عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

ينبغي أن تكون أسفار العهد القديم من الكتاب المقدس، من المصادر المعتمدة لتاريخ السودان القديم ، أو ما تطلق عليه تلك الأسفارأ نفسها في نصوصها الأصلية باللغة العبرانية اسم " كوش " ، وهوالاسم الذي ترجمه الإغريق لاحقا بكلمة " إثيوبيا " ، وتبناه الكتاب الكلاسيكيون في مؤلفاتهم للدلالة على البلاد الواقعة إلى الجنوب من مصر: أي كوش أو مروي أو بلاد النوبة أو السودان الحالي. وقد ثبتت صحة الإشارات إلى بعض الشخصيات والوقائع التاريخية المرتبطة بتاريخ السودان القديم ، وخصوصاً في طوره المتعلق بقيام وسيادة مملكة ( نبتة/ مروي 1000 ق. م – 350 ميلادية تقريبا ) ، والتي ورثت بدورها مملكة " كرمة " السابقة لها ( 2500 – 1500 ق.م ) ، ثبتت صحتها بمضاهاة تلك الإشارات الكتابية التوراتية ، مع ما قد كشفت عنه المصادر الخطية واللقى الأثرية العائدة إلى تلك الفترة ، والتي عُثر عليها في كل من مصر وبلاد الشام والعراق وشمال السودان ، وذلك بعد مضي عدة قرون من تاريخ تدوين تلك الإشارات في الكتاب المقدس.
فمن بين تلك الإشارات التي تتظاهر على صحة تاريخيتها مصادر كلا التاريخين الديني والوضعي على حدٍ سواء ، الإشارة التي وردت في سفر أخبار الملوك الثاني ( 17/4) للملك الكوشي " سوا " الذي يعتقد العلماء أنه هو نفسه الملك النبتي " شبكا " 716 – 701 ق.م الذي كان ملكا على مصر وشمال السودان معا ضمن سلسلة ملوك الأسرة الخامسة والعشرين التي عرفت ب " الأسرة الكوشية " أو " الإثيوبية " ، وإرساله لابن أخيه الملك الشهير فيما بعد " ترهاقا 690 – 664 ق.م " إلى فلسطين لمحاربة الآشوريين الغزاة في عهد الملك سرجون في حوالي سنة 713 ق. م ، فضلاً عن إشارة سفر أخبار الملوك الثاني ، الإصحاح التاسع عشر ، وكذلك إشارة سفر أشعياء الإصحاح 37 الصريحيتين ل " ترهاقا ملك كوش "، وحملته العسكرية في فلسطين متضامنا مع ملوكها العبرانيين أيضا ، ضد الملك الأشوري " سنحاريب " ، والتي أدت في نهاية الأمر إلى هزيمة ترهاقا ، واضطراره إلى التقهقر و الجلاء عن مصر نفسها ، والانسحاب إلى السودان ، لكي يموت في عاصمته " نبتة " ، ويدفن داخل هرمه بجبانة " نوري " الشهيرة بالقرب من جبل البركل بشمال السودان. وقد ذهب نفر من الباحثين المعاصرين في معرض تبريرهم لتلك الهزيمة ، إلى حقيقة استخدام الآشوريين أسلحة مصنوعة من الحديد في تلك الحرب ، في الوقت الذي لم يكن جنود ترهاقا يعرفون حينئذٍ سوى أسلحة البرونز الأضعف نسبيا.
وقد ذاع تنويه الكتاب المقدس بذكر العاهل السوداني " ترهاقا " بصفة خاصة انتشاراً لا بأس به بين أوساط بعض المتعلمين والباحثين السودانيين ، فضلاً عن بعض الكتاب والباحثين المنضوين تحت تيارات القومية السوداء Black nationalism ، والزنوجة Negritude ، ومنظري حركة الجامعة الإفريقية Pan-Africanism ، وطوائف من مثقفي الأمريكيين السود ومن إليهم ، بل صارت هذه الحقيقة إحدى ترنيماتهم المفضلة التي يحرصون على تدوينها في غير قليل من الزهو والتباهي بنبل ذلك المحتد ( السوداني/ الإفريقي/ الزنجي الخ ) ، وعراقة حضوره في سياق أحداث العالم القديم وتاريخ حضاراته ، وذلك في إطار ما يسمى بمنظور المركزية الأفريقانية لقراءة تاريخ إفريقيا والشعوب السوداء عموماً Afrocentric perspective ، في مقابل منظور المركزية الأوروبية أو ال Eurocentric perspective .
ومن ذلك – على المستوى الوطني - ما جاء على لسان العلامة والشاعر البروفيسور عبد الله الطيب رحمه الله ، على الرغم مما عرف عنه من ميل إلى تغليب وعيه بالمكون العروبي في شخصه المفرد ، وفية موقفه ونظرته للشخصية والثقافة السودانية عموماً ، وتعويله عليه بصورة أكبر – ربما على حساب المكون الإفريقي في نظر البعض – في قصيدة له يحيي فيها العراق وأهله ، ألقاها في مهرجان المربد التاسع في ثمانينيات القرن الماضي ، وافتخر فيها بترهاقا وبخيل كوش ، التي كان يري أنها هي أصل الخيول العربية الأصيلة ، وذلك حين يقول:

وبلادُنا من أرضِ وادي النيلِ لم يكُ بدرُها بين البدورِ محاقا
وكما أتى لنَبوْخذٍ ذكرٌ أتى ذكرٌ قديمُ النصِّ عن تِرْهاقا
وأشُورُ قد كانت جيادُ مُلوكِها من أرضِ كُوشٍ يُفْتلَيْنَ عِتاقا

ومن ذلك أيضا قول الشاعر سيف الدين عبد الحميد ، وهو من ذات الشاكلة من الأدباء السودانيين يمدح الإمام المهدي الكبير في قصيدة له:

جاريتَ ترهاقا وشدَّةَ بأسهِ وورثتَ فنَّ الحربِ من شبتاكا

ومن ذلك أيضا قول الشاعر الدكتور مبارك بشير مما يشدو به نشيداً الفنان العملاق محمد وردي:

ههنا يبتسم النهر القديمُ
لبعانخي ، ولتهراقا
وللمهديِّ .. لعلي عبد اللطيف..
ولعبد القادر الحبوب ..
للقرشي .. للصمود العذب في كرري
وللموت الفدائي العظيم ... الخ

ومنذ بضعة أعوام أيضا ، برزت بقوة داخل الولايات المتحدة الأمريكية ، فكرة انتاج فيلم سينمائي روائي عن شخصية الملك " تهارقا " وأعماله ، بل تردد أن دور ترهاقا نفسه قد أُسند بالفعل ، للمثل الأمريكي الأسمر ذائع الصيت " وِلْ اسميث " ، ولكن سرعان من انزوت تلك الفكرة ، ولم تنفذ في أرض الواقع لسبب غير معروف.

أما شخصية " زارح الكوشي " أو " الإثيوبي " أو إن شئت " السوداني " ، فإنها كما نلاحظ لم تجد حظها من الاهتمام الذي هي قمينة به من قبل الكتاب والباحثين السودانيين بصفة خاصة ، وهي شخصية يكتنفها الكثير مما يغري بالتنقيب والبحث والتقصي باعتبار انها شخصية غامضة ومثيرة لللاهتمام لدرجة كبيرة. ولعل السبب في انصراف الباحثين بصفة عامة عن الخوض في سبر كنه هذه الشخصية الغامضة ، هو عدم العثور- حتى الآن - داخل المصادر التاريخية الوضعية سواء النصية منها او الأثرية على إشارة واضحة وصريحة تدل عليها وعلى وجودها التاريخي خارج سياق الكتاب المقدس ، بخلاف شخصيتي " شبكا " و " ترهاقا " اللتين ثبت وجودهما التاريخي في غير النصوص التوراتية ، فضلاً عن ورود اسم ترهاقا على الأقل في الكتاب المقدس كما أسلفنا.
هذا ، ومن مثالب عصر التنوير في أوروبا الذي هو أبو الحداثة المعاصرة بامتياز– مع محاسنه الكثيرة وغير المنكورة بالطبع – أنه قد تمخض في تقديرنا عن حالة ذهنية اعتُبرت معها كافة المعارف والمعلومات الواردة في المصادر الدينية الكتابية Scriptural sources ، أو الآداب الأسطورية ( الميثولوجيا ) ، ذات حجية تاريخية أو علمية واهية وضعيفة على أحسن تقدير ، أو باطلة ومن قبيل حديث خرافة قولاً واحداً ، عند الغلاة والمتطرفين. وما درى معظم هؤلاء على سبيل المثال أنه لو لا أن شامبليون قد عثر على اسم مدينة " بي رعمسيس أو برعمسيس " مدونا في " سفر الخروج " في معرض ذكر أسماء المدن التي أمر فرعون العبرانيين من قوم موسى عليه السلام ببنائها له سخرةً واستعبادا ، لما تسنى له مطلقاً فك شفرة اللغة المصرية القديمة في عام 1822 م ، معتمداً في ذلك على عبقرية ذكائه المتوقد رغم صغر سنه آنئذٍ ، إلى جانب معرفته الحسنة باللغات القبطية والعربية والإغريقية ، ولما تمكن بالتالي من تقديم خدمته الجليلة التي قدمها للعلم وللإنسانية قاطبة. ذلك بأنّ كتاب التوراة وحده ، هو الذي قد حافظ على اللفظ المصري القديم لاسم تلك المدينة ، والذي يتضمن أيضا اسم أشهر فراعنة مصر على الإطلاق ألا وهو " رمسيس الثاني " الذي يعتقد على نطاق واسع أنه ربما كان " فرعون موسى " نفسه ، على اختلاف بن العلماء والمؤرخين في ذلك.(1)
ولعل مما يمكن ذكره في هذا السياق أيضا ، أن الاعتقاد الذي قد كان سائداً بين أوساط السواد الأعظم من أولئك المؤرخيين والدارسين المتأثرين بالتيار ( التنويري ) ، هو أن أشعار هوميروس الواردة في ملحمة الإلياذة التي تشير إلى الملوك الآخيين وقصورهم في موكيني وغيرها ، وكذلك حروبهم في طروادة ، هي من الأساطير الخرافية التي لا يمكن تصديقها على أنها حقيقة واقعة. ولقد استمر هذا الاعتقاد سادراً في غروره الواهم حتى النصف الثاني من القرن التاسع عشر ، عندما تمكن هاينريخ شليمان Heinrich Schliemann من الكشف عن بقايا مدن طروادة وموكيني وتيرينث في جزر بحر إيجه ، وكان لهذه الاكتشافات دوي عظيم في شتى أرجاء العالم.(2)
ورد اسم " زارح الكوشي " في سفر " أخبار الأيام الثاني " من كتاب العهد القديم ، حيث جاء في خبره أنه قاد جيشاً جراراً غزا به مملكة " يهوذا " في فلسطين في عهد " آسا 912 – 871 ق.م " ملك العبرانيين ، الذي هزم جيش زارح هزيمة منكرة في المعركة التي دارت بين جيشيهما في " مريشة " بأرض فلسطين.
وقد جاء في الإصحاح الرابع عشر من سفر أخبار الملوك الثاني في هذا الشأن ما نصه:

" فخرج إليهم زارح الكوشي بجيش ألف ألف وبمركبات ثلاث مائة وأتى إلى مريشة. وخرج آسا للقائه واصطفوا للقتال في واد صفاتة عند مريشة. ودعا آسا الرب إلهه وقال أيها الرب ليس فرقاً عندك أن تساعد الكثيرين ومن ليس لهم قوة. فساعدنا أيها الرب إلهنا لأننا عليك اتكلنا وباسمك قدمنا على هذا الجيش. أيها الرب انت إلهنا. لا يقو عليك إنسان. فضرب الرب الكوشيين أمام آسا وأمام يهوذا فهرب الكوشيون. وطردهم آسا والشعب الذي معه إلى جرار وسقط من الكوشيين حتى لم يكن لهم حي، لإنهم انكسروا أمام الرب وامام جيشه الخ ".

وقد جاء في دائرة معارف الكتاب المقدس The Bible Encyclopedia المنشورة على الشابكة العالمية للمعلومات ، أنه يعتقد أن يكون " زارح " هو نفسه الفرعون " أوسوركون الثاني " Osorkon II أحد فراعنة الأسرة الثانية والعشرين الفرعونية الليبية الأصل كما هو شائع حول أصل هذه الأسرة عند العلماء والباحثين. أي أنه أحد أحفاد الفرعون " شيشانق " وخليفته على العرش ، والمعروف – بهذه المناسبة – هو أن الفرعون شيشانق هذا مذكور باسمه في التوراة التي أشارت أيضا إلى أنه كان معاصراً للنبي سليمان بن داؤود عليهما السلام.
وزعم الكاتب الفرنسي ل. ج. مورييه L. J. Morié أن اللغوي والعالم الفرنسي الشهير شامبليون ، الذي ينسب إليه فك رموز الخط الهيروغليفي ، مما اتاح للبشرية معرفة مدلولات ألفاظ اللغة المصرية القديمة ، كان هو أول من افترض أن يكون " زارح الكوشي " هو أوسوركون الثاني ، وذلك استناداً إلى التشابه اللفظي بين الاسمين ، وتقارب التواريخ المقدَّرة لكليهما. (3)
ومن الملاحظ أن هذا الافتراض الذي قال به شامبليون فيما يتعلق بهوية " زارح الكوشي " قد شاع بين سائر المؤرخين والباحثين اللاحقين ،على الرغم من وجود بعض الاضطراب الملاحظ حول تحديد عما إذا كان المعني هو أوسوركون الأول ، أم أوسوركون الثاني.
فهاهو عالم الآثار السودانية تيموثي كيندال Timothy Kendall نقلاً عن K. A. Kitchen يلمح في مقال له بعنوان: " ذكريات الجبل المقدس ، أي (جبل البركل) .. نباتا والأسرة الكوشية " ، يلمح إلى احتمال أن " زارح " ، ربما كان ضابطاً أو مقاتلاً مرتزقاً في قوات أوسوركون الأول على حد زعمه ، وذلك دون إشارة صريحة منه للرواية التوراتية التي هي أصل خبر زارح في الأساس. وقد جاء نص البروفيسور كيندال كما يلي:
" الملك شيشانق الأول ( حوالي 945 – 924 ق.م ) وخليفته أوسوركون الأول ( حوالي 945 – 924 ق. م ) ضما أيضاً بعض المرتزقة والضباط إلى جيشيهما من أجل شن حملات عسكرية داخل مملكة يهوذا. " أ. هـ .(4)
وقد طُرح موضوع للنقاش في موقع جمعية الأدب والتراث التوراتي Society of Biblical Literature على الإنترنت ، خلال شهر يوليو 2007م ، فحواه جدال علمي يرجِّح أن يكون زارح الكوشي هو الفرعون أوسوركون الأول. ومما جاء في هذا الموقع أن أوسوركون الأول هو ابن شيشانق الأول مؤسس الأسرة 22 الفرعونية ، وأنه - أي أوسوركون الأول – هو الملك الثاني في سلسلة ملوك تلك الأسرة ، وانه قد حكم خلال الفترة من 922 – 887 ق. م. ويضيف الموقع أن هجوم زارح على مملكة يهوذا قد تم خلال العام الخامس عشر من حكم الملك العبراني " آسا " ، وهو ما حدد له بحوالي سنة 896 ق. م.
غير أن من بين أكثر التصانيف المعاصرة إثارة للاهتمام ، و التي أفردت بشكل كامل لبحث " إشكال زارح الكوشي " ، مقال لعالم الآثار الروسي س. ي. بيرزينا S. Ya. Berzina ، منشور بمجلة "أركماني" الإلكترونية للآثار والأنثروبولوجيا السودانية لمؤسسها عالم الآثار السوداني الراحل بروفيسور أسامة عبد الرحمن النور ، جاء تحت عنوان: " حملة زارح الكوشي ". ولتمام الفائدة ، رأينا أن نقتبس فيما يلي نص ملخص باللغة العربية للمقال المذكور ، على الرغم من طوله النسبي ، وذلك نسبة لما اشتمل عليه المقال من إضاءات مهمة لإشكال زارح الكوشي من عدة زوايا:


" تشير معطيات آثارية جديدة ، بخاصة اللقى المكتشفة في العاصمة المروية نتيجة أعمال التنقيب المنتظمة التي أجريت قبل سنوات إلى أن مروي ظهرت إلى مسرح الأحداث في وقت مبكر أقدم من القرن الثامن قبل الميلاد. لهذا السبب يمكننا الرجوع إلى المصادر التي تتحدث عن تاريخ الشرق الأوسط وشمال شرق إفريقيا في وقت مبكر من الألفية الأولى السابقة للميلاد ، بخاصة إلى الإجراءات التي ظلت خارج مدى ملاحظة الدراسات المروية لتلك التواريخ عن حملة زارح الكوشي إلى مملكة يهوذا. عادة ما جذبت القصة الباحثين وعُدَّ الغزو حقيقة تاريخية. تؤرخ الحملة بالعام 879 ق. م ، وقُيِّمت تقليدياً في محتوى التاريخ المصري. لفترة طويلة تمت مطابقة زارح بأساركون الأول ، لكنه يُطرح حالياً أنَّ زارح كان قائداً من قواد أساركون.
التواريخ ، وهي تؤلف المصدر الموثوق الأساسي ، ضُمِّنت في النسخة المعتمدة الموثوقة للكتاب المقدس بعد العديد من المراجعات والكثير من الحذف. لا يتضمن الكتاب المقدس معلومة عن وضعية زارح. يعتمد التحليل على نسخ غير موثوقة من يهوذا ، ومصر ، والجزيرة العربية إلى جانب تلك التي احتفظ بها فيما يسمى بملاحظات لوسيان في السيتواجينت ، أي التاريخ اليهودي الذي وضعه يوسف فلافيوس ، وفي أعمال المؤرخين القروسطيين: أوتيخوس والطبري.
ادعى أولئك المؤلفون أن زارح ( زاراح – زاراي ) كان ملكاً لكوش. تتحدث رواياتهم عن ظروف الحملة ونتائجها ، تتوافق معطياتهم كلياً مع التواريخ. إضافة يقولون بأنَّ السبب الدافع للحملة هو الاستغاثة التي تقدم بها نبلاء يهوذا إلى زارح ، لضيقهم من إصلاحات آسا. الطريق الذي سلطته الحملة موضح بما في ذلك الأسماء الدقيقة للأماكن ، وقد وجد واحد منها في النص القانوني. لا تتناقض الرواية في الكتاب المقدس مع المصادر الأخرى ، وتشير إلى أن زارح سار عبر مناطق معادية حتى وصل إلى جرار. وجد زارح دعماً من السكان الحضر والقبائل البدوية في جنوب دولة يهوذا. يبدو أن زارح وجد حلفاء في تلك الأراضي ضد آسا الذي أخافهم بنفوذه المتزايد وسياسته الخارجية العدوانية.
فكرة الحملة في اعتقادي ، حفزها غزو الكوشيين الناجح لدولتي يهوذا وإسرائيل ، والذي كان قد قاده شيشانق الأول في العام 925 ق. م. يجب النظر إلى حملة زارح في إطار التوسع الكوشي في القرن التاسع ق. م عندما تقدم الكوشيون إلى حدود الأراضي العربية ( التواريخ 2 ، 21 ، 16 ) ، واحتمالاً ثبتوا سيطرتهم عليها " انتهى الاقتباس من موقع: Arkamani.org www.

من الواضح أنه رغم بعض الهنات الملاحظة على الترجمة ، والتي لم تؤثر على المعنى العام لنص المقال المختصر ، مثل ترجمة Chronicles ب " التواريخ " ، وإنما الصحيح هو ترجمتها ب " سفر أخبار الأيام " ، إذ أن هذه هي الترجمة العربية الشائعة والمعتمدة لاسم هذا السفر من الكتاب المقدس ، فضلا عن اتسام النص بشيء من عدم الترابط في الصياغة ، إلا أنه يبدو أن كاتب هذا المقال يميل إلى ترجيح فرضية أن يكون " زارح " إما هو " أوساركون الأول " نفسه ، أو أنه قائد من قواد جيشه ، على الفرضية التي نسبها إلى بعض المصادر الأخرى التي تشير إلى أنَّ " زراح " كان ملكاً لكوش.
أما إشارته للطبري بوصفه أحد المؤلفين الذين عرضوا لمسألة زارح الكوشي هذه ، فلا ندري من أين مصدر استقاها من مؤلفات الإمام الطبري ؟. على أننا وقفنا في النسخة التي رجعنا إليها من كتاب الطبري الكبير في التاريخ: " تاريخ الرسل والملوك " على ما دعاه الإمام محمد بن جرير ب " ذكر خبر آسا بن أبَّيا وزرج الهندي " بالجيم المنقوطة عوضاً عن الحاء. وما من شك في أن زرج " الهندي " المذكور في تلك النسخة من كتاب الطبري ، هو نفسه زارح الكوشي المذكور في التوراة ، والله أعلم كيف صار " هندياً " ههنا وليس كوشيا كما هو مثبت في التوراة ؟. ومضمون عرض الطبري لخبر زرج المذكور ، هو أنَّ أبيا والد آسا المذكور كان مخالفاً لشريعة بني إسرائيل ، بل كان عابد أصنام ، فلما مات خلفه ابنه " آسا " الذي كان رجلاً صالحاً ، فأراد حمل رعيته على التقى والتمسك بعقيدة التوحيد ، فكرهوا ذلك منه ، فاستنجدوا " بزرج الهندي " لكي يخلصهم منه. (5)
وهكذا بدأت فرضية أن يكون زارح الكوشي هو الفرعون " أوساركون الأول " ثاني ملوك الأسرة الثانية والعشرين المصرية ، أو أن يكون أحد قادة جيشه ، بدأت تلقى قبولا متزايدا في الأوساط العلمية واللاهوتية على حد سواء ، على الرغم من بعض المآخذ الواضحة على منطقها وصدقيتها.
ولعل أول هذه المآخذ يتعلق بأصل ملوك الأسرة الثانية والعشرين المصرية نفسها، التي يتأرجح الرأي فيه بين العلماء ما بين نسبتهم إلى ليبيا والواحات المصرية الغربية ، وبين الأصل السامي المشرقي ، وذلك نسبة لورود بعض الأسماء التي تدل دلالة خاصة وحصرية على الأصل السامي بين أفرادها مثل اسم: " نمرود " ، في الوقت الذي لم يشأ فيه أي عالم أن يشير إلى احتمال أن تكون هذه الأسرة من أصل كوشي ، وهو الأمر الذي كان قميناً – في حالة ثبوته – أن يحل إشكال زارح الكوشي من أول وهله. على أن عالم الآثار الأمريكي " رايزنر " Reisner كان قد طرح فرضية ثبت بطلانها فيما بعد ، مفادها أن ملوك الأسرة الخامسة والعشرين " الكوشية أو الإثيويبة " هم من أصل ليبي يعود إلى فراعنة الأسرة الثانية والعشرين.
والرأي الراجح في اعتقادنا أنّ هذه الأسرة الثانية والعشرين – كائناً ما كان أصلها – إما أن تكون قد اختلطت وأصهرت إلى أسرة ملكية أو بيت مُلك في بلاد كوش ، نرجح أن يكون قد ظهر خلال بضعة من القرون سبقت بروز المملكة النبتية/ المروية المعروفة التي يؤرخ لها العلماء بقدر كبير من اليقين ابتداءً من أول ملوكها " كاشتا 806 – 751 ق. م " ، حيث أنّ من الأدلة على ذلك التداخل بين الأسرة 22 و المملكة الكوشية المفترضة التي تضم أسلاف كاشتا وبعانخي فيما نرجح ، هو وجود كاهنة عظمى للإله أمون بطيبة تسمى " شبتنوبيت الثانية " منسوبة للأسرة الخامسة والعشرين الكوشية ، بينما كانت هنالك " شبيتنونبيت أولى " منسوبة لفراعنة الأسرة 22 ، هذا بالإضافة إلى وقوع حملة زارح الكوشي في نفس فترة حكم هذه الأسرة ، مما يرجح إمكانية التواطؤ والتنسيق بين ملك مصر وملك كوش بالنسبة للرواية الأخرى التي تقول إن زراح كان ملكا لكوش. وهذا الافتراض يقتضي بالطبع أن يكون ملك مصر قد سمح لحليفه زارح الكوشي بعبور بلاده في طريقه إلى يهوذا. وإما أن يكون قد نشأ نوع من الحلف والتعاون بين ملوك كوش بمن فيهم زارح المذكور ، وملوك الأسرة الثانية والعشرين التي لا تنتمي لسلالة الفراعنة الأقدمين كما هو ثابت عند العلماء. هذا ، ولا ينبغي أن يكون قيام تضامن وتحالف بين سلطة مركزية مستقلة في كوش مع أسرة ملكية مغتصبة للعرش في مصر أمراً مستغرباً ، ذلك بأن المصادر التاريخية تخبرنا أن حلفاً مثل ذلك كان قد وقع بالفعل منذ أيام الدولة الوسطى بين حكام كوش في طور دولة " كرمة " ، وبين أسرة الملوك الرعاة أو " الهكسوس ". ويعرف الدارسون والباحثون المختصون خبر الرسالة التي ضبطها بعض أمراء الصعيد ، والتي كانت موجهة إلى ملك كوش من أحد الملوك الهكسوس يطلب منه فيها التحالف معه ضد سلالة الفراعنة المصريين بالوجه القبلي ، الذين كانوا يتأهبون لاستعادة سيادتهم على بلادهم ، وهو الأمر الذي تم لهم على يدي " أحمس " الذي دحر الهكسوس وأجلاهم عن مصر في القرن السادس عشر قبل الميلاد ، ثم اجتاحوا شمال السودان (مملكة كرمة) نفسه بعد ذلك مباشرة ، وفرضوا سيطرتهم عليه لبضعة قرون.
والمأخذ الآخر على فرضية ( زارح = أوساركون) ، إذا ما اعتبرنا رواية التوراة أصلاً للخبر – وهي بالفعل كذلك ، هي أن رواية التوراة صريحة في أن الجيش الذي هاجم مملكة يهوذا على عهد آسا كان جيشا كوشيا وليس مصريا.
على أنَّ هنالك فرضية مثيرة للاهتمام للغاية ، فضلاً عن أنها جديرة بالتأمل والوقوف عندها مليًّا ، وهي تتعلق بمحاولة التعرف على هوية " زارح الكوشي " ، وقد قال بها المؤلف الفرنسي ج. ل. مورييه منذ مطلع القرن العشرين ، غير أننا لم نجد لها صدى في أي مؤلف معاصر آخر. يقول مورييه في كتابه: " تاريخ إثيوبيا " الصادر في باريس في عام 1904 إن فرضيته تقوم استناداً على محاولة قام بها العالم برقش Brugsch ، برهن من خلالها على وجود ملك كوشي يسمى " أتزيرك – أمن " Atserk – Amen. غير أن تاريخ هذا الملك المكتشف متأخر عن التاريخ المعتمد لخبر زارح الكوشي ، أي القرن العاشر قبل الميلاد. وعلى هذا الأساس فقد قال مورييه انه يتبنى فرضية وجود " أتزيرك أمن " سابق لهذا ، بمعنى " أتزيرك – أمن ( الأول ) ". فكأن مورييه قد لاحظ أيضا التشابه اللفظي بين " أتزيرك - زيرك - زارك – زارح ".(6)
ومن الملاحظ أن صوت الكاف الوارد في آخر المقطع الأول من الاسم الذي اقترحه مورييه مطابقة " زارح " بحسب رأيه ، ألا وهو " أتزيرك " ، لا يبعد كثيرا عن صوت الجيم في اسم " زرج " الذي أثبته الطبري نقلاً عن سلسلة من الأخباريين السابقين له ، جاء على رأسها وهب بن منبه.
وهكذا يضع مورييه بكل ثقة في كتابه المذكور قائمة لملوك كوشيين يرجع بها إلى القرن الحادي عشر قبل الميلاد ، جاعلاً مؤسسها هو " حريحور " كاهن أمون الأكبر بمدينة " طيبة " بمصر ، مروراً بجملة من الملوك من بينهم ملك يدعى " رو- كي - أمن " Ro – Ke – Amen قدَّر تاريخ حكمه ما بين 983 – 958 ق. م ، وزعم أنه هونفسه " لقمان الحكيم " المذكور في القرآن الكريم ، والذي يذكر المفسرون بصورة مدهشة أنه كان معاصراً لداؤود عليه السلام ، أي في القرن العاشر قبل الميلاد نفسه. ثم إنه جعل من ضمن قائمته من أسماه ب " أتزيرك أمن الأول " 958 – 943 ق. م ، زاعماً أنه ابن لقمان الحكيم وخليفته على حكم إثيوبيا " كوش " ومؤكداً أنه هو نفسه " زارح الكوشي ".(7)
ولكي نتعرف على السياق التاريخي الذي وقعت في إطاره الملابسات التي اكتنفت خبر زارح الكوشي أياً كانت هويته ووضعه ، فلنقرأ معا الفقرة التالية المقتبسة من كتاب: " مملكة مروي التاريخ والحضارة " لمؤلفه البروفيسور عمر حاج الزاكي ، أستاذ تاريخ السودان القديم بالجامعات السودانية:

" خضع السودان الشمالي لحكم فراعنة الإمبراطورية المصرية لخمسة قرون متصلة ( 1580 – 1080 ق. م ) ... وحينما أصاب الوهن الإمبراطورية المصرية ، وورث النفوذ السياسي فيها كهنة آمون ثم الجنود المرتزقة الليبيون ، تُرك السودان الشمالي لأهله ، ومر قرنان من الزمان لا نعرف فيهما الكثير عما كان يجري فيه. ولكن آثار مقبرة الكرو الملكية التي دفن فيها بعانخي بعد ستة من أسلافه العظام ، تنبيء بأن سلطة محلة منظمة ورثت النفوذ المصري في السودان وظلت تنمو بعيداً عن أعين العالم الخارجي .. " (8)

ثم إننا نظرنا مليّاً في سلسلة نسب ما يسمى ب " الأسرة السليمانية " ، التي كان يدعي الانتماء إليها أباطرة الحبشة ابتداء من منليك الأول وانتهاء بهيلاسلاسي الأول الذي انتهى حكمه في عام 1974 ، فوجدنا أنهم كانوا يعتقدون أن لهم جدا اسمه " زيرا Zera " ، هو الجد الثالث نزولا بعد منليك ، وهم يعتقدون أيضا أنه هو نفسه " زارح " المذكور في التوراة. ثم إننا قد اكتشفنا العجب العجاب في شجرة النسب السليمانية تلك. إذ أن أسماء جميع ملوك مملكتي نبتة / مروي تقريباً ، مذكورة في ذلك النسب: ( كاشتا وبعانخي وشباكا وشبتاكا وتونتاماني الخ ) ، وأعجب من ذلك كله أننا وجدنا اسم " أتزرك أمن " مكرراً ، ومرتباً بالأرقام ، من أتزرك أمن الأول ، وحتى السادس ، بوصفها أسماء أسلاف سابقين لتلك الأسرة الحبشية الأكسومية. وقد قر عندنا من خلال هذه البينة الظرفية ، أن زارح الكوشي ينبغي التماسه على الأرجح في اسم " أتزرك أمن " هذا ، وليس في اسم " أوسوركون " الليبي/ السامي. وعليه ، عسى أن تكون فرضية المسيو مورييه القائلة بان زارح قد كان ملكاً على كوش ، فرضية راجحة.
وختاماً ، فإننا نعتقد أنَّ جل التركة الثقافية والتاريخية Cultural and historical legacy ، والإرث السلطوي للمملكة الكوشية / المروية ، بالعديد من رموزه وشاراته ووقائعه ، قد انتقل إلى بلاد الحبشة/ أكسوم من بلاد سودان وادي النيل ، التي يبدو أنها قد زهدت فيه إثر تحولها بالكلية إلى الإسلام كما نرجح ، في الوقت الذي بقيت فيه السلطة الحاكمة في الحبشة والنواة الصلبة للمجتمع في تلك البلاد على المسيحية ، فآثرت أن ترث سائر تراث السودان الكتابي والتوحيدي السابق للإسلام كله إن أمكن ذلك ، وكأنَّ لسان حال السودانيين المعاصرين يقول لها: " مبروك عليك ". ولكن هذا لا يغير في الحقائق شيئا. فهذا التراث تراث سوداني أصيل ، نشأ في هذه البلاد ، ومنها انطلق إشعاعه الباهر نحو مناطق أخرى من العالم ، فينبغي علي الباحثين والعلماء السودانيين أن يهتموا به ، وأن يسهموا في الجهود الرامية إلى كشف غوامضه ، باعتبار انه يمثل تراثا إنسانيا جامعا ، كان لأسلافهم الأماجد شرف صنعه ووضعه في سجل التاريخ الإنساني والحضارة البشرية. هذا ، وما يزال الباب مفتوحاً للبحث والنقاش في مسألة زارح الكوشي بن لقمان الحكيم عليه السلام !!.
إحالات مرجعية:

(1) Bucaille, Maurice, Moise et Pharaon, Segher, Paris, 1995, pp.75 – 76.
(2) بدوي ، فتحي عفيفي ، علم الآثار ، الجزء الأول: في مفهومه ومهامه ومراحل تطوره التاريخية ، الطبعة الأولى ، مطبعة حسان ، القاهرة ، 1984 م.
(3) Morie`, L. J. Histoire de L`Ethiopie (Nubie et Abyssinie), Paris. Augustin Challamel, 1904, p 308.
(4) Kendall, Timothy, Les Souvenirs de la montagne sacre`, Napata et la Dynastie des Koushites, in Soudan: Royaumes sur le Nil, Institut du Monde Arabe, Flammarion, Paris, 1997, p. 162.
(5) الطبري ، محمد بن جرير ، تاريخ الأمم والملوك ، المجلد الأول ، دار صادر ، بيروت ، الطبعة الثانية ، 2005 م ، الصفحتان 175 و176.
(6) Morie`, L. J., Histoire de L`Ethiopie, op.cit, p. 309
(7) Morie`, L. J., Histoire de L`Ethiopie, op.cie, p.308.
(8) حاج الزاكي ، عمر ، مملكة مروي التاريخ والحضارة ، سلسلة إصدارات وحدة تنفيذ السدود ، إصدارة رقم (7) ، الخرطوم ، 2006 م ، الصفحتان 34 و35.