عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

للشاعر الغنائي الكبير ، والرائد المسرحي المرموق ، الراحل الأستاذ إسماعيل خورشيد 1927 – 2000م ، أغنية عاطفية رائعة ، تعود إلى خمسينيات القرن الماضي ، لحَّنها وأداها بعذوبة آسرة ، المطرب القامة الراحل الأستاذ " سيد خليفة " ، ثم جعلت تشاركه ذات الأداء لنفس هذه الأغنية خلال السنوات الأخيرة ، الفنانة الشابة " نانسي عجاج " ، ألا وهي أغنية " داري عينيك " ، مما يعني أن لهذه الأغنية حضوراً قوياً وأخاذا ، حتى على الأجيال المعاصرة ، لم يخبُ أبداً ، على الرغم من تقادم الزمن ، ومرور السنوات. ومطلع تلك الأغنية هو:
داري عينيك .. عينيك داريها
فيها الفتنة وفيها .. وفيها
جمال الحب ودلالها وتيها .. الخ
ثم جاء بُحتري الشعر الغنائي الحديث في السودان ، الأستاذ " إسحق الحلنقي " متعه الله بالصحة والعافية ، لكي يكتب في أوائل سبعينيات القرن الماضي ، كلمات أغنيته الخفيفة والطروبة " يا مضاري عينيك بالنضَّارة ... يا أجمل زول جانا زيارة " ، التي أداها المطرب الكبير الأستاذ " التاج مكي " ، أداءً معجِباً ، بمصاحبة إيقاع " الجيرك " الحداثي ، الذي وسم كثيراً من أغنيات تلك الحقبة ، بمثلما وسمت الحداثة وتجلت أيضاً في ألفاظ وصور الأغنية نفسها ، ابتداءً من صورة الفتاة التي تلبس النظارة الشمسية في ذلك الزمان.
وبما أنَّ هذه " الحصة " عربي ، كما يشي بذلك عنوان هذه الكلمة ، وليست موسيقى أو غناء ، فقد وددت من خلالها فقط ، تدوين هذه الخاطرة العجلى وتداعياتها ، حول الطريقتين المختلفتين اللتين كتب بهما هذا الشاعران الكبيران هذا اللفظ العربي الواحد ، وذا المدلول المشترك الواحد في اللغة الفصحى في الواقع ، وذلك من جراء الاختيارت ، أو إن شئتَ الاختلافات الصوتية بين اللهجات العربية المعاصرة بصفة اساسية.
أما الفعل المعنِيِّ في هذا السياق ، فهو الفعل: دَارَى .. يُدارِي ، بمعنى: أخْفَى .. يُخْفِي ، أو وارَى .. يُوارِي الخ. فهذا الفعل ، وغيره من الألفاظ التي تشتمل على حرف الدال ، وخصوصاً الذال المنقوطة في الفصيح ، هي غالباً ما تحوَّل إلى " ضاد " في العامية السودانية ، وذلك مثل: ذراع: ضُراع ، وذَبَحْ: ضَبَحْ ، وذريرة: ضريرة ، وكذَّاب: كضَّاب الخ ، بينما أنَّ العامية المصرية على سبيل المثال ، تميل عموماً إلى إبدال تلك الذال الفصيحة إلى دال مهملة فحسب ، مثل قولهم: ذراع: دراع ، وذبح: دبح ، وكذَّاب: كدَّاب ، وذبَّان: دبَّان الخ.
على أنَّ من الملاحظ أن هاتين اللهجتين تشتركان في إبدال الذال من الصفة " ذكَر " الفصيحة ، بمعنى: عكس أنثى. إذ هي في كليهما " ضكَر " لا غير. بمعنى أن ذالها قد أُبدلت بضاد في كلا اللهجتين. وهكذا نسمع السودانيين مثلاً وهم يمتدحون الواحد منهم فيقولون: " أمانة فلان ما راجلاً ضكر !! " ، أي: يا له من رجل مكتمل المروءة ، كما نسمع الواحدة من الفلاحات المصريات في المسلسلات والأفلام ، وهي تعلن مبتهجةً أنها قد " دبحت ضكر البط " لغداء الأسرة مثلا ، ولا تقول " دكر البط مطلقا.
على أنَّ إبدال الدال الفصيحة ضاداً ، ليست قاعدة مطَّردة تماماً ، وفي كل الحالات في اللهجة العامية السودانية. ذلك بأننا لاحظنا مثلاً ، أن أهل شمال ووسط السودان ينطقون كلمة " الذَّرْ " بمعنى: صغار النمل ، هكذا: " الدِّرْ " بدال مشددة مكسورة ، تليها راء ساكنة ، بينما ينطقها سائر أهل كردفان هكذا " الضَّرْ " بضاد مشددة مفتوحة تليها راء ساكنة. وبينما يقول أهل كردفان للذيل " ضيل " بضاد جريا على الخصائص الصوتية العامة للهجة السودانية ، لا يكاد أهل الوسط والشمال يستخدمون هذه الكلمة في حديهم الآن ، وإن وجدت شواهد عليها في كلامهم القديم ، ويكتفون بكلمة " ضنب " المحرفة عن " ذنب " الفصيجة ، حتى إذا لعب أطفالهم لعبة " الفات الفات " قالوا " في ديلو سبعة لفات " على النطق المصري وليس السوداني. إذ أنَّ ديلو هي ضيلو التي هي ذيله الفصيحة نفسها.
أما إبدال الذال بالدال ، فهو موجود في العربية. فالذألان بالذال المنقوطة ، وهو ضرب من سير الإبل ، قد جاء بالدال ، فيقال " الدّألان ". والدأل لهجة قبيلة بني أسد النجدية المتبدية. ومنه قول أبي الميدان الفقعسي:
يا ناقَتَا مالكِ تدألينا
وكذلك الدال والضاد يتعاقبان في الفصيح. فالرجل الدَيَّاط هو الذي إذا مشى حرَّك كتفيه ، حكى فيها بعض الرواة " الضيَّاط " بالضاد. والنطق بالضاد يُعزى أيضاً إلى لهجة بني أسد ، ومنه قول نقادة الأسدي في رجزٍ له:
حتى ترى البَجْباجَةَ الضيَّاطا
بالضاد ، يعني " الديَّاطا ". ( انظر مقال الأستاذ الدكتور عبد الجبار العبيدي بعنوان: " الإبدال في اللهجات وأثر الصوت فيه " المنشور بمجلة جامعة الأنبار للغات والآداب : العراق ، العدد 3 ، لسنة 2010م )
والمعروف أن بني أسد بن ربيعة ، كان لهم وجود قديم وثابت تاريخياً في أرض السودان منذ القرون الأولى للهجرة ، كما يقول المؤرخون ، ومنهم قبيلة الكنوز بشمال السودان وجنوب مصر ، وربما يكونون قد اختلطوا أيضا بمجموعات أخرى في شرق السودان أيضا ، مما قد يفسر هذا التأثير الطاغي للهجتهم على خصائص العربية المحكية في السودان بصفة عامة.
هذا ، وربما يكون الأستاذ إسماعيل خورشيد قد آثر رسم الفعل " دارِي " هكذا بالدال ، تأثرا منه باللهجة المصرية ، أو من قبيل الاستطراف الذي يُغري الشعراء والكتاب عموما في بعض الأحيان ، بادخال ألفاظ من لهجات أو حتى لغات أجنبية أخرى ، من قبيل التأنق والخروج على المألوف ، وعلى ذلك أمثلة أخرى في سجل الإبداع السوداني نفسه.
فقديما قال المادح السوداني الشيخ " ود تميم " في بعض أماديحه ، في معرض سرده لمعجزات النبي الكريم:
ودراهم عمُّو الخبَّاها وصَّفا
ذلك بأن الفعل " خبّاها " الذي استخدمه هذا الشاعر المادح هاهنا ، هو أشبه باللهجة المصرية منه بالسودانية التي تميل عموما إلى استخدام " دسَّاها " في مثل هذا السياق.
وبعد ود تميم بعدة عقود ، نجد الشاعر والمغني الرائد " عمر البنا " يستخدم مفردة " إمتى " المصرية بمعنى: متى في أغنيته الشهيرة:
أشوف نعيم دنيتي وسعودا
إمتى أرجع لام دُرْ واعودا
وإنما يقول السودانيون في معنى متى " متين " ، وليس " إمتى ". قال إسحق الحلنقي:
متين عرف الهوى قلبك
متين صابك بآهاتو
وحاتك لِسَّ ما بتقدر
تقاسم قلبي دقَّاتو ... الخ
وبعدُ ، فكل ذلك غناءٌ خالدٌ وجميل.

///////////////////