عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

لم يكن الشعب السوداني وحده من بين شعوب الدنيا قاطبة، ممن أوقعتهم أقدارهم السياسية بين فكَي الأنظمة الشمولية والديكتاتورية. ولم يكن الشعب السوداني وحده من جملة شعوب الدنيا كلها، ممن توخى خيراً في أنظمة ديمقراطية خذلته ولم تُلب طموحاته. كذلك لم يأت الشعب السوداني بفعل فريد حينما قاوم الأولى بشتى السبل المشروعة. مثلما لم يكن استثناءاً عندما عجز عن مد يد العون للثانية وتركها تتهاوى أمام عينيه دون أن يبذل جهداً لإنقاذها. أي في الحالين لم نكن وحدنا الذين تسلطت على رقابهم الديكتاتوريات القاهرة أو كبلتهم الديمقراطيات العاجزة، فكلنا يعلم أن أمريكيا الجنوبية عجَّت وما تزال بعتاة الديكتاتوريين المهوسيين، ومثلها أفريقيا التي لم يسلم فيها بلد من (بركاتهم) الفريدة، وكذا القارة الآسيوية التي نالت نصيبها من (حسناتهم) حتى توارثوها، بل أن أوروبا التي قدمت التنوير للعالم منذ عصور غابرة لم تخل أيضاً من الذين أذقوا شعوبهم الويل والثبور وعظائم الأمور. نعم لقد خبرنا في بلدان كثيرة...الديكتاتوريات السافرة والمُقنعة والمحجبة. تعرفنا على ديكتاتوريات ارتدت الزي العسكري وأخرى تزيأت بالعباءات والعمائم. وقفنا على ديكتاتوريات كان لجلودها ملمس ناعم كجلود الثعابين، وشاهدنا أخرى من فرط تضاريسها الخشنة لا يستطيع المرء أن يكِر البصر نحوها مرتين. علمنا كل ذلك وحفظناه عن ظهر قلب ولم نكن فيه المبرأون عن كل عيب. ولكننا نستطيع أن نجزم بأننا نكاد أن نكون الشعب الوحيد الذين ينسخ افعال الديكتاتوريات بمجرد أن ينفض سامرها، ليس ذلك فحسب بل نقسم غير حانثين بأننا الشعب الوحيد الذي يمكن أن يُحوِّل مجرموه إلى قديسين، ليس لأي سبب سوى أن بيننا من أدمن العيش في كنفها وربط مصيره بمصيرها...هم رجال عاهدوا الديكتاتوريات وما كذبوا...يستدعون فرية التسامح السياسي السوداني حينما تنزاح عنهم السلطة وصولجانها، وينسونه حينما يكونون على قمة ذات السلطة ومهرجانها!

لهذه الفئة وأزلامها منهج غريب في التعاطي مع الواقع السياسي، ففي سبيل ترسيخ دعائم الأنظمة الديكتاتورية تلك، هم يعملون على هدم أركان الأنظمة الديمقراطية وفق ما يمكن تسميته بإستراتيجية (الابادة الثلاثية) القائمة على التنفير والتيئيس والتبخيس. إذ يبدأون أولاً بتنفير الناس من الديمقراطية، بدعوى أن الشعب قاصر لم يبلغ درجة النضج السياسي التي تؤهله لأن يتمتع بحقوقه المشروعة والمتمثلة في نظام ديمقراطي، وعوضاً عن ذلك يُنصِّبون أنفسهم بدلاً عن هذا الشعب، ويبيحون لها التفكير بالوكالة واتخاذ القرارات المصيرية نيابة عنه، في الوقت الذي يفرضون عليه تقديم أقصى فروض الولاء والطاعة. ونعلم جميعاً أن تلك أباطيل يدحضها ببساطة منطق رفض الوصاية، ويسندها أن الشعوب التي ترفل في نعيم الديمقراطية ما بلغت تلك الدرجة الرفيعة من التقدم إلا عبر التطور السياسي الطبيعي، وهو وحده الذي كفل لها التقدم الاجتماعي وحقق لها الرفاة الاقتصادي. عندئذ ليس ثمة مناص من هروب الشموليين نحو استراتيجية التبخيس، وهي تلك التي تستقبح الجميل وتستملح القبيح، مثل قولهم النظام الديمقراطي يبطىء وتائر التنمية نسبة لسلحفائية القرار، حيث يستهلك وقتاً طويلاً للخروج من دهاليز السلطات الثلاثة، ولكنهم يتجاهلون أن ذلك بغية درء الشبهات التي تزكم الأنوف في ظل الأنظمة الديكتاتورية، وينسون أن المشاركة في صناعة القرار تحقق أرقى درجات الاحساس بالوجود واستشعار المرء لكينونته. وإزاء تضعضع فاعلية استراتيجية التبخيس يهرع الشموليون ثالثاً إلى إخراج آخر سهم من كنانتهم، وذلك باللجوء إلى استراتيجية التيئيس وهي تلك التي تتكيء على التشاؤم المطلق، إذ تركز على النصف الفارغ من الكوب وتتجاهل تماماً النصف الملييء، وكلما قلت لهم إنك تنشد التغيير لكى تعيش حياة حرة كريمة، قالوا لك مهلاً يا صاح...طالما أنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولاً، فلماذا لا ترضى بواقعك وتذعن للعيش في حضننا، فنحن عصبة ذوي بأس شديد، نستطيع أن نرفع من نشاء ونذل من نشاء!

إن البحث عن اسباب ظاهرة الديكتاتورية التي تقمصت بعض حكام أهل السودان، يقودنا بالضرورة إلى أن أس البلاء في الظاهرة يعود إلى ما يمكن تسميته بـ (داء النخبة) وهي تلك الحالة التي تجسدها علاقتها بالسلطة حيث يشوبها التوتر والتهافت والارتزاق، علاقة ملتبسة تتضخم فيها الضبابية وتنحسر عنها الشفافية، لأن تلك النخب غالباً ما تربط درجة ولائها للوطن بمقياس قربها أو بعدها من السلطة. وفي التقدير أن تلك ليست حالة عارضة، فهي من موروثات الطفولة والتربية التي جعلت للذكر مثل حظ الأنثيين، ولم تفضله بمعيار الحساب فحسب بل جعلته قيِّماً ووصياً عليها...إذ صنعت منه ذكراً مكتملاً وابقتها هي أنثى قاصر وناقصة عقل ودين...منحته حق التمتع بكامل حريته الفردية وجعلت من حريتها عار ينبغي تنقيبه. ولهذا لا غروَّ إن تنقل الرجل بين أزقة البؤس تلك حاملاً معه جرثومة التفوق الزائف، هي زاده في الحياة ويسعده أن تتبعه كظله وتصبح سلاحه الفتاك الذي يقهر به مسلمات المجتمع متى ما أعترضت طريقه. ومن المفارقات أن البعض يبدأ في تحسس تلك الصورة الشائهة عندما ينال حظاً من العلم والمعرفة والثقافة، ولكنه مع ذلك تأبى نفسه الاستسلام والاذعان لتغيير ذلك الواقع، بدعوى أن التغيير سيسلبه (مكتسباته التاريخية) فيبدأ حينئذ السير في طريق آخر، قوامه المكابرة والمزايدة والسفسطة في القول بهدف الإلتفاف حول الأخطاء الموروثة، وبالطبع من قبل أن ينبهنا قائل إلى صعوبة التعميم، نقول إن كان ثمة قلَّة نجحت في ترويض الغول الذكوري الذي يزمجر في دواخلها، فإن الكثرة هي من يتلذذ بمشاهدة طقوسه البغيضة في أنفسهم وفي الآفاق، من أجل هذا فهم لا يرون في سلوك الديكتاتوريات التي تجثم على صدر شعبهم، امراً نشازاً يرقى إلى مستوى التجريم، وعلى النقيض تماماً هم يتقبلونه كفعل طبيعي إن لم يكن قد توهمونه تنفيذاً لمشيئة ربانية. لهذا يا قارئنا الكريم لا تعقد حاجبي الدهشة عندما ترى حاكماً جاءك بالأمس كالحمل الوديع، واصبح بين عشية وضحاها وحشاً كاسراً...وهو بغير هذا سيستمرأ فعله طالما كانت السلطة أمامه ظلاً ممدوداً وقراراً منضوداً وشعباً مخضوداً! 

هل سمعتم بالشموليين صناع الديكتاتوريات حينما يقولون لك بزهو أن أكثر ما يميز الرئيس الراحل جعفر نميري قدرته على اتخاذ القرار. أرادوا أن يمدحونه فذموه من حيث لا يعلمون. ولكنهم وضعوا من حيث يعلمون اصبعهم على موضع الداء، فتلك احدى الصفات القميئة التي يختبيء من ورائها الديكتاتوريون. كلنا يعلم أن القرار في الدول المتقدمة التي تحترم شعبها ويحترمها، لا يتخذه فرد واحد، لأن هذا الفرد لا يمكن أن يكون مُنزَّهاً عن الخطأ حتى وإن إقترب من صفات الرسول الكريم خاتم الأنبياء والمرسلين، فقد كان صلوات الله عليه وسلم يخطيء ويصيب كسائر خلق الله، فما بالك بالذي كان بينه وبين الله شعب مقهور ودم مسفوك ومال منهوب. لهذا فالدول التي تتمتع بأنظمة ديمقراطية راسخة لا تجعل مصيرها في يد فرد، وتجنح لدولة المؤسسات حتى يتهادى القرار بين ردهاتها، ولا يمكن لرئيس في تلك الدول أن يبت في أمرٍ إلا بعد القيام بمشورة واسعة تبعد احتمالات أي خطأ وتجنبه مغبة أي كارثة مخبوءة بين أصغريه. بيد أن الدكتور منصور خالد زاد الأمور عندي دهشة على غرابة، فهو علاوة على إقراره إنه من مذهب الذين يرون أن الرئيس المخلوع يتمتع بالقدرة على اتخاذ القرار، فقد زاد بالذي لم يخطر على بال أي سياسي حصيف، إذ قال في كتابه الأخير (السودان: أهوال الحرب وطموحات السلام) معدداً صفات في نميري لمساها بحكم قربه منه في بواكير عهده «كان نميري أيضاً يتمتع بصفتين أخريين: الحسم والرجولة machoism دون أن تصحب هاتين الخصلتين فضيلة الحكمة أو الالتزام بأية مباديء سامية» ثمَّ زاد بما هو أنكىء «كان آنذاك طاغية - أي نميري – ولكنه كان طاغية tyranus بالمعنى الأغريقي للكلمة، فأصل الكلمة tyrant في اللغة الأغريقية هو فتوة البلد الذي يتبنى قضايا المظلومين أو المضطهدين ضد النبلاء، وفي سبيل ذلك لا يتورع عن إلحاق الإهانة بالنبلاء، ولا شك في أن نميري في بداية العهد كان ذا اهتمام بالغ بقضايا المظلومين» نسأل الله ألا يكون القائل ضمن أولئك النبلاء المشار إليهم، فقد سمع الناس قصصاً تداخلت فيها الحقائق بالخيال، وامتزجت فيها الاثارة بالتشويق، وطالما قال أنه (يتمتع) فقد يعجب القاريء مثلي في (الرجولة) التي أصبحت معياراً يقوم مقام الفطنة والذكاء والكاريزما القيادية، وكيف أن (الديكتاتورية) بفضل فذلكة تاريخية تحولت إلى صفة يمكن أن يشتهيها أي حاكم وإن كان ديدنه تبني قضايا المظلومين أو المضهدين، ويعلم الله لولا تحسُبنا من الذي بيده القلم، لذكرنا له رؤساء كانوا يجلسون القرفصاء على نقيض (الرجولة) ومع ذلك لم يجرمنهم شنآن فعلهم أن يحكموا بلدانهم حكماً ديمقراطياً لو رآه فلاسفة الأغريق لإنحنوا له تكريماً وتبجيلاً!

مثلما أن الحلال بيَّن والحرام بيَّن، كذلك الديمقراطية والديكتاتورية، ولكن في سياق حديثنا أعلاه عن الديكتاتورية النميرية المايوية، لم يتورع دكتور منصور نفسه في تقسيمها إلى (أربعة مايوهات) وقد قلنا تعليقاً على ذلك في مؤلف (سقوط الأقتعة) إن هذا تحايل على التاريخ مع (أن جميعها لا تستر عورة) لكن في واقع الأمر أن منصور فعل ذلك لينجو بنفسه من موبقات (مايوهتين) وهو اتهام طالما ردده المراقبون وظلَّ هو ينفيه عن نفسه. ولكن ما علينا فللتاريخ عين شاخصة حتى وإن أغمض البعض عينيه عن رؤية سواقط الأشياء، ويبقى الأمر عندي سيان سواء قضى منصور وطره من النظام أو لفظه النظام مثلما يلفظ الجائع النواة، ذلك لأن الأصل عندي في الأشياء مبدأ المشاركة نفسه في نظام عسكري إنقلب على نظام شرعي، ولا ينسخ هذه التهمة قولٌ حتى لو كان من شاكلة أن النظام المذكور تحول لنظام ديمقراطي تضاءلت أمامه ديمقراطية (وستمنستر) فهنا يا كرام (المرواد في المكحل) كما تقول أمثالنا الشعبية، طالما أن الكاحل لن يكون بوسعه تجميل العين الكليلة. فبالرغم من أننا جميعاً نعلم أن دكتور منصور سياسي ومثقف موسوعي، ففي حالته تلك تحديداً،  كثير ما تساءلت ما جدوى العلم إن فرت منه المباديء؟ وما نفع الثقافة إن لم تسهم في خدمة القيم العليا؟ ولأن الشيء بالشيء يذكر أنظر في هذا الصدد إلى تبادل الأدوار سلبياً بين غريمين، فالدكتور عبد الله على ابراهيم الذي ينتقد دكتور منصور آناء الليل وأطراف النهار، نهى عن خلق وأتى بمثله، فهو كان في طليعة المثقفين الذي هرعوا يومذاك لمؤتمر الحوار بينما هناك معتقلون كانوا على بعد خطوات منه يؤمون مؤتمراً للتعذيب في بيوت سيئة السمعة، ثم توالت السنون بحمأ مسنون، وبعد عقدين الزمن لا يجد عبد الله حرجاً في نفسه أن يعيد خطوته تلك سيرتها الأولى، ويعلن عن ترشيح نفسه لرئاسة الجمهورية، ومع كامل الاحترام لشخصه إلا أنني اجد ذلك نوعاً من أنواع (التصابي السياسي) كما يمكنني أن أجد له تفسيراً في طموحاته هذه وفق منطوق نظرية (غول) الطفولة الذي يستلقى في دواخلنا كما اشرنا آنفاً، وإلا فليقل لنا دام فضله: كيف لمثقف أن يستبخس سلطة القلم التي كان تقوم بدور التنوير ويستعظم شهوة الكرسي، وإن كانت كسراب بقيعة؟

ليس منصور وحده الذي استعذب الشذرات النميرية، فعلى النهج نفسه سار صديقنا الأستاذ مصطفى البطل وإن لم يبد اعجاباً ملحوظاً بالظاهرة، جاء ذلك في مقال نشر على صفحات هذه الصحيفة (الأحداث 15/7/2009) وكان أيضاً (عن النميري ورجاله) قال عن الأخيرين هؤلاء إنهم رجال اتخذوا ما اسماه بـ «مواقف اتسمت بالتميز والصدق في المناصحة» وهو قول يصعب علينا التأمين عليه لأننا من المؤمنين ألا كائن في أي نظام ديكتاتوري يمكن أن يتخذ موقفاً مشرفاً، ولا يمكن لهذا الكائن أن يُغلِّب طموحات المسحوقين على طموحاته الشخصية. ولا يستحيل عليه أن يستيقظ ضميره بعد أن يجف الزرع والضرع. وتأسيساً على هذا ما جدوى موقف لمستنكر زيادة في سعر السكر، في حين لا يستطيع أن يعبر عن مرارة أرواح أُزهقت؟ وقد يعجب المرء كذلك لمن عارض إرسال قوات إلى سلطنة عمان لمناصرتها ضد ثوار ظفار، بينما يغمض عينيه عن ذات القوات حينما توجه بنادقها إلى صدور شعبها. وانظر لذاك الذي استنكر على نميري أن يكون بوكاسا جديداً، ويأتى بعد عقدين ليساهم في تنصيب قرينه ويجلس بقربه مستشاراً في القصر ذاته وإن اختلف الديكور. إنها مواقف ضئيلة لا تسوى جناح بعوض، فالراجح عندي أن من يقبل التعيين من خلال المذياع عليه أن يكون مستعداً للتعرى السياسي أمام مُعيِّنه، والذي يسكت على الاقالة من خلال ذات المذياع فهو حتماً من زمرة الذين يخشون في قول الحق لومة لائم، ما يدعيه أولئك لا يصلح في تقديرنا إلا لأن يكون  قصصاً يرونها لاحفادهم قبل النوم. الأمر ببساطة كما نراه من حيث المبدأ إننا أمام ظاهرة تقول أن لدينا مثقفين برعوا في صناعة الديكتاتوريات، يغوصون فيها ويتمرغون في (نعيمها) كما يتمرغ المحروم من الطعام، وما أن تدور الدوائر حتى تجدهم ينفرون من (جحيمها) كما ينفر السليم من الأجرب، وعجباً أن هؤلاء لا يكتفون بالهروب وإنما بإدعاء بطولات لم تقتل ذبابة آنذاك. وليت أحداً خرج علينا ذات يوم وقال أيها الناس: أولاً لقد أخطأت حينما قبلت المنصب، وثانياً اخطأت عندما اصبحت بوقاً للنظام وصمت عن جرائم كانت مشارك فيها بحكم المنصب، وثالثاً، أطلب المغفرة من هذا الشعب الصابر بعد أن تبت توبة نصوحة عن مناصرة ومؤازرة ومشاركة الديكتاتوريات.

عوداً على بدء، إن اعياك تفسير ما حولك، تأمل يا عزيزي القاريء تلك البانوراما التي تتراقص أمام ناظريك، ستجد وجوهاً مخلصة تفانت في صناعة (الجرب السياسي) مثني وثلاث ولن يوقفهم من تلك المسيرة الظافرة سوى هادم اللذات، ولاشك أن القراء يعرفونهم بسمائهم فلا حاجة لذكرهم، ولكني أختم بظاهرة أخرى لا تقلقني كثيراً، وهي التخصصات العلمية التي تضيع هدراً بفضل السياسة، فإن اسلمنا جدلاً أن الأنظمة الديكتاتورية تستخدم زمرة المثقفين لتكريس سلطاتها، فالمفارقة أن المثقفين الذين يشغلون المناصب الوزارية لا علاقة لدرجاتهم العلمية العليا بالسياسة أو الادارة، والغريب أن معظمها مرتبط بالطب بتخصصاته المختلفة، جراحه، باطنة، أسنان، عيون، صيدلة...وإن كان أرقى المهن الانسانية، وذلك على عكس الغرب الذي تجد أن غالبيية ساسته وتكنوقراطه الذين يتسنمون مواقع وزارية يحملون درجات في العلوم السياسة والقانون. ولنضرب مثلاً مدهشاً بالدكتور حسين أبوصالح، فالرجل كان من اعظم أطباء جراحة المخ والأعصاب، لكنه في لحظة استيقظ فيها المارد الذي يرقد في دواخلنا منذ الطفولة، كفر بالدور الانساني الذي كان يمارسه وآمن بالدور الشيطاني المتمثل في الكرسي الوزاري، ونقول عنه الشيطاني لأن أبوصالح هذا يعد نموذجاً للمثقف السوداني الذي تشابهت عليه الكراسي لدرجة بات فيها لا يعرف لونها أو نوعها أو فصلها، فمضى في رحلة مقدسة طاف فيها جميع أنواع الحكومات، مع أنه كان بمقدوره أن يكون مفيداً لمجتمعه في مجال آخر أجدى نفعاً وأكثر فاعلية من الكرسى الوزاري، فما ضره لو أنه قضى سحابة يومه متنقلاً بين الجامعات يحاضر طلابها عن مضار المخدرات التي تفاقمت في اوساطهم بصورة مقلقة، يحدثهم فيها عن أثرها على المخ والأعصاب وعلى مستقبلهم ومستقبل البلاد التي تنتظرهم، هكذا فعل وزراء في الغرب اللعين، ما أن رحلت حكوماتهم التي رشحتهم حتى تجدهم وقد عادوا إلى الجامعات يعلمون النشء علماً يستببين به سبل حياته، ومن أراد دليلاً فليسأل على سبيل المثال عن هنري كيسنجر ومادلين أولبرايت وكوندليزا رايتس وهي آخرهم!

السياسيون السودانيون يعتبرون السلطة ركناً سادساً من أركان الاسلام، بموجبها يمكنهم أن يفعلوا ما يشاؤون حينما يكونون على سدتها، وما ان يترجلوا عنها بعد جولات ماراثونية من الاستوزار في أنظمة السوء، حتى يقوموا بإعلان توبتهم. تماماً مثلما يفعل البعض مع الركن الخامس في الاسلام، إذ يبيحون لأنفسهم هدم أو التقاعس عن إحياء الأركان الأربعة وهم في مقتبل عمرهم، وعندما يبلغون أرذل العمر يؤموا وجوههم شطر البيت العتيق، مهللين ومكبرين ومستغفرين...بدعوى أن الحج يجُب ما قبله من ذنوب!!

عن (الأحداث) 2/8/2009

ملحوظة: ينشر المقال في هذا الموقع كاملاً بعد أن حذفت الرقابة الأمنية فقرات منه في النسخة الورقية!