عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

  

حكى لي صديقنا الزميل الصحفي إبراهيم على إبراهيم أو حامل لواء القلق الكوني كما اسميه، وقال: إنه ذات مرة كان يَعبُر الطريق البري من ولاية تكساس في اقصى الجنوب الأمريكي إلى ولاية أيوا الكائنة في الغرب الاوسط، وفي نقطة ما أراد التزود بالوقود بينما كانت تحيط به صحراء اشبه بصحراء العتمور، وكما هو معروف فهناك دائماً اشارات تدلك على الخدمات الاساسية التي يحتاجها المسافرون، فتابعها حتى وصل إلى مبتغاه على بعد اميال قليلة من الطريق العام، وفي اثناء تزوده بالوقود طفق يتأمل تلك الصورة الموحشة، ولعله أبدى تعاطفاً مع صاحب المحطة أو العامل فيها – سيان -  فلا شجرٌ ولا حجر يتراءى للناظر، ولا أنيس ولا جليس سوى صفير الريح. ثمَّ دلف إلى داخلها فإذا به وجهاً لوجه أمام سوداني قُحّ، وقد تعرَّف عليه من الوهلة الأولى لأنه كان من الذين يصِرُّ بسطاء أهلنا على تعميق قبليتنا في خدودهم، ثمَّ بعد السلام المتسلسل الذي لا ينتهى عندنا إلا باستسلام طرف للآخر بعد لأيٍ. سأله إبراهيم ذاك السؤال التقليدي: من متين يا حاج إنت في البلد دي؟ رغم أنه سؤال يكاد يكون صاحبنا قد سمعه للمرة المائة بعد الألف في حياته، إلا أنه حدَّق طويلاً في الأفق كمن يبحث عن اجابة تائهة، ثم اطلق بعدها زفرة حراء كأنه خبأها من سنين عددا لموقف كهذا. وقال له: تعرف في نهاية الخمسينات كنت ماشي في الشارع وبعدين فجأة شفت دبابات ماشه في شارع الظلط جنب العربات، فسألت الناس: في شنو يا جماعة؟ الدبابات دي ماشه وين؟ فقالوا لي ماشه الاذاعة! ثم صمت الرجل كأنه فرغ من حديثه، لكن ابراهيم الذي لم يستطع صبراً عاجله بالسؤال المتوقع: أها وبعدين؟ فقال له: وبعدين شنو ما من الزمن داك طلعت طوالي، لأنه الدبابات ما بتمشى الاذاعة يا بني، الدبابات بتمشي الميدان عشان تواجه الأعداء، أما الاذاعة فسووها عشانكم إنتوا الصحفيين...ولا مش كده؟

 بالطبع ذلك سؤال استنكاري لا يملك صديقنا ابراهيم له جواباً، بل لن يحيط أي فرد من أفراد الشعب السوداني باجابته، بدليل أنه ظلت تلك الدبابات تتجه للاذاعة بين الفينة والأخري، بينما واصل الصحفيون رسالتهم من الميدان لتغطية اخبار معاركها المفتعلة. هو إن شئت فقل عنه تبادل أدوار ليس إلاَّ، هناك من يسميها بالكوميديا السوداء، وهناك من سماها بالتراجيدكوميدي، وهناك من لم يجد لها مسمىً حتى الآن، فاستعار من السياسيين اوصافهم التي يختصرونها في ما اسموه بالأزمة الوطنية. لكن على كل حال هذا ليس بموضوعنا الراهن، لأن موضوعنا الآن هو تلك الأزمة الوطنية التي قذفت بأبناء هذه الأمة في البراري والسهول والجبال. أذكر قبل أكثر من عشرين عاماً كتبت مقالاً في صحيفتي التي كنت أعمل بها (الوطن الكويتية) وكان بعنوان (مغتربون ومستغربون) وفحواه وفق ما رأيت آنذاك أن الشعب السوداني العظيم انقسم إلى فئتين لا ثالث لهما، فئة تشتتت في المنافي والمهاجر وديار الاغتراب، وفئة رابطت في الداخل واستبقت نفسها فيه. واصطلحنا على تسمية الاولى بالمغتربين والثانية بالمستغربين. فما الذي حدث - يا سادتي - بعد كل هذه السنين الطويلة من تاريخ ذاك المقال المذكور؟ الاجابة ببساطة هي أن المستغربين ازدادوا استغراباً والمغتربين إزدادوا عدداً. وفي رواية أخرى أكثر صدقاً، فالمستغربون إزدادوا دهشة والمغتربون ازدادوا محنة!

في واقع الأمر إن اكثر ما يثير حنق المرء، تلك المعطيات غير العادلة، فإذا افترضنا مثلاً أن المستغربين يلجأون احياناً للتكلس أو التقوقع أو الاستكانة أو أي شكل من اشكال الخنوع التي تتوهمها السلطة التي يرزخون تحت ويلاتها. فإن ذلك قد يحدث لسببين لا ثالث لهما ايضاً، فهو إما من زاوية الصبر على المكاره بلغة أهل الدين، أو عدم اكتمال الشروط الموضوعية للتمرد عليها بلغة أهل الدنيا. وسواء كان هذا أو ذاك فالثابت من تجارب البشر، إنهما – أي الافتراضين - مرهونان بفترة زمنية قد تطول وقد تقصر، لكن لابد من التغيير وإن طال السفر. والصحيح كذلك أنه إلى حين حدوث التغيير، فالظالم قد يستمرأ ظلمه ويسدر في غيِّه علماً بأن ذلك قد يُعجل برحيله، وقد يُصبر المظلوم على قدره وإن كان ذلك يبطيء حدوث تمرده على ظالمه. بيد أنه على الجانب الآخر إن أنت وضعت المعاذير للمستغربين فما الذي سيقوله المغتربون الذين لا عذر لهم وقد أُنذروا؟ بمعنى أنهم جغرافياً وعملياً هم خارج اطار قبضة السلطة الحاكمة، ولا ينبغي لتمردهم عليها أن يخضع لأي من معايير الشرطين السابقين، لا سيما، وأن السلطة أو الدولة بمختلف هوياتها السياسية ظلت تتعامل معهم بإعتبارهم اعداء وليسوا مواطنين من لدن قوم ينتمون لذات الوطن وترابه. إذاً فلماذا يرهنون انفسهم لحالات الخنوع أو الاذلال أو التبعية؟ وهي الحالات التي تُجسدها فلسفة العطاء بلا مردود أو ما أُصطلح على تسميته بـ (البقرة الحلوب)؟ ويزداد العجب وتكبر الدهشة حينما تتوارد للذهن المعادلة البسيطة التي تذكرنا أن ناموس هذا الكون قائم على تعادل كفتي الحقوق والواجبات، ذلك ما أشار إليه رب الكون نفسه – تنزَّه وعلا – وأكد عليه مراراً وتكراراً في كتابه الكريم، فعلى هدى «ما خلقت الجن والانس إلا ليعبدون» اباح الله سبحانه وتعالى لعباده التمتع بحقوقهم في الحرية والمساواة والإخوة وهي المباديء الثلاثة التي استند عليها فيما بعد الاعلان العالمي لحقوق الانسان، وكذلك يجد المهتمون في سنة رسوله الكريم تفصيلات تنوء بحملها الكتب، ويُذكر أن نفحات الديانات والشرائع السماوية وكريم المعتقدات، إقتبست منها الدساتير الوضعية فلسفتي الحقوق والواجبات لمواطنيها. ونحمد الله كثيراً أننا من مِلة جرَّب فيها سياسيوها ما يناهز العشرين دستوراً منذ استقلالها، ولم تغفل هذه الدساتير حتى الشمولية منها، تأكيد مباديء المواطنة بغض النظر عن تطبيقها على ارض الواقع!

 

إن الدول المحترمة تعمل على كيفية اعادة ابنائها إلى حظيرتها حتى وإن تفرَّقت بهم السبل، ناهيك أن تلك السبل هي من صميم صُنعها. ولكن على العكس تماماً فبدلاً من اعادتهم عملت الدولة السودانية على بعثرتهم وتطفيشهم، ومن ثمَّ إجتهدت وثابرت في كيفية توطينهم في بلاد الغير، وغالباً ما يتم ذلك تحت دعاوي وغطاءات كثيرها...ظاهرها الرحمة وباطنها العذاب، إما بهدف تدجينهم أو استلابهم أو حرمانهم ابسط حقوقهم الطبيعية، وهذه إن نطقوا بها فهم في عُرفها اعداء للوطن والانسانية، وهم الفئة الباغية، وهم العملاء والدخلاء والطابور الخامس. وإن صمتوا عنها لا مناص أنهم أبناء السودان الابرار الأوفياء المخلصين المتجردين لوجه الله والوطن، علماً بأن تلك فرية ظلت تروِّج لها السلطات المُضطهِدة في أوساط المغتربين المضطهَدين، بل ما أنفكت تتناسل بينهم كما تناسلت اجيال خرجت من صُلبِهم. وهم أبناؤهم وبناتهم الذين ولدوا وترعرعوا وشبوا عن الطوق في مهاجرهم...أجيال قد تعرف وجه الله ولكنها لا تعرف وجه هذا الوطن، ليس لأن الوطن المذكور لم يرِها وجهه المضيء والذي يفترض أن ينير لها دياجير الظلام وعتمة الحياة. ولكن لأن سدنة الانظمة وخدام السلاطين دأبوا على الطواف عليهم من حين لآخر، ليمتعونهم بطلعاتهم البهية وليسمعونهم معسول الكلام وليذروا على مسامعهم الآمال الجوفاء والوعود الكاذبة. وعلى مدى سنوات ظلَّ السيناريو يكرر نفسه ببلاهة وسماجة وسخرية، فمن قبل أن تذروا الرياح حديث أي سادن، يجيؤهم سادن آخر ليكرر عليهم ذات المشهد (الشكسبيري) وبالتالي يظل العرض مستمراً طالما هناك مسرحاً للعبث، وآذاناً أدمنت السمع، وأفواهاً لم تعد تقوى على الكلام المباح!

 

كلنا يعلم لماذا تستنفر الدول المحترمة جيوشها إن تعثَّر مواطن واحد خارج حدودها؟ لأنه ببساطة التزم بواجبات المواطنة بدءاً من دفع الضرائب ومروراً باحترام قوانينها ودستورها وانتهاءاً بالزود عنها متى ما دعا الداعي، وفي مقابل ذلك فالدولة ملزمة بصون حقوقه المشروعه بما في ذلك الدفاع عنه متى ما استوجب الأمر. والمفارقة أنه في ظل اختلال الحقوق والواجبات لا تجد دولة الصحابة حرجاً في الحديث عن الاخلاق السودانية، رغم أنها تعلم أن تلك الأخلاق المفترى عليها ضعضعتها وهشمتها باخلاص من ينتظر جائزة في الدمار والهلاك والتخريب. وفي ظل اختلال الحقوق والواجبات تعمل الدولة السنية ايضاً، على تأسيس أجهزة بيروقراطية لتكريس وضعية مواطنيها خارج الحدود. فتبتكر من الطرق والوسائل ما يسهِّل عليها عيشها وينكد عليهم حياتهم، فعلى سبيل المثال ابتكر دهاقنة الدولة السودانية جهازاً ليتولى إدارة شئون الذين رمت بهم خلف الحدود. اطلقوا على هذا الجهاز مرة (جهاز المغتربين) وثانية (جهاز شئون المغتربين) وثالثة (جهاز شئون العاملين بالخارج) والمعنيون به لا يعلمون عنه شيئاً سوى تعدد التسميات والموت واحد. فالجهاز المذكور منذ تأسيسه وفي ظل كل الانظمة التي توالت وتباينت لم يسهم بل لن يستطيع أحداً أن يزعم أنه وجد حلاً لأي من القضايا المعقدة التي يعاني منها المغتربون، بل لا يستطيع أحد أن يؤكد أنه تأسس حقاً لمواجهة الاسئلة المحورية التي تبحث عن اسباب الهجرة أو الاغتراب رغم وضوحها للقاصي والداني، وبالتالي لم يشغل هذا الجهاز نفسه بالاستغراق في الخطط والسبل الكفيلة بإعادة المغتربين ولم شملهم بتوفير المشاريع والوظائف والفرص التي تشجعهم على العودة الطوعية. ولهذا انعدمت الثقة تماماً بين هذا الجهاز وبين المغتربين المعني بشئونهم، بل على العكس تماماً فقد أصبح في عُرفهم جهازاً قمعياً يعمل على امتصاص دمهم حتى آخر قطرة، فمنذ ما يناهز الأربعة عقود زمنية على تأسيسه ظلَّ يعتمد كقناة لزيادة موارد الدولة، ولم يتغير ذلك الحال سواء في فقرها أو غناها، فهو يتولى الصرف على مؤسساتها في الداخل ويرعى شئون سفاراتها في الخارج بما في ذلك دفع رواتب مستخدميها بالتي هي أقهر. ولو قلنا إن من يقف على رأس هذا الجهاز العجيب شخص يتمتع بدرجة وزير، هل ترى أن ذلك يمكن أن يضيف للوضع الكئيب شيئاً في نفسك يا صاح؟

 

إلتقطت عيناى  مؤخراً أن الدكتور كرار التهامي تولى رئاسة جهاز شئون العاملين بالخارج، ثم بحب استطاع تفرضه دوماً متابعة القضايا العامة ما أمكن ذلك، كنت اتصفح في الموقع المعروف باسم (سودانيز أون لاين) فقرأت له حديثاً عجباً، وسيادته أحد أعضاء هذا الموقع وقد آثر مواصلة عضويته ولم تنقص منها مسؤولياته شيئاً، فما زال يمارس دوره ويتحدث مباشرة لأعضاء المنبر وأغلبهم بالضرورة من المغتربين إذا لم نشاء توصيفاً آخراً يجلب عليهم غضب أهل السلطة أكثر مما نالهم، والحقيقة رأيت أن التهامي قبل التوغل في حيثيات عدم جدارته بالمنصب الذي تربع على رأسه، بدا لي كأنه اعتبر أن اعضاء (سودانيز أون لاين) هم كل السودانيين المشتتين في ديار الاغتراب والمبعثرين في كل وادٍ، بل اظن غير آثم أنه اعتقد أنهم جميعاً هم مغتربي المملكة العربية السعودية التي كان مغترباً فيها، وواقع الأمر كان المؤمل أن تجعل منه هوية الاغتراب هذه شخصاً ملماً بقضايا المغتربين الكثيرة والمعقدة بإعتبار أنه عايشها واكتوى بنارها، ويفترض أن ذلك كافٍ لأن تكون لديه رؤية واضحة لكيفية ايجاد الحلول المناسبة لتلك القضايا، ولكن اتضح لي من خلال ما يكتبه في ذلك المنبر إنه يفتقر للرؤية المواكبة لمشاكل المغتربين، وحاول أن يغطى على ذلك بالتشبث بأهداب اللغة فزاد على خطيئته أخطاءاً فظيعة في قواعدها، مع أن هذا شيء قد يعده البعض بمثابة مسألة هامشية، ولكني اعتقد على العكس مسألة اساسية طالما أن فاعلها مسؤول خرج للملأ شاهراً قلمه. وعموماً سنتجاوز عن ذلك لأن ما قاله كان أنكى وأمر، وهو ما حدا بنا أن نرمقه بعين فاحصة قبل أن نصدر عليه الحكم موضع عنوان هذا المقال!

 

فقد سئل سيادته - غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر - عن صلته بالعصبة ذوي البأس، فقال له السائل في الحوار المنشور في صحيفة (الحرة 29/5/2009) هل يعني ذلك إنك كنت (غواصة) الإسلاميين في مايو؟ فاجابه بالتأكيد وبفذلكة غريبة وقال «لنقل ذلك، وهي تجربة كانت تحتاج إلى التخفي والظهور بمظهرين وإخفاء المعالم الواضحة للشخص والزملاء الذين عايشوا تجربتي في الجامعة يعرفون أسرار وخفايا تلك المرحلة بآلامها وآمالها» ذلك حديث لا يقدم عليه انسان بكامل وعيه، ناهيك ان يكون هذ الانسان هو من يقف على رأس جهاز يفترض فيه صفات تتضاد مع ما ذكر. علماً بأنه كلنا يعلم أن كثير من كودار العصبة يعملون بشتى السبل والوسائل على ارتداء (طاقية الاخفاء) وعدم نزعها حتى وإن إنكشف المستور، وليس أدل على ذلك من النظام نفسه الذي ظل ينفي وينكر باستمرار أي صلة بالجبهة الاسلامية رغم وضوحها منذ اليوم الأول. بل وكمن ينكر ضوء الشمس من رمد ظلَّ على ذاك المنوال، إلى أن اعترف لأول مرة بعد عشر سنوات اثناء التراشق بالكلمات بين الشيخ وحوارييه، فيما سمي بالمفاصلة بين الاسلاميين. وبالطبع لم يكن النكران سوى امتثالاً للمثل السوداني الدارج (الشينة منكورة) ولكن طالما هي كذلك فما الذي دفع التهامي لتأكيدها وبصورة تشمئز منها النفوس؟ فالكلمة (غواصة) هي في الأصل واحدة من المصكوكات القميئة للعصبة ذوي البأس، كقولهم أيضاً (الفاقد التربوي) وهو التعبير الذي يصيب سامعه بالذعر لأنه ينسخ الغاية النبيلة، ولا يعير بيتاً من الشعر استودع فيه شاعرنا العظيم محمد سعيد العباسي كل اسباب الحكمة (علموا النشء علماً يستبين به/ سبل الحياة وقبل العلم اخلاقاً) ومع ذلك حري بنا القول إنها مصكوكات لن تدهش احداً طالما صدرت عن عصبة إدعت ذات يوم أنها جاءت (لإعادة صياغة الانسان السوداني) ورغم بؤس التعبير واستفزازه، فقد يعلم الناس أن الشعار تحقق بالفعل ولكن في الاتجاه السالب، حيث فقد الانسان المذكور مثله واخلاقه وقيمه الكريمة...تلك التي طالما كان اعتز بها وتوارثها كابراً عن كابر!

 

الدكتور كرار التهامي أو (غواصة) الحركة الاسلامية على حد توصيفه لنفسه، راوغ في الحوار المذكور حول السؤال الذي طلب منه أن يوضح الكيفية التي تم بها اختياره لهذا الموقع؟ ولولا وصفه لذاته كان يمكنني القول إنني كنت احسب نفسي في زمرة الذين يعتقدون أنه تمَّ اختياره لأنه من أهل مكة الأدري بشعابها، أي من المغتربين الذين عاش وسطهم وعرف قضاياهم وحفظ (لوحهم) كما قال، فإذا به يكشف أنه جاء غازياً لهذا المنصب ليس لأنه من أهل الولاء فحسب، ولكن لأنه من أهل الولاء الذين اسندت لهم أدواراً مبهمة لم يستح عن اقرارها، وعاش بين ظهراني الناس بوجهين، وذلك يعني أنه كان يظهر بغير ما يبطن، وكان يضمر بغير ما يفصح. فكيف يضمن الناس أنه تاب توبة نصوحة من تلك الفعلة الشنعاء؟ وكيف يثق الناس في شخص يقول عن نفسه أن تلك واحدة من صفاته بل هي الصفة التي رفعته مقاماً عليا؟ وكيف يضمن الناس أن شخصاً بتلك الصفات سيعمل لخدمة قضايا قومية تعلو على القضايا الحزبية، لا سيما، وأن منسوبي حزبه هم شريحة بسيطة من جموع المغتربين؟ وكيف سيعمل على خدمة المعنيين بغض النظر عن هويتهم العقائدية لا غروَّ وأن من بينهم من يعتبرهم حزبه من أهل الذمة؟ ثمَّ أن الذي نعلمه أن (الغواص) بطبعه لا يحلو له سوى العيش في الاعماق والتستر بالمياه الدافئة وبحب الكواليس وبكرهه ضوء الشمس؟ فأي شفافية يرتجيها الناس من مسؤول يحتم عليه المنصب الوضوح والصراحة؟ وهل يا ترى اختار المسؤول (الغواص) معاونوه من الغواصين المتسربلين بالقومية أم من القوميين المتدثرين بالغواصين؟ هذه أسئلة لا يتوقع من الدكتور كرار التهامي الاجابة عليها، بل حتى لو فعل ونفاها فإن لا احداً سيصدقه، طالماً أن اضابير التاريخ تؤكد أن البشرية لم تصدق غواصاً من قبل!

 

مما زاد الطين بلَّة أن الدكتور كرار التهامي (الغواصة) كان له لقاءاً الاسبوع الماضي في دار القنصلية السودانية بمدينة دبي في الأمارات العربية، وقد وجهت القنصلية الدعوة للمعنيين عبر (الرسائل النصية) وهي خدمة قيل أنها متوفرة للذين انجزوا خدمات قنصليه أي ليست معممة على الجميع، وسواء كانت هناك وسائل أخري للذين تذمروا من عدم سماع الدعوة أو لم يكن فإن تلك اللقاءات هي في التقدير من صنوف اللقاءات المبهرجة التي لا يرجو المغترب من ورائها طائلاً، ولكن على كلٍ، فقد لفت نظرى أيضاً أن الدكتور الفاضل بثَّ الذعر في نفوس سامعيه، فقد قال في سياق حديثه التبريري لمشاكل المغتربين «لا تحلموا بمدينة فاضلة» إذاً فسيادته جاء للقيام بمهمة مصادرة حتى الاحلام البسيطة، جاء ليحرم المغتربين متعة حل مشاكلهم بالحلم في زمن عجز فيه الواقع عن تحقيقها، سلبهم باصرار متعة تخيل دولة أفلاطونية عزّ وجودها في بلد المليون ميل مربع، قمع في نفوسهم دولة الحلم التي شيدوها بدواخلهم حتى ولو كانت خيالاً، صرع أمام ناظريهم ما ظلوا يمنون به أنفسهم حتى لو كان وهماً! فما الذي يمكن ان يتوقعه المرء من رجل يعلن على الملأ أنه وهادم اللذات سواء. ما الذي ينتظره ملايين المغتربين في ظل تكاثرهم في الخارج، وفيهم العلماء وفيهم السجناء بقدر سواء. مغتربون بكل ما تعني الكلمة من معني، حرموا من جميع حقوقهم الدستورية بما في ذلك حق اختيار من يحكمهم في الانتخابات المزمع اجرائها العام القادم. أليس مدهشاً – يا سادتي - أن يكون باب الهجرة مفتوحاً في زمن اصبح البترول الذي يغري بالهجرة لدول الغير يتدفق من ذات الأرض التي ينوي المهاجر مفارقتها؟ أليس غريباً أن يكون هذا الوطن الذي يستقبل جنسيات بسحنات مختلفة من شعوب هذا الكون وتحت هويات مختلفة، هو ذات الوطن الذي يفتح ابوابه لبنيه ليخرجوا في هجرة جماعية بلا عودة تلوح في الأفق؟ أليس عجيباً ألا يعرف أحداً عدد المغتربين في الخارج، وفي نفس الوقت يختلف الشريكان على عدد المستغربين في الداخل؟!

  

عن (الأحداث) 28/6/2009

 

لمطالعة مزيد من مقالات الكاتب يرجى زيارة مكتبته على موقع الجالية السودانية بواشنطن:

 http://www.sacdo.com/web/forum/forum_topics_author.asp?fid=1&sacdoname=%DD%CA%CD%EC%20%C7%E1%D6%E6&sacdoid=fathi.aldaw