عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

  

يا جون أنت وصلت متين؟

 

قبل ثلاثة أيام سيادتك.

 

اللي جابك شنو، ومن هنا ماشي وين؟

 

ماشي في إجازة سيادتك.

 

أنت من ياتو محل يا جون؟

 

من بور سيادتك

 

وقد بدأت الدهشة تشع من وجه القائد

 

والله يا جون أنا لو في محلك ما حأمشي إلى بور!

 

وليه يا سعادتك. أنا ضابط في إجازة. وبور هي مسقط رأسي ومحل إقامة أهلي. وبالاضافة إلى ذلك أنا عندي مشروع زراعي هناك ويحتاج لبعض الإشراف.

 

أنا لو في محلك يا جون ما حأمشي إلى بور، وعشان أكون صريح معاك الجماعة ديل ناس كاربينو أصبحوا في حالة تمرد على القوات المسلحة.

 بور وفشلا وبيبور لم يعودوا جزءً من الجيش السوداني. واصبحوا في حالة تمرد. وإذا قررت أن تذهب إلى هناك ولم يقتلوك، فهذا يعني بأنك معاهم.

 

ولكن أسرتي سبقتني هناك قبل أربعة ايام، وسوف أذهب لإحضارها إذا سمحت لي على أن أسافر غداً وأرجع في اليوم التالي.

 

شوف إذا كنت حتلتزم بهذه المواعيد، فلن تكون هناك مشكلة.

 

شكراً سيادتك. ولكن أنا لا أفهم لماذا لم تخبرني القيادة العامة بحقيقة ما يجري في منطقة بور. ولكن على أية أنا لا ألومك على ذلك.

 

إن جون المذكور في هذا الحديث...هو العقيد جون قرنق، الرجل الذي وضع بصماته القوية على صفحات التاريخ السوداني الحديث، وهذا الجزء المشار إليه عبارة عن مقتطف من حوار كان قد جرى بينه واللواء صديق البنا قائد الفرقة الأولى، في مكتبه بالقيادة العامة في مدينة جوبا.

 بالطبع كانت تلك هي نقطة البداية في مشوار الألف ميل بالنسبة لجون قرنق، ومن ثمَّ الحركة الشعبية لتحرير السودان. وكان قد وصل إلى مدينة جوبا تلك يوم 9 مايو آتياً من الخرطوم، وغادرها بعد ذاك الحوار مباشرة واتجه صوب مدينة بور يوم 13 مايو 1983 ثمَّ اصبح جزءً من الأحداث التي تمددت وتفرعت، إذ انطلقت القوات الحكومية بقيادة العقيد دومنيك كاسيانو (عضو المجلس العسكري لقيادة الانقاذ فيما بعد) ضد القوات المتمردة التي كانت تحت إمرة الرائد كاربينو كوانين بول يوم 16 مايو 1983 وهو اليوم الذي اعتمدته الحركة الشعبية لتحرير السودان لاحقاً لتأرخة تأسيسها. ثمَّ تداعت الأحداث صعوداً وهبوطاً، حافلةً بالهزائم والانتصارات، مشبعة بالشموخ والانكسارات، مترعة بالأمل والخيبة.

 لتصبح جميعاً فصلاً في رواية حربٍ ضربت رقماً قياسياً في الطول والمأساة بالنسبة لحروب القارة الأفريقية!

 

جاء المقتطف اليسير اعلاه في بطن كتاب صدر حديثاً في الخرطوم بعنوان (جنوب السودان: جدلية الوحدة والانفصال) لمؤلفه الدكتور عبد الماجد بوب، احتوى على ستمائة صفحة إلا قليلاً، ثلثها تقريباً خصصه الكاتب للملاحق التي تضمنت وثائق هامة ونادرة اجتهد في جمعها من مصادر متعددة، وهي مزية يمكن القول أنها كفيلة وحدها بتزكية هذا العمل المتفرد، فوجود وثائق بذاك الكم الكبير في مكان واحد لا شك أنه يمكن ان يكون مصدر غبطة وراحة كل المهتمين بشئون وشجون البحث والتوثيق. وقد توزَّع الكتاب في تسع فصول جمعت فأوعت، حيث شملت اكثر من سبعين عنواناً فرعياً، ويُلفت الانتباه أيضاً أن أي عنوانٍ من هذه العناوين الفرعية يمكن ان يشكل كتاباً لوحده. وقدَّم الكتاب الدكتور محمد سليمان محمد الذي سلط الضوء على تساؤلات مُرهقة من عيون التاريخ السياسي السوداني، قال عنها إنها لازمته طيلة إبحاره وسط السطور وبين طيات الكتاب:«الذي يجيب على العديد من الاسئلة المهمة التي كانت تبحث عن إجابات علمية واضحة، ولهذا الشأن نفسه فإن الكتاب يضع على الطاولة أيضاً اسئلة جديدة تحتاج إلى من يأخذ بناصيتها» ونسبة لجسامة المهمة التاريخية هذه، فإن سليمان يُزكِّي لقارئه الكاتب الذي تصدى لها مُتحلياً بسننها وفروضها «دكتور ماجد بوب يكتب من منطلق الباحث العلمي في صرامة وشمول ودقة، ولكنه بالتأكيد ليس بالعالم المحايد، فلماجد موقف سياسي وإنساني واضح وصريح، فهو يهتم بالحقيقة اهتمامه بالعدالة، ولهذا لا يكتفي بمجرد السرد وتوثيق الحقائق، إنما يفصح عن موقفه تجاه الأحداث والمواقف في جرأة وتجرد، حتى لو جاءت النتائج ضد أصدقائه السياسيين» وكأني بسليمان يذكرنا بالحكمة الازلية: ما فائدة الفكر إذا لم يخدم القضايا الانسانية، وما جدواه إذا لم ينحاز للنفس البشرية، بل ما قيمة المُفكر نفسه إذا خشى لومة لائم في قول الحق!

 

لاشك أن الذين يعلمون معاناة الكتابة وقيودها، ويُلمون بمتاعب النشر وملحقاته، ويدركون قصورنا مع التوثيق وشجونه، لابد وان يقفوا في البداية إجلالاً وإكباراً لهذا الانجاز العظيم، فهو لم يخرج للوجود بين عشية وضحاها، فقد أُعد له بمهلٍ شديد وبصبر فريد فرضتهما طبيعة المشكلة نفسها، وجاءت ختاماً لرحلة امتدت لأكثر من عشرين عاماً، توزعت بين معايشة ميدانية حيث عمل المؤلف لنحو ثلاثة عشر عاماً في جامعة جوبا في الجنوب، وتخصص في التاريخ السياسي المعاصر في السودان بشكل عام، وفي تطور المنظمات السياسية والمسلحة في جنوبه على وجه الخصوص. بالاضافة إلى أن المؤلف قضى فترات بحثية متفرقة، بعضها في جامعات درهام في بريطانيا، وستانفورد وبيركلي في كلفورنيا بالولايات المتحدة الأمريكية، وكلنا يعلم الوثائق الهامة والتاريخية في هذه الدور الأكاديمية، والتي تبحث عن مغيثٍ يفك إسارها. وزاد المؤلف على ذلك بحوارات ثرة ومباشرة مع العديد من الشخصيات الفاعلة والمؤثرة، والتي كان لها دور بصورة أو بأخرى في القضية موضع الكتاب، ونعلم أنه حرص حرصاً شديداً على الحيدة والنزاهة والشفافية، توخياً منه لعمل متميز وخلاق يضاف إلى المكتبة السودانية بفخر وإعتزاز. واحسب نفسي ضمن فئة من أصدقائه المحظوظين الذين شاء الاستئناس بآرائهم بغرض التمحيص والتدقيق والتجويد، وكنت دوماً استشعر قلقه واعلم مبعثه، وهو قلق سرى إلى نفسي أيضاً لأنني كنت تواقاً مثله إلى اللحظة التي يسترخي فيها الكتاب بين يدي القاريء، وهي اللحظة التاريخية التي تجسد ميلاد الكاتب وخروجه للدنيا، حتى وإن تعددت وتكاثرت وتنوعت مؤلفاته. هي معاناة من نوع خاص ابتغى فيها المؤلف هدفاً استراتيجياً، لخصه في سطور قليلة قال إنها كانت دافعه في الاقدام على هذا العمل «تفهم خصائص نشأة وتطور الحركة السياسية في جنوب السودان واسباب نزوعها نحو العمل المسلح ومشروعية مطالب التجمعات القومية في جنوب السودان التي تدرجت من مطلب (الفيدريشن) إلى الحكم الذاتي الاقليمي، وانتهت إلى التوافق على ممارسة حق تقرير المصير في عام 2011» ولا شك عندي انه تواضع تواضعاً كبيراً، وتلك شيمة من شيم العلماء المتجردين لوجه الحقيقة والوطن!

 

من الصعب جداً استعراض هذا الكتاب في هذا الحيز الصغير، ولو أننا اكتفينا بالخطوط العريضة نكون أيضاً قد ابتسرناه، ويقيني أن المهتمين سيقبلوا عليه إقبال الصائم على ما يسد رمقه الفكري والسياسي، وسيجدوا فيه مائدة تنوعت محتوياتها، وإن كان بعضها بطعم السكر وبعضها الآخر بطعم الحنظل، وكلاهما تميز بالشمول...فهو لم يترك شاردة إلا وإلتقطتها، ولا واردة وإلا وجذبها لحياضه. بدءاً من العام 1930 حيث أفرد فصلاً كاملاً للتحولات السياسية والدستورية آنذاك وصولاً حتى عام 1945 وهي الفترة التي شهدت ما سُمي بسياسة المناطق المقفولة، وهي السياسات التي غوَّرت جروح السلف حتى استعصت على الخلف. وسيجد القاريء في هذه الفترة أسراراً ضجت بها وثائق هامة، ومواقف مفصلية ربما أعاناه على تفهم التعقيدات التي اكتنفت القضية، عندما حاصرتها رياح هوجاء تمثلت في تسلط أول نظام عسكري على السلطة. وكلنا يعلم باب العنف الذي انفتح على مصراعيه يومذاك بسياسة الأرض المحروقة، والعنف المضاد الذي أريد له أن يكون ترياقاً «لقد بلغ صبرنا مداه، وتأكدت قناعتنا بأن استخدام القوة هو الوسيلة الوحيدة للحل...ومن هذا اليوم فصاعداً سوف نتخذ عملاً فاعلاً...لن نرحم أحداً ولا نتطلع إلى رحمة من أحد» ذلك على حد بيان صدر عن حركة أنانيا في العام 1963 ثمَّ يشرح لنا الكاتب ما ظللنا نردده دون أن نعلم معناه، ويقول لنا إن اسم أنانيا تمَّ اعتماده بناءاً على (توليفة) مشتقة من عدة لهجات محلية متعددة «اقترح احد افراد قبيلة المورو واسمه جوليوس موراقا اسم (مانيانيا) ومعناه جيش النمل الذي يتكالب على فريسته حتى يجهز عليها، واقترح آخر وهو سفرينو فولي من قبيلة المادي اسم (انيانيا) وتعني الثعبان ذا السم الزعاف، والذي لا يمهل ضحيته لثوان معدودة، واستبعدت اسماء أخرى مثل (ماماو) و (ماجي ماجي) بإعتبارهما أسماء غير مألوفة بالنسبة للمواطنين في جنوب السودان، كذلك اسقط الاسم الذي اقترحه جوزيف أدوهو وهو (جيش أزانيا السري) وهي مملكة قديمة في شرق افريقيا، وقد أبدى وليم دينج اعتراضه على هذا الاسم لانعدام وقعه في نفوس المقاتلين، وكذلك لأن الحركة لا يمكن ان تكون سرية، وفي المقابل وقف الأب سترنينو لوهري والنقيب جوزيف ادوهو خلف اقتراح باسم (حركة تحرير عموم افريقيا) ولم يجد الاسم القبول خشية عدم تعاطف منظمة الوحدة الأفريقية» وبمثل هذه الدقة في التوثيق تابع المؤلف مسيرة الحركة نفسها منذ بزوغ نجمها وحتى أفوله!

 

إذا كان المستعمر بسياساته البغيضة قد عمل على دق أول اسفين بين الشمال والجنوب، فإن ما فعلته الأنظمة العسكرية الديكتاتورية يعد أنكى وأمر، وفي الواقع هي ذات الأنظمة التي رُزِأ الشماليون والجنوبيون بويلاتها معاً. ويتوقف بنا الكاتب في العودة الطوعية للمشكلة لمحاولات الحلول السلمية، والتي ابتدرها البعض بمقترح مؤتمر ما سُمي بالمائدة المستديرة، ونعلم منه أن السيد وليم دينج كان صاحب ذاك الاقتراح، وفي خضم ذلك المؤتمر نطلِّع على أحداثِ جسام تعرض لها الكاتب بتفاصيل دقيقة، لابد وان يتساءل القاريء بعدها سؤالاً منطقياً لن يجد له اجابة، وهو: لماذا لم تضع الحرب أوزارها في ذاك المؤتمر، الأمر الذي حدث لاحقاً وبعد أربعة عقود زمنية...هُلكت فيها الأنفس ويبس الزرع وجفَّ الضرع؟ لا سيما، وأن من بين الاقتراحات التي طرحت آنذاك، كان هناك مقترحاً تواصت عليه القوى السياسية الجنوبية وهو الدعوة إلى استفتاء في غضون شهرين بهدف تحديد رغبة المواطنين حول تقرير مصيرهم باختيار واحد من ثلاثة احتمالات: أولاُ نظام فيدرالي، وثانياً الاتحاد مع الشمال، ثالثاً، الانفصال. وهذا المقترح هو ذات النبيذ القديم الذي وضع في قارورة جديدة في اتفاق نيفاشا، وسيعرض على الجنوبيين في العام بعد القادم 2011 للتصويت عليه، إما لصالح الوحدة أو الانفصال. وعلى هذا النمط سيجد القاريء أسئلة كثيرة تظل تلازمه حذوه السطر بالسطر حتى آخر صفحة من الكتاب، وقد يجد لها اجابة تشفي القليل ولكنه حتماً لن يجد ما يشفي الغليل، ذلك لأن المشكلة في الاساس لم تخضع للمنطق حتى تخضع تساؤلاتها للمنطق نفسه!

 

إنه تاريخ مليء بالإحن وحاضر مليء بالمحن، اطلعنا فيه الكاتب على تفاصيل اتفاقية أديس ابابا من الألف إلى الياء، وسيبحث القاريء عن معين يبدد عنه الدهشة التي قد ترتسم على محياه وتأبى فراقه، سيتأمل بشيء من الحسرة في طبيعة الشخصية السودانية الوديعة التي تستأسد فجأة حينما تستبد بها السلطة، سيرى كيف قتل قابيل هابيل وعجز غراب الحرب أن يريه مداراة سوءته، سيعلم هل ضحك هامان على فرعون أم أن كان الأخير هذا يضحك على نفسه. وريثما تنزوي أعاصير اتفاقية أديس أبابا سيتوقف الكاتب طوعاً أمام الزعيم الاستثنائي الذي غير وجه التاريخ السوداني، سنتابع معه قصة حياة دكتور جون قرنق من المهد إلى اللحد، وستكون الحركة الشعبية لتحرير السودان حاضرة على الدوام بكل زخمها وتعقيداتها الداخلية والخارجية، ربما إنشغل القاريء قليلاً حول ما إذا كان قرنق مؤسسها أم مهندسها؟ هل هو من المهاجرين أم الانصار؟ هل هو عضو اصيل أم قادم دخيل؟ وسيهتم بالبنية التنظيمية والصراعات التي تناسلت، والانشطارات التي تعددت حتى تململت عظام قائدها في قبره، ولربما تساءل القاريء المهتم بعد ربع قرن من التأسيس توجهات الحركة الفكرية ومانفستو الوجود؟ كما نزعم بأنه لن يستطيع أن يقاوم غريزة حب الاستطلاع وهو يبحث عن كل كلمة قالها اصدقاء وأعداء قرنق في حقه. وهناك من سيعض نواجذ الندم وهو يكتشف (وحدويته) المبكرة التي جاءت على لسان رجل تمرس في شئون الانفصال «قال لنا إن حركتنا تلك هي حركة هوجاء وإنه لا يريد الانضمام إلى حركة تسعى لتقسيم بلد افريقي، وأن مثل هذا التقسيم والانفصال لن يجد عوناً من البلدان الأفريقية» هذه كلمات نطق بها جوزيف لاقو عن قرنق، واضاف: حتى بعد انضمامه لنا سألته «يا جون كيف تنضم إلينا نحن الرجعيين؟ فقال إنني لا اؤمن بالانفصال أو تقسيم السودان، ولكن لدينا حقوقاً يجب أن ننالها، وأن الضغط العسكري يمكن أن يكون عاملاً مهماً لتحقيق هذه الحقوق وأنا سوداني وفي هذا الأمر أنا معكم» إلى جانب أن المؤلف سيتحف قارئه بأروع حوار اجراه مع  الراحل قرنق في العام 1988 واستمر لعدة ساعات ونشر وقائعه ضمن ملاحق الكتاب، سرد قرنق فيه قصة حياته منذ البدايات مروراً بكل المحطات المهمة في مسيرته والحركة معاً، وبنفس المستوى هناك حوارات أخرى مع جوزيف لاقو والعديد من السياسيين بمختلف مللهم ونحلهم!

 

الكتاب مليء بالكثير المثير الخطر، لاشك أن من أكثر الأشياء التي تثير الحزن وتبعث القلق في النفوس، أن قضية أنتجت حرباً ضروساً وأُعتبرت الأسوأ والأطول في أفريقيا كما ذكرنا، كان من المؤمل أن تنتج اعمالاً فكرية توثيقية توازيها، وهو ما تقاعست عنه النخبة السودانية، وقصرت يد الذين عايشوها من مواقع صنع القرار في الحكومات المختلفة، أو من القيادات التي تمردت عليها في الخندق المقابل، أو حتى الذين اتخذوا موقفاً وسطاً بين هؤلاء واولئك، ولعل من سخرية هذا الواقع علينا أن الشخص الوحيد الذي أرخ ووثق من وجهة نظره لاتفاقية السلام أو ما يسمى أحياناً باتفاق نيفاشا هو الجنرال الكيني لازاريوس سمبويا الذي كان أحد الذي ادار عملية التفاوض مع الجانبين بحنكة ودراية متميزة واصدر كتاباً عنها قبل عامين تقريباً، ومن جانبنا لم نندهش فالجنرال لم يزل مشغولاً بإبقاء غصن الزيتون مرفوعاً، في حين إنشغل البعض برفع غصن شجرة الهشاب! وراح البعض يُحصي عدد براميل النفط تارة" وشوارع (الزفت) السياسي تارة أخرى. ولهذا عندما ينبرى أحد المثقفين السياسيين لعمل توثيقي كهذا، ينبغي حينئذٍ أن تنحنى له الأقلام والهامات تقديراً وتبجيلاً واحتراماً، ونزعم جازمين أن قيمة هذا العمل بالاضافة لنفعه الراهن، أن الأجيال القادمة وجدت من يحفظ لها حقوقها في معرفة تاريخ لم تعشه! ولو أن الأمور تؤخذ بالتمنى لجعلت قراءته فرض عين لأية مجتهد يبتغى سبر غور حقيقة الحرب والسلام في خاصرة هذا الوطن!

 إنني لا أزكي عملاً متميزاً فحسب، وإنما على يقين بأنه لا غنى عنه لأحد، ويستطيع القاريء أن يزهو بالكم الهائل من المعرفة التي سيحصدها من ورائه، هو يا عزيزي القاري كتاباً عندما تفرغ من صفحاته الستمائة تستطيع أن تجادل وتحاور وتناقش بقلب مطمئن، فإن كنت من المتابعين فحتماً سيفتح ذهنك لمزيد من الأسئلة والاستفهامات اللولبية، وإن كنت من الذين فاتهم قطار المتابعة التوثيقية فمن ما لا شك فيه أنك ستجد من يعوضك دون منٍ أو أذى! فالدكتور الصديق عبد الماجد بوب – متعه الله بالصحة والعافية –  يقدم لنا عمله هذا ولا يجبرنا على ترجيح كفة على أخري، ولا تفضيل خيار على آخر في جدلية الوحدة والانفصال، هو يقول لنا ببساطته المعهودة، هاؤم اقرأوا كتابيا، ومن شاء فليؤمن بواحدة ويكفر بالأخري!آنت