملات القمعية والترهيبة حدوثها من حين لآخر. ومن جهة أخرى كانت الاجراءات نفسها مصدر تنازع بين اطراف في اطار المؤسسة الدينية، وكانت نُذر المواجهات تأتي تباعاً ايضاً، إذ لم يتوان الامام الخميني في اشهار سلاح التكفير في وجوه المعترضين على فتاويه أو طريقة ادارته وكان آية الله شريعتمداري على رأسهم فتمَّ وضعه تحت الاقامة الجبرية...ايذاناً بأن الثورة بدأت تأكل بنيها بالفعل. وفي واقع الأمر فقد خلقت الحرب مع العراق واقعاً دراماتيكياً إنعكس على الساحة الداخلية بصراعاتها وقضاياها المعقدة، فعلاوة على أن تلك الحرب اللعينة حصدت من الجانبين ما يفوق المليون ونصف المليون، فقد أهدرت كذلك مواردا لا طائل لها، والمعروف أنها حرب أشبه بفخ نصبته القوى الكبري وغذته بدهاء وذلك بهدف استمرار مصالحهما تارةً، وبالحفاظ على ما عرف بنظرية توازن القوى في المنطقة تارة اخري. وكانت الحرب نفسها قد أدت إلى إقبال قطاع كبير من الشباب إلى تعاطي المخدرات، ومن جهة أخري فقد أدى انغماس أصحاب العمائم في مغريات الدنيا ومباهجها إلى انفصالهم عن واقع ظلوا يحثون فيه الشباب على الآخرة، كما أدى تورط الشباب المؤيد للثورة وبخاصة ما سمي بـ (حرس الثورة) وقادة وكوادر (الباسيج) في تسيير الشئون العامة للدولة إلى تفشي ظاهرة الفساد، وسجلت المراكز الدينية تراجعاً ملحوظاً في نسبة مرتاديها، وتفككت علاقة الشباب مع المرجعية الدينية، بل حتى مع الولي الفقية (المرشد الأعلى للثورة الاسلامية الإيرانية) وبخاصة في المرحلة التي تلت سنوات الحرب، وقد ازداد الانفصام بعد توقف الحرب ووفاة الخميني في العام 1989 حيث بدأ ذلك الجيل من الشباب يطرح الاسئلة الصعبة أو المسكوت عنه طيلة عقد كامل من الزمن، بما في ذلك مشروعية السلطة الدينية نفسها، وطالبوا بتخيير الشعوب الإيرانية بين النظام الديني القائم، ونظام مدني ديمقراطي يرجع الآيات إلى حوزاتهم، وهو ما ظهر جلياً في انتخاب خاتمي في العام 1997 ونتيجة لبرنامجه الذي واءم بين تطلعات الاجيال الجديدة وركائز الدولة الدينية، فقد اعيد انتخابه في العام 2003 ومضى في ذات الاتجاه رغم اتهامات الملالي له بالتفريط في ثوابت المرجعية واشاعة الانفراط القيمي بين الشباب، وقد مثَّل إعادة انتخابه مؤشراً في قبول التيار الاصلاحي كرافد مهم يعيد إلى إيران حيويتها الاقليمية، ويرجعها إلى حظيرة المجتمع الدولي راضية مرضية!

 

تلك هي الخلفية التي يمكن النظر من خلالها إلى إرهصات الثورة التي تمور تحت السطح الإيراني منذ ظهور نتيجة الانتخابات الاسبوع الماضي، والتي إتهمت فيها دوائر المعارضة أصحاب الأيادي المتوضئة من زملائهم القابضين على زمام السلطة في القيام بعمليات تزوير واسعة النطاق أدت إلى فوز أحمدي نجاد. وصحيح أن الانتخابات وتزويرها كانا سبباً في سفور هذه التداعيات، ولكن الصحيح أيضاً أنها جاءت لتعبر عن واقع مأزوم، حشرت فيه المؤسسة الدينية إيران وشعبها في نفق ضيق طيلة الثلاثة عقود المنصرمة. ولا شك أن الشعوب الإيرانية التي صبرت على ممارسات السلطة الدينية البائسة، اتضح لها أنها لا يمكن التضحية بحياتها أكثر مما فعلت، ضنك في المعيشة وضيق في الحريات وعزلة دولية واقليمية وثروات تهدر هباءا منثورا. ولعل المثير في الأمر ان التظاهرات العنيفة والمستمرة كشفت عن تصميم المتظاهرين على المضي إلى أبعد من نتيجة الانتخابات، أي محاولة وضع الأمور في اطارها الصحيح والمفترض سواء من ناحية الحريات أو مطلوبات الحياة الأخري، كما لوحظ أيضاً أن الحمية السياسية اصابت حتى الإيرانين المبعثرين في المنافي والمهاجر المختلفة في العالم، حيث انتظموا في سلسلة تظاهرات احتجاجية مؤازرة في كثير من بلدان العالم، ومن عجب توحدت نفس الشعارات التي سبق وأن رفعها الإيرانيون قبل ثلاثة عقود زمنية حينما أزمعوا إسقاط حكومة الشاه (تسقط الديكتاتورية) وفي التقدير هذه هي احدى مصائب الانظمة الديكتاتورية سواء كانت مدنية أو دينية، إنها تشعر بأن الزمن توقف بفضل إرادتها وأن الشعوب ينبغي أن تواصل الخنوع تحت قدميها، هذه الانظمة تظن أن شعوبها يفترض أنهم لا يتناسلون ولا يكبرون ولا يعيشون، وانها فقط المناط بها أن تنمو إلى ان تبلغ من العمر أرذله، ما يحدث الآن في إيران هو مثال حي للانظمة القهرية التي تطعم شعوبها الشعارات بينما ينغمس قادتها في ملذات الدنيا ومحاسنها، هو مثال حي لدولة الاستبداد حينما تحرم مواطنيها من ابسط حقوقهم المشروعة وتثقل كواهلهم بواجبات لا قبل لهم بها، ما يحدث في إيران هو مثال حي لحكومات الظلم التي يسرق فيها الفقير فتقطع يده ويفسد (الشريف) فيكافأ بوظيفة أخري، هو مثال للكذب والنفاق السياسي والمكابرة التي شيدت بها بعض الأنظمة المثيلة مصانع ظلت تطعم منها شعوبها وهماً وتسقيهم سراب بقيعة!

 كان لظهور المرشد الأعلي آية الله على خامنئي يوم الجمعة الأول من امس، تداعيات سالبة على صراع الأطراف المتناحرة على السلطة، إذ تحاشى طرح أي حلول وسطية تتسق والحياد الذي ينبغي له أن يبديه حيال تلك الأطراف، ولكن عوضاً عن ذلك أكد دعمه للرئيس أحمدي نجاد وهو خيار انحيازي وضع (ولاية الفقية) برمتها في محك صعب، وأكد في الوقت نفسه اتساع الرتق على الراتق إذ إنطوى على بوادر إنقسام واضح في المؤسسة الدينية الحاكمة. وهو ما تجلى في غياب بعض الرموز المهمة عن صلاة الجمعة التي افصح فيها عن الانحياز المذكور. ومنهم محمد خاتمي وأكبر هاشمي رفسنجاني، وهما اللذان دعماه في حملته الأخيرة، وغاب عنها أيضاً مير موسوي ومهدي كروبي المرشح الخاسر، واعتبرت كثير من الاوساط السياسية أن كلمته كانت بمثابة انذار لهذين الاخيرين وذلك حينما عمد بصورة غير مباشرة إلى تحميلهما ما اسماه بالعنف الدائر في الشارع الإيراني، رغم انهما لم يدعيانه. وبالطبع فإن اتهاماً بهذا العيار الثقيل يعني احتمال نقل معركة السلطة من زوايا وأركان الغرف المغلقة إلى ردهات الشارع العريض، ويعتقد كثير من المراقبين السياسيين أنه خطأ استراتيجي قابل للتفاقم والتمدد والانفجار. وقد ظلت انظار كثير من المراقبين موجهة نحو رفسنجاني، أو اللاعب الصامت في الحلبة الفائرة، لا سيما، وان قرائن الاحوال تقول إن في صمته كلاماً. ورفسنجاني الذي يعد من ابرز قادة الرعيل الأول، هو سياسي براجماتي ساند وفرض زعامة المرشد الراحل آية الله الخميني، وهو احد اساطين النظام الذين أداروا دفة الحرب مع العراق بحنكة، وعمل على اقناع الخميني بوقفها وهو القرار الذي وصفه الأخير بأنه أشبه بتجرع السم، ولا شك أن رجلاً بمثل هذا الثقل والتاريخ المثقل بالأحداث لن ينسى الاتهام الذي وجهه له أحمدي نجاد بالفساد هو وأسرته، بل لا يعتقد بأنه سيغفر ما اعتبره خطيئة في حقه، حتى لو إستتب الأمر لنجاد وجلس القرفصاء أربعة سنوات أخرى في دست السلطة، ويعتقد بأن احتجاجات رفسنجاني العلنية كانت سبباً في تحريض الآخرين في أن يدلو بدلوهم بذات العيار الثقيل! واياً كانت الاتجاهات ففي التقدير أن نهاية النظام الأوليغاركي البطرياركي الثيوقراطي المتدثر بالعباءة الاسلامية في طهران باتت واضحة، والعاقل من إتعظ بإيران وملاليها!

صفوة القول أن هذا العالم الذي نعيش على ظهرانيه عبارة عن وحدة كونية واحدة، ليس بالتنكلوجيا وحدها والتي جعلت منه قرية بل غرفة في قرية صغيرة، ولكن بحكم منظومة المصالح المتداخلة والقيم الانسانية الموحدة وكذا تطلعات الشعوب والأمم، وبناء عليه واهم من يظن أنه يعيش في جزيرة معزولة لا شأن له بالآخرين ولا شأن بالآخرين به، صحيح أنه عالم سبق وأن تناصفه قطبان في مرحلة ما سمي بالحرب الباردة، وصحيح أيضاً أن الفراغ الذي نتج عن غياب أحد القطبين في ثمانينات القرن الماضي لم يستطع القطب الآخر أن يملأه بكفاءة واقتدار، فالولايات المتحدة الأمريكية لم تنجح عبر ادارات مختلفة في تحقيق ذلك الهدف الاستراتيجي نتيجة ظروف كثيرة يصعب حصرها في هذا الحيز الضيق، ولم يكن غريباً أن نشهد تخبط بعض تلك الادارات بلا هدى مما زاد من تفاقم بؤر النزاعات والمناطق الملتهبة في العالم، ومع ذلك كله لا يستطيع أي مراقب أن يغفل توجهات الادارة الديمقراطية الأمريكية الحالية التي يقف في رأسها رئيس استثنائي بكل المقاييس، فقد اتضح دون النزوع نحو ضفاف التفاؤل أن التغيير الذي رفع رايته الرئيس باراك أوباما، لن يكون محصوراً في نطاق القضايا الامريكية الداخلية وحدها، فثمة مؤشرات قوية تؤكد أنه بذات القدر بدأ يرشح خارج الحدود، أي إذا عطست واشنطن فلا شك أن دولاً كثيرة ستشمتها، ويبدو أن إيران ستكون أولى المشمتين، وأياً كانت الصورة التي ستستقر عليها الأمور في هذا البلد اليتيم، فإن عاجلاً أو آجلاً لن تكون ببعيدة عن شعار التغيير المشار إليه، ومن بعدها (المتأرنيين) بالطبع!!

 

ملحوظة:

 

امتثالاً لقراء وأصدقاء كرام، قالوا لنا إن (الحوار) بيني وبين صديقي مصطفي البطل إنقلب إلى (خوار) أجد نفسي لزاماً عليها الانصياع لرغاباتهم، لاسيما، وأن المواقف في القضايا مصدر الخلاف باتت واضحة تماماً لكل ذي بصرٍ وبصيرة. وإني لأشكر صديقي الذي اسبغ علىَّ شرفاً لم أدعه. إذ أحمد الله كثيراً الذي جعلني واحداً من أهل الكهف في زمن التهافت والتساقط والانكسار. وأشهد أنه رغم مرور عقدين من حياة الذل والمهانة والكذب والانحطاط في حياة هذه الأمة، فما زلنا نشعر أننا لم نلبث سوى يوماً أو بعض يوم، وأن في يدنا ورقاً ما يزال صالحاً لكل زمان ومكان، نستطيع أن ندخل به أي مدينة، ونبتاع منها ما يدرأ منَّا الظمأ ويبعد عنَّا شر المسغبة!!

  

عن (الأحداث) 21/6/2009

 

لمزيد من مقالات الكاتب يرجي زيارة مكتبته على موقع الجالية السودانية بواشنطن

 http://www.sacdo.com/web/forum/forum_topics_author.asp?fid=1&sacdoname=%DD%CA%CD%EC%20%C7%E1%D6%E6&sacdoid=fathi.aldaw