مُطالعات في كتاب " السِّدرة " لعمر شاع الدين .. محاضرة قدمها الدكتور خالد محمد فرح بندوة العلامة عبد الله الطيب بجامعة الخرطوم ، ظهر الإثنين الموافق 10 ديسمبر 2018م

أرجو أن تسمحوا لي أولاً بأن أزجي الشكر الجزيل لمعهد البروفيسور عبد الله الطيب للغة العربية ، وأن أخص بالشكر مديره العالم الجهبذ النحرير ، أخي وصديقي الدكتور الصديق عمر الصديق ، على إتاحتهم الفرصة لشخصي مرةً أخرى ، لمخاطبة جمهور ندوة العلاَّمة عبد الله الطيب الراتبة ، على نحو ما كنت قد فعلت من قبل بحمد الله ، في أكثر من مناسبة ،، إما محاضراً لوحدي ، أو مشاركاً بالحديث من ضمن متحدثين آخرين ، في ندوة ما من الندوات.
كذلك أرجو أن استمحيكم عذرا في أن أحييَّ أستاذنا البروفيسور عمر محمد الحسن شاع الدين ، أستاذ اللغة العربية وآدابها بجامعة إفريقيا العالمية بالخرطوم ، ومؤلف الكتاب الذي عليه مدار حديثنا في هذا النهار ، والذي أود أن انتهز هذه السانحة لكي أسوق له التهنئة الخالصة بمناسبة اختياره المستحق مؤخراً ، عضواً بمجمع اللغة العربية بالسودان ، من بين كوكبة من الأساتذة والعلماء الأفاضل ، فهنيئاً له بهذا التكريم العلمي المرموق.
أعود إلى موضوع هذه المحاضرة .. ولعلي أبدأ أولاً بالتوقف برهةً عند هذا العنوان الواضح والمباشر كما أظن الذي اخترته لها ، وتم الإعلان عنها وفقاً له ، ألا وهو: " مُطالعات في كتاب السدرة للبروفيسور عمر شاع الدين ! " .. فأقول: كان يراودني عنوان آخر ربما بدا أكثر بلاغة وجاذبية ، لجهة اشتماله على نوع ما من أنواع الاستعارة اللطيفة ، إذ كنت أود أن أُسمي هذه الكلمة: " نبقاتٌ من سدرة شاع الدين " ، بيد أنني صرفت النظر عنه ، توخيا للوضوح الذي تقتضيه عناوين المحاضرات والبحوث والتصانيف العلمية وشبه العلمية عموماً ، بخلاف عناوين الأعمال الإبداعية مثلاً ، من دواوين شعرية ، وقصص ، وروايات ، ومسرحيات وما إلى ذلك.
• أما كتاب " السدرة " المذكور في صدر هذا العنوان ، فهو كتاب في خصائص العامية السودانية وملامحها الخاصة ، منظوراً إليها من زاوية علاقتها باللغة الفصحى من ناحية ، ومع غيرها من سائر اللهجات العربية المعاصرة ، من ناحية أخرى.
• فكأنَّ موضوع هذا الكتاب الذي نحن بصدده ، يدور حول تأثيل وتأصيل جملة من الألفاظ والعبارات الدارجة السودانية ، وبيان صلتها بالعربية الفصحى ، كما يعرض المؤلف لنماذج وأمثلة شتى ، تدخل في باب علم المقابلة بين اللهجات.
• وأما عمر شاع الدين ، مؤلف هذا الكتاب ، فهو علمٌ في رأسه نار كما يقال ، وبحسبي أن أقول عنه أنه البروفيسور عمر محمد الحسن شاع الدين ، أستاذ اللغة العربية بجامعة إفريقيا العالمية بالخرطوم ، والعالم الفذ ، وذو الباع الطويل والقدم الراسخة ، وصاحب المؤلفات الجليلة في مجال دراسة العامية السودانية على وجه الخصوص.
• لقد سبق لي في الواقع أن تناولت أحد مصنفات البروفيسور شاع الدين ، وهو كتابه بعنوان: " قُذاذات وجُذاذات " في مقال لي منشور ، ضمنته لاحقاً في كتابي بعنوان: " في الثقافة السودانية: رسائل ومقالات " ، الذي صدر في عام 2011 عن هيئة الخرطوم للصحافة والنشر.
• وهانذا أعود كرة أخرى ، لكي أشغب مجدداً على أستاذنا الفاضل ، بروفيسور عمر شاع الدين ، من خلال هذه المطالعات والمراجعات في سفره الماتع والمنفيد حقا ، الموسوم ب " السدرة: شذرات من لهجة أهل السودان " ، الصادر عن مركز محمد عمر بشير للدراسات السودانية بجامعة أم درمان الأهلية في عام 2012م.
• وكنت في الواقع منذ أن اقتنيت نسخة من هذا الكتاب فور صدوره ، وشرعت في قراءته ، قد دونت قرا كبيراً من التعليقات والملاحظات ، على نقاط ومسائل بعينها استوقفتني في متنه ، كتبتها بقلم الرصاص على هوامش الكثير من صفحاته ، حتى اجتمعت لي منها جملةٌ صالحةٌ ، هي التي أود أن أُشرككم معي فيها من خلال هذا الحديث.
• ولعل أول ما أود أن استهل به الحديث ، هو أنني لن أتوقف عند المنهج الذي اتبعه البروفيسور شاع الدين في تأليف سفره المعني ، ولك ببساطة لأن المؤلف قد أغناني عن ذلك حين صرح في مقدمة الكتاب قائلاً: " أنا لم أكترث لصرامة أي منهج يُراد لي أن أسلكه .. فقد رأيته يقتلع المُتع .. فما تحصلته جاء رتيبا لا ترتيبا .. وكأن ترتيبه أشتات .. كأني أحكي صورة جاءت عفو الخاطر .. لقد استعنت بهدي ربي مطمئناً أن رتلاً من التصويبات ستتلاحق من فضلاء القراء .. ثم الإضافات مني ستترى " .. انتهى الاقتباس .. وهي كما ترون ، دعوة صريحة من قبل المؤلف لنا ولسائر القراء ، لا لكي نصوب كما قال تواضعاً منه ، وإنما بالحري ، لكي نعقب ، ونعلق ، ونستدرك ما وسعنا ذلك.
• وهانحن أولاء فيما يلي ، نقدم ما دوناه من ملاحظات وتعليقات وتعقيبات واستدراكات على مسائل بعينها في المتن ، اطرادا مع مواضعها في صفحات الكتاب.
• ولنبدأ تعليقاتنا وتعقيباتنا بكلمة السدرة نفسها ، فنقول: السدرة هي واحدة السدر وهي الشجرة المعروفة بهذا الاسم في العربية الفصحى وكذلك في معظم اللهجات العربية الدارجة ، وهي الشجرة التي تنتج ثمر " النبق ". وقد ورد ذكر " سدرة المنتهى " في القرءان الكريم التي جاءت صفتها في الأثر والتفاسير بأن نبقها أكبر من قلال هجر وأن أوراقها أكبر من آذان الفيلة ، وأن الراكب يسير في ظلها مسافة كذا وكذا شهرا. وقد قال أهل اللغة إن السدر نوعان: عُبريٌّ وضال. فالعُبريُّ هو الذي ينمو على شواطي الأنهار ، والضال هو الذي ينمو بعيداً في البراري والفلوات. قلتُ فلعل لعبة الضالة المعروفة في بوادي السودان وأريافه ، ماخوذة من شجر الضال ، لأن الأصل فيها أنها تلُعب بأعواد قصار مبرية. فلربما كانت تتخذ لأول العهد بها من أغصان من شجر الضال ، وليس مشتقة من الضلال كما يميل البعض إلى تخريجها بذاك.
• وبمناسبة الحديث عن شجر السدر فيما يلي اللهجة أو اللهجات العامية في السودان على وجه التحديد ، فإن أهل كردفان يسمون السدرة أو شجرة النبق " تُقُر " ، وهي كلمة نحسب انها كانت مستخدمة أيضا في وسط السودان وبعض مناطق نهر النيل أيضا ولكن يبدو أنها قد اندثرت الآن. وكنت قد تطرقت لذلك في مقال لي منشور عن قصيدة " بتريد اللطام " لرقية بت ود امام في مدح شقيقها البطل عبد القادر ود حبوبة والتي كان يؤديها المطرب بادي محمد الطيب ، والشاهد هو هو قولها:

قيَّل في التُّقُر قال العمير مسيوم
الغني والفقير من عينو طار النوم

• .. وقد ذكر لي أحدهم أن التقر قرية بعينها في دار الحلاويين .. ولا غضاضة في ذلك ، إذ لا يبعد أن تكون تلك القرية قد أُسميت في الأصل على تقر نبق بعينه ، جرياً على مذهب أهل السودان عموماً ، في تسمية القرى بالأشجار كالسلمة والعشرة واللعوتة والشقلة والسيال الخ. على أن العلامة عون الشريف قاسم ، لم يثبت الصلة بين لفظة " تقر " التي أوردها في كتابه قاموس اللهجة العامية في السودان ، وبين شجرة السدر خاصة ، إذ جاء في تعريفه لها ما نصه: " تقر ( غرب ): مجموعة كثيفة من الأشجار ، وتشغل حيزا صغيرا ومنفصلا.. قال الحمري: " زارعنو في التُّقُر .. منِّو العين دَقُرْ "
• في صفحة 4 و5 من الكتاب ، ذكر المؤلف في معرض الحديث عن الظاهرة الصوتية المسماة ب " العنعنة " ، ألا وهي قلب الهمزة عيناً والتي منها قول ذو الرمة:
إعِن ترسَّمت من خرقاء منزلةً ماء الصبابة من عينيك مسجوم
وهو يريد إئن ترسمت ، ومن ذلك أيضا قول أهل الأرياف والبوادي من السودانيين في عاميتهم: مسعول لمسؤول ، ويتلكع ل " يتلكأ " ، قال نقلا عن الدكتور عبد المجيد عابدين إن الشايقية يقلبون الهمزة عيناً في أضان فيقولون " عضان ".
قلتُ: والجوامعة في كردفان يفعلون ذلك أيضاً ، فيقولون عضان لأضان ، وعناف لأناف . ولا بد أن المؤلف الذي نشأ وترعرع في ام روابة ، قد سمع ذلك ولاحظه. ولقد رأيت المؤلف وهو يورد أيضاً كمثال على العنعنة في صفحة 6 قول بعض أهل كردفان " عجَّاك " ، وهم يقصدون " الجاك " الاسم العلم المعروف بهذه الصيغة في معظم أنحاء السودان.
• وبخصوص ما ورد في صفحة 8 عن لفظة " عيل " بياء ممالة بمعنى إلاَّ ، على نحو ما جاء في المثال الكويتي الذي أثبته: " أكلت اللحم أيه .. قال: مصصت العظم .. قال لا .. قال عيل ما أكلت لحم " ، فإننا نؤيد ما ذهب إليه المؤلف من أن عيل هاهنا معناها: إلاَّ ، قُلبت همزتها عيناً بسبب ظاهرة العنعنة المذكورة. ولكن عيل هذه التي بمعنى إلاَّ ، هي من خصائص لهجات قبائل الأبالة المترحلين بكردفان حصرا ، مثل الكبابيش ، والحمر ، ودار حامد ، والشنابلة وغيرهم ، دون سواهم من القبائل الأخرى. على أن عنعنة أداة الاستثناء " إلاَّ " بمعنى نطقها " علاَّ " موجود وملاحظ في سائر أرياف السودان وبواديه بصفة عامة.
• وبمناسبة ما ذكره المؤلف في صفحة 9، في معرض إشارته إلى التبادل بين حرفي الهمزة والقاف ، من أن المصريين ، وخصوصاً أهل القاهرة والوجه البحري عموماً ، على الرغم من أنهم يقلبون القاف همزة في عاميتهم ، إلا أنهم يقولون " القاهرة " ، يحققون قافها ولا ينطقونها همزة البتة. ومن طريف ما أورده العلامة عبد الله الطيب بهذه المناسبة ، أن زميلاً لهم في أيام الطلب كان متقعراً ، وقد كانوا عابرين بمصر وهم في طريقهم إلى إنجلترا ، كان يقول: " الآهرة " تحذلقاً ، وتقليداً غير موفق منه للمصريين. فكان جرسها مستبشعاً ومضحكاً ، لقرب نطقه من نطق كلمة سباب نابية من نفس الوزن.
• وعن القُطعة ، وهي اقتطاع الحرف الأخير من الكلمة مثل قول بعض الأقدمين " يا أبا الحكا " يعنون " يا أبا الحكم " ، ينقل المؤلف في صفحة 11 عن عبد المجيد عابدين قوله: إن أهل بربر يقولون: أديته الكتا ، وسمعت الكلا .. في الكتاب والكلام.
قلتُ: إن هذه الظاهرة الصوتية هي في الواقع ألصق وأكثر شيوعاً بين الرباطاب خاصة في الشمال ، مثلما أنها شائعة بين سائر أهل كردفان بمختلف قبائلهم ، إذ لا يندر أن تسمع أحدهم وهو يقول مثلا: النو تعال أكل ليك فو .. يعني النور تعال أكل ليك فول. ولا أدري لم نسب عبد المجيد عابدين هذه الظاهرة لأهل بربر ، إلا أن يكون المقصود هنا مديرية بربر القديمة عموماً بحسب التقسيم الإداري الذي يعود إلى عهد التركية، والتي تقع دار الرباطاب في نطاقها.
• وفي حديثه عن ظاهرة العجعجة ، أو قلب الياء جيماً أو العكس ، كقول بعض العرب الأقدمين: تميمج لتميمي ، وكذلك قول السودانيين الميدوب للمجدوب ، وود المايدي لود الماجدي ، مثَّل المؤلف لهذا التعاقب بين الجيم والياء ، باسمي " تاج وتاي ". وهنا لا بد من التنبيه إلى أن حرف الياء في تاي ، ليس منقلباً ضربة لازب عن الجيم ، كأن تكون صيغة أخرى للاسم تاج بالضرورة وفي كل الأحيان ، كما يُستشف من تفسير المؤلف. ذلك بأنه إذا سلمنا مثلاً أن اسم: تاج الدين البهاري ، يمكن أن تنطق تاي الدين البهاري ، وهو الشيخ المتصوف المعروف الذي أدخل الطريقة القادرية إلى السودان في حوالي سبعينيات القرن السادس عشر ، فإن الراجح هو أن أسماء أعلام أخرى شبيهة لهذا الاسم لدرجة التطابق مثل: التاي ، وتاي الله ، والتاية ، لا علاقة لها بذلك التاج الذي يضعه الملوك فوق رؤوسهم كما قد يتبادر للبعض ، قلبت جيمه ياء بسبب العجعجة كما قد يتبادر للبعض ، وإنما بمعنى آخر في الكلام السوداني العتيق ، من ذوي الأصول الغامضة ، التي ما تزال تتطلب المزيد من البحث والتنقيب من أجل كشف الغموض عنها ، وتجلية كنهها الحقيقي.
• والذي نميل إليه ، بعد تداول الرأي وتقليبه مع بعض الفضلاء من ذوي المعرفة والبصر الثاقب ، حول هذه الأسماء الغريبة ، أعني: التاي وتاي الله ، والتي تكاد تكون مرتبطة ارتباطاً حصرياً بمنطقة وسط السودان بالتحديد ، أي: الجزيرة والبطانة وضفتي النيلين الأزرق والأبيض ، ولا يكاد يكون لها وجود لا في شمال السودان ، ولا في غربه ، بخلاف اسم " التاية " المنتشر بين سائر المتحدثين بالعربية في جميع أنحاء السودان ، أن التاي معناه: العوض قولاً واحدا ، وأن تاي الله معناه: عوض الله ، وبالتالي يكون معنى التاية هو " عوضية " ، إن شاء الله تعالى.
• وقد قال محدثي وهو رجل حاذق و " نجيض " من أبناء الجزيرة ، وقد أقنعني تخريجه لهذا الحرف بصراحة ، أنه سمع جدته وهي تورد مثلاً شعبياً في معرض حديث لها نصه: " قِل المال بتَّايا .. قِل الفهم ما بتَّايا " ، وهي تعني أن نقص المال من الممكن تعويضه ، إلا أن نقص الفهم والإدراك لا يمكن تعويضه ".
• ومما يدل على أن تاي الله ، من الأقرب أن يكون معناها " عوض الله " ، وهو تعبير جائز وسائغ ديناً وعقيدة ، ولا يمكن أن يكون معناه مثلاً " تاج الله " ، هو أن هذا التعبير الأخير ، غير لائق ، لأن فيه تجسيما وتشبيهاً للحق سبحانه وتعالى ، ونسبة متعلقات البشر والأغيار إلى ذاته العلية ، وهو ما لا يجوز ديناً ولا عقيدة بالطبع.
• أما خاصية التلتلة ، وهي كسر التاء في أول الفعل المضارع ، والذي اشتهرت به في الماضي ، قبائل بهراء وتميم وأسد ، مثل قولهم: تِعلَمْ لتَعلم ، وتِشهد لتَشهد كما يوقفنا المؤلف على ذلك ، فإن عليه شواهد من العامية السودانية ، وخصوصاً بين بعض قبائل البدو الأبالة بغرب السودان ، الذين يكسرون التاء في أول المضارع للمفرد المخاطب ، بينما أن أفراد القبائل المستقرة ، يفتحونها ، شأنهم في ذلك شأن عامية أهل السودان النموذجية في تيارها العام. فأولئك الأوائل يقولون: تِمشي لتَمشي ، وتِبكي لتَبكي ، وتِرمي لتَرمي.
• والشئ بالشئ يُذكر ، فإنَّ عربية وسط السودان وشماله ، تكسر الباء التي في أول المضارع في صيغته الدارجة ، بينما أن معظم اللهجات العربية في غرب السودان امتداداً إلى تشاد وما وراءها تفتح تلك الباء. وقد شذت لهجة الشايقية عن المجموعة الأولى ، فهي تفيح باء المضارع باطراد. ومثال ذلك قول المادح الشهير حاج الماحي:
أسد الله البَضرَع بفتح الباء ، كما ينطقها أولاد حاج الماحي وغيرهم من المؤدين الشوايقة الأقحاح. وتلك هي لعمري خصيصة صوتية أخرى ، تلتقي فيها لهجة الشايقية بلهجات غرب السودان ، بينما شذت من المجموعة الثانية " الغربية " لهجة الكبابيش وجيرانهم الهواوير أياً الذين يكسرون الباء في أول المضارع فيقولون: بِمشي ، وبِجي ، وبِسرح الخ مثل سائر أهل الوسط والشمال ، ولا يقولون بَمشي وبَجي وبَسرح مثل الشايقية وجل المتحدثين بالعربية في غرب السودان مثلا.
• في صفحة 18 و19 من الكتاب ، يتحدث الكاتب عن طُمطمانية حمير ، أي إيراد " أم " في الكلام بدلاً عن " ال " ، تلك التي من الشواهد القديمة الشهيرة عليها ، ما جاء في الحديث الشريف " ليس من امبر أمصيام في أمسفر " ، ومن شواهدها في العامية السودانية: أمبارح يعني البارح. والسؤال هو: هل توجد في العامية السودانية ما يمكن أن نطلق عليها " طمطمانية أبوية " ، بخلاف الطمطمانية الأمومية الأكثر شيوعاً والمشار إليها آنفا ؟. أي بمعنى آخر ، هل يجوز لنا أن نفترض أن بعض لهجات أهل السودان العربية الجهوية أو الفرعية ، تستخدم لفظ " أب " في مقام " ال " ؟. هذا مع ضرورة التنبيه إلى أن لفظتي أم وأب ، تأتيان أحياناً بمعنى اسم الموصول " ذو " أو ذات لا غير ، وليست في مكان الف ولام التعريف الطمطامية بالضرورة. فعندما نسمع أو نقرأ أن هنالك قرية اسمها " أم عشر " مثلاً ، فأن المقصود منه أنها ذات عشر لأن نبات العشر يكثر بها حالياً ، أو كان يكثر في الماضي في موضعها غالبا. وكذلك عندما نسمع أو نقرأ أن هنالك بلداً آخر اسمه " أب عشر " ، فإن المراد منه أنه " ذو عشر " لوجود العشر به كذلك. ولذا لزم لفت النظر إلى عدم الخلط بين أم وأب الطمطمانيتين ، وأم وأب الذين بمعنى ذات وذو على التوالي.
• ومن الشواهد على الطمطمانية الأمومية والأبوية معاً في عربية غرب السودان، قولهم: أم باعوضة يعنون البعوضة ، وأم سحلية يعنون السحلية ، ويقابلها في الطمطمانية الأبوية قولهم " أب ضب " بمعنى الضب ، كذلك قولهم " أب ضبيضب " وهو نوع من البثور المتقيحة المؤلمة ، التي تظهر في جفن العين. وأصلها فصيح عرفته العرب قديما في كلامها ، وهو " الظُبظُب " ، وقد ورد بهذا اللفظ والمعنى نفسه في معاجم اللغة الفصحى كالقاموس المحيط ولسان العرب وغيرهما.
• فكأن أهل كردفان قد صغروا كلمة الظُبظب الفصيحة فجعلوها " ظُبيظب " ثم أبدلوا حرفي الظاء فيها إلى حرفي ضاد جريا على خصائص العامية السودانية في تحويل الظاء في الفصيح إلى ضاد في لهجتهم الدراجة على نحو شبه مطرد ، ثم كسروا أولها عوضا عن الضم ، وهي كذلك خصيصة صوتية ملازمة لعربية أهل السودان ، ثم أبدلوا ألف ولام التعريف فيها بأب الطمطانية كما نقترح.
• وهل يا ترى قول السودانيين للطحال " أب دمَّام " ، هو أيضاً من قبل الطمطمانية الأبوية ؟ وهل هو في الأصل " الدمَّام " فتحول إلى أب دمام ؟
• في صفحة 32 من الكتاب ، أورد المؤلف كلمة " لامِنْ " العامية ، ورجح أن يكون أصلها هو " إلى أن " ، وهو ما نميل إليه نحن أيضا. بيد أن من المدهش أنه أشار إلى أن لامِن موجودة بهذا اللفظ والمعنى في لهجة الحجاز أيضا ، وأحال القارئ إلى كتاب بعنوان " الأدب الشعبي في الحجاز " وردت فيه تلك العبارة فيما يبدو. قلتُ: لهجة الحجاز شديدة الشبه جداً بعامية أهل السودان صوتيا ودلاليا ، ويكفي بهذه المناسبة أنهما اللهجتان المعاصرتان الوحيدتان في العالم العربي كله ، اللتان تسميان الماء " موية ".
• ولكني أرى أنَّ العامية السعودية السائدة حالياً في تيارها العام ، تميل بالأحرى لاستخدام " لين " بياء ممالة على نحو أكثر شيوعاً من لامن الآنف ذكرها. وربما كانت " لين " بمعنى " إلى أن " ، هي أشبه بلهجات نجد وشرق الجزيرة العربية والخليج العربي.
• قلت وهذا الحرف ، أعني " لامن " فيه عدة لغات في العاميات السودانية. ففي شمال كردفان يقولون " نَمَنْ " ، وفي جنوب كردفان وفي دار فور أيضاً والبقارة عموماً يقولون: " دَمَّنْ " ، ومن غريب ما سمعته في معناها قول بعض أهل بحر أبيض بنواحي الدويم وأحوازها: " دقاهو بعد بكى " ، يعني: ضربه إلى أن بكى ، أو حتى بكى.
• في صفحة 24 من الكتاب ، يعرض المؤلف لاستخدام كلمة " كيف " بوصفها أداة للتشبيه في العامية السودانية. وشد ما استوقفني في حديثه عنها ، أنها قد وردت بهذا المعنى في شعر دُريد بن الصِمَّة ، إذ يقول في وصف فرسه:
لها حُضُرٌ كيفَ الحريقُ وعَقْبُها كجسمِ الحسيفِ بعد معمعة الوَردِ
شبه جري فرسه في سرعته ، بسرعه اشتعال الحريق.
وهذا الشاهد من شعر ذلك الشاعر الجاهلي الصميم ، وحده كافٍ لعمري في بيان فصاحتها ، وعراقة استخدامها في لغة العرب.
قلتُ ، " كيف " أداة تشبيه ، من خصائص لهجات بلاد المغرب العربي بصفة عامة ، كما توجد في صعيد مصر ، وفي غرب السودان أيضا وخصوصاً في شمال كردفان ، على أن هنالك من الشواهد ما يدل على أنها كانت تستخدم ذات الاستخدام في وسط وشمال السودان ، إلا أنها قد اندثرت فيما يبدو. ومن ذلك قول المادح الرائد علي ود حليب:
كيف كوم العويش الخامو العُصارِ
وكذلك قول تلميذه حاج الماحي:
فمو كيف دارة الختاما
وكذلك قول ود تميم ، وهو من مداح الصعيد ، أي جنوب الجزيرة:
يا مولاي سألتك مدحي ينزل كيف
وبال الخريف مو رش بطين الصيف
والراجح أن " كيف " أداة تشبيه كانت شائعة في لهجة الأندلس ، ومنها انتقلت إلى شمال إفريقيا وصعيد مصر والسودان ، وخصوصاً غرب السودان. يدلك على ذلك قول لسان الدين بن الخطيب في الموشحة الشهيرة " جادك الغيث ":
وروى النُعمان عن ماء السما
كيف يروي مالكٌ عن أنسِ
أي كما يروي ملك عن أنسٍ ، أو مثلما يروي مالك عن أنس.
في صفحة 42 من الكتاب ، تطرق المؤلف لظاهرة الإتباع والتوافق الحركي ، أي التماثل بين الحركات الإعرابية في الكلمة ، مثل قول سيبويه أن قوماً من ربيعة كانوا يقولون " مِنهِم " ل " منهُم " ، أي أنهم كسروا هاء الضمير تبعا لكسر الميم التي في أول الكلمة
قلت ، من أطرف الاتباعات والتوافقات الحركية في العامية السودانية قولهم " قُرْش ونُصْ " ، ذلك بأنه إتباع يمكن لنا أن نسميه مقلوبا ، يتبع في السابق اللاحق وليس العكس ، إذ من الواضح أن الضمة التي على حرف النون في كلمة نُص ، قد أثرت على حركة القاف في قرش التي من المفترض تكون مكسورة أي: قِرِش ، فضُمت القاف من قبيل الإتباع والتوافق الحركي الذي يعرف في الإنجليزية بال Assimilation .
وأخيراً ، يفيدنا المؤلف بأن عبارة " يا داب " التي تفيد الظرفية الزمانية ، بمعى للتو ، عبارة كانت معروفة قديماً في لهجة الأندلس. قلت وفي السودان ينطق هذا الحرف على طرائق مختلفة ، منها " يا داب " هذه ، ويا دوب بالواو أيضا ، والأولى هي أشبه بأهل الأرياف والقرى ومنها قول المطرب إدريس إبراهيم:
لسه صغيرة شبت دابا
زي عمر الزهور في شبابا
أما الثانية أي " يا دوب " ، فهي أكثر استخداماً في المدن والحواضر ، وعليها لهجة أم درمان النموذجية ، ومنها قول سيف الدسوقي الذي يغنيه المطرب إبراهيم عوض:
تاني ما تقول انتهينا
نحن يا دوب ابتدينا !!
وبالإضافة إلى هذين الاستخدامين ، فإن بعض الناس في غرب السودان وفي تشاد أيضاً ، يقولون " دهابا " بمعى " يا دوب " أو " يا داب "، بإضافة هاء إليها.
ومن ذلك قول فتياتهم في إحدى أغنياتهم الشعبية:
لقينا لينا فريفير دهابا
فارش كمَّه بِقرا في كتابا
أمَّا ميرم جدتا هبابة
كا ما أخدتا قولوا لي كضابه
هي .. ما بدور برا الخ
واكتفي بهذا القدر شاكراً لكم حسن الاستماع
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته ،،،،،،،


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

//////////////////