Khaldoon90hotmail.com

قام أعضاء المجموعة الإفريقية بلواندا ، بمن فيهم كاتب هذه السطور، في خواتيم شهر اكتوبر المنصرم ، بزيارة إلى مدينة " صويو " الساحلية الأنغولية ، التي تقع في أقصى الشمال الغربي لجمهورية أنقولا ، عند مصب نهر الكونغو الذي يُعرف محليَّاً باسم نهر " زايِرْ " ، في المحيط الأطلسي ، الذي تقع تلك المدينة على ساحله أيضا.
لقد أعطى النهر " زايِرْ " اسمه للمحافظة التي تقع فيها مدينة صويو ، فصار اسمها هي كذلك محافظة " زاير " ، وهي محافظة تشكل أرضها جزءاً مما كانت تُعرف بمملكة الكونغو التاريخية القديمة ، التي كانت ممتدة عبر أجزاء واسعة من أراضي أربع دول إفريقية مستقلة ومتجاورة حالياً ، هي كل من أنقولا ، والكونغو الديموقراطية ، والكونغو برازفيل ، والغابون. وقد كانت مدينة " امبانزا كونغو " الأنغولية ، وعاصمة محافظة " زاير " المذكورة ، عاصمةً لجميع مملكة الكونغو القديمة ، التي يرى بعض المؤرخين أنَّ تاريخ تأسيسها ، ربما يعود إلى القرن الخامس الميلادي.
هذا ، وكانت منظمة اليونسكو قد اعتمدت في عام 2018م ، مدينة امبانزا كونغو الآنف ذكرها ، في قائمة التراث الثقافي العالمي.
أما مدينة صويو التي زرناها ، فقد كانت بدورها ، بمثابة إحدى كبرى المدن الإقليمية التابعة لامبانزا كونغو المذكورة ، كما كانت عاصمة لإمارة طرفية تابعة للملكة الكونغو القديمة ، وكان عليها ملك صغير أو أمير ، يتبع لمملكة الكونغو ، ما يزال أثره باقياً ، ممثلاً في شخص زعيم تقليدي ، وهو رجل شيخ طاعن في السن ، قُدِّم لنا على أنه ملك صويو ، وخليفة سلسلة من الملوك الصغار الذين تعاقبوا على عرشها الصغير. وقد شرح لنا دليلنا السياحي كيفية المثول أمامه ، وطريقة تحيته ، وما ينبغي أن يقال له أثناء ذلك ، كطقس مراسيمي متبع منذ قدين الزمان.
على أنَّ مدينة " صويو " الحديثة ، هي كما أسلفنا إحدى كبرى مدن محافظة " زايِرْ " ، ( تُنطق بياء مكسورة خفيفة تليها راء ساكنة أي على وزن ( فاعِلْ )، وليست بكسرة مُشبَعة جداً ، ولا بيائين متتابعتين ، أي " زايير " على وزن ( قابيل ) ، أي على النحو الذي كان يُنطق به اسم " زايير " ، ذلك الاسم الذي اختاره الرئيس الأسبق موبوتو سيسي سيكو ، لكي يطلقه على بلاده التي كانت تعرف في السابق باسم " الكونغو ليوبولدفيل ، ثم الكونغو كنشاسا لاحقاً " ، في إبان فترة حكمه ، وإن يكن ذلك الاسم مشتقاً بالطبع وبكل تأكيد ، من اسم نهر " زاير " المذكور آنفا.
ومدينة صويو المعاصرة ، هي الآن مدينة صناعية بامتياز ، إذ أنها تمثل الميناء الرئيسي لأنغولا لتصنيع الغاز الطبيعي وإسالته وتصديره ، وكذلك لتصدير النفط ، إلى جانب استغلال الغاز في توليد قدر معتبر من الطاقة الكهربائية ، التي يأمل الأنقوليون عند بلوغ هذا المشروع طاقته الإنتاجية القصوى ، أن تكفي سائر شمال البلاد من احتياجاته من الكهرباء.
وأما السنيور دييغو كاو Diogo Cao الذي أوردنا اسمه في عنوان هذه الكلمة ، فإنه مَلاَّحٌ ومستكشفٌ برتغالي الجنسية ، وُلد في عام 1452م ، وتُوفي في عام 1486م كما تقول سيرته المبذولة بموسوعة ويكبيديا بالشبكة العنكبوتية. وقد ذكَّرتني سيرته على الفور ، بسير طائفة من البحارة والمستكشفين الأوروبيين الآخرين الذي عاشوا في بحر القرنين الخامس عشر والسادس عشر الميلاديين ، الذين دُرِّسنا طرفاً من أخبارهم في درس الكشوف الجغرافية، ضمن منهج معالم التاريخ الأوروبي بالمرحلة الثانوية مثل: أمريكو فاسبوتشي ، وبارتلومي دياز ، وهنري الملاح ، وفاسكو دا غاما ، وكريستوفر كلومبوس مكتشف أمريكا الشهير.
وقد استوقفني بصفة خاصة ، لقب هذا المسكشف الذي نحن بصدده وهو " كاو " ، و ال " كاو " في اللغة البرتغالية هو الكلب قولاً واحدا. وهو على كل ، مذهبٌ موجود وغير مُستغرب في كثير من اللغات والثقافات ، بما فيها العربية التي سمَّى أهلها كلباً وكلاباً على الجمع أيضا ، وأطلقوها على ذكورهم. ومن ذلك قول الشاعر:
فغضِّ الطرفَ إنكَ من نُميْرٍ
فلا كعباً بلغتَ ولا كِلابـــــا
وتأتي أهمية دييغو كاو وخصوصيته ، من كون أنه يُعدُّ أول إنسان أوروبي ، تطأُ قدماه ثرى مملكة الكونغو الإفريقية ، بل سواحل القارة الإفريقية مطلقاً في المنطقة جنوب خط الاستواء. ذلك بأن سفينته قد رست به في ساحل هذه المملكة ، قريباً من مدينة صويو ، وبالتحديد عند مصب نهر الكونغو في المحيط الأطلسي ، وكان ذلك في شهر أغسطس من عام 1482م ، أي قبل عشرة أعوام من سقوط غرناطة آخر معاقل العرب والمسلمين في الأندلس ، في أيدي قوات الزوجين الملكيين: فرديناند وإيزابيلا.
وزعموا أنَّ السكان المحليين قد فزعوا غاية الفزع عندما أبصروه هو ورفاقه ببشرتهم البيضاء الغريبة على انظارهم ، ففروا من أمامهم منتشرين في الغياض والأجمات من حولهم. ولكنه عمد إلى تأليفهم ، وتسكين روعهم ، وتهدئة خواطرهم ، ودعوتهم إليه بهدوء ، مستخدماً في ذلك لغة الإشارة بالطبع ، حتى اطمأنوا إليه رويداً رويدا ، وسكنوا إليه. وقالوا إنه لما سألهم دييغو كاو عن اسم ذلك النهر الرهيب الذي هاله منظره ، واتساع مجراه بصورة غير اعتيادية ، أجابوه بأنَّ اسمه هو " انزادي " Nzadi ، وهي كلمة تعني في لغة الكونغو " النهر الكبير " فحسب. ذلك بأنَّ نهر الكونغو ، هو بالفعل من أعمق انهار الدنيا غوراً ، ومن أغزرها حمولة من المياه ، ولعله يأتي في هذه الخاصية ، في مرتبة قريبة من نهر الأمازون الكائن بأمريكا الجنوبية. وقد صحَّف دييغو كاو أو رهطه البرتغاليون فيما بعد ، ذلك الاسم " انزادي " إلى " زاير " كما أخبرنا دليلنا الأنقولي الفصيح.
وفي الحقيقة فإنَّ هذا النهر ، يكون خصوصاً قُبيل اندلاق مياهه الغزيرة والمربَّدة اللون في المحيط الأطلسي ، عريضاً جداً ، كأعرض ما يكون النيل الأبيض في زمن الفيضان في السودان ، بين الدُباسيين بالخرطوم ، والصالحة بأم درمان على سبيل المثال ، في منتصف شهر أغسطس ، وربما أعرض منه.
وقد مخرنا عُباب ذلك النهر الصخَّاب والرهيب على متن عبَّارة تعمل بمحرك ديزل ، تحركت بنا من مرسىً على الشاطئ مخصوص بالفندق الذي نزلنا فيه ، وأوصلتنا بسلامة الله إلى جزيرة قريبة من شاطئ يقع على مقربة من مصب ذلك النهر في المحيط ، وهي ذات الجزيرة التي ألقى فيها دييغو كاو مراسيه قبل أكثر من خمسة قرون ، فشاهدنا النصب التذكاري المقام على موضع الحجر الذي كان قد نقش عليه ذكرى وصوله إلى ذلك الموضع في أحد أيام شهر أغسطس من عام 1482م ، كما زرنا موضع الكنيسة الصغيرة التي جرى فيها تعميد أول شخص من السكان الأصليين من مواطني مملكة الكونغو ، معتنقاً للديانة المسيحية على المذهب الكاثوليكي ، بعد فترة قصية من ذلك. بيد أنَّ تلك الكنيسة الصغيرة ، قد تهدمت واندثرت وأُقيم مكانها بناءٌ تذكاري رمزي ، بينما بُنيت في موضع آخر ، يقع على مرمى حجر منه ، كنيسة أخرى كبيرة في عام 1930م ما تزال قائمة ، وتؤدى فيها الصلوات. وقد أُزارونا تلك الكنيسة ، وألفينا بها حين دخلنا فيها ، قسيساً شاباً من غانا، رحَّب بنا ، وقصَّ علينا القصص من عهد كاو إلى الوقت الراهن.
ولكنَّ الثقافة الإفريقية ، تأبى إلاَّ أن تحتفي باستمرار التقاليد والمعتقدات القديمة المنحدرة من الأسلاف ، وذلك في إطار احتفائها بالتعدد واحترامها له ، واتصافها عموماً بالتسامح والأريحية. ذلك بأن مضيفينا قد أزارونا أيضاً ، مستنقعاً مقدساً يقع في وسط أجمة تقع قريباً جداً من موضع النصب التذكاري الذي يخلد زيارة دييغو كاو. ومن آيات قداسة ذلك المستنقع ، أنَّ زيارته ، بل مجرد الاقتراب من حماه ، محظورة على النساء العواتك.
زرنا ذلك المستنقع ، ورأينا مياهه ، والأشجار الضخمة المحيطة به ، وكذلك بعض النباتات والطحالب والقواقع الكائنة فيه ، ثم شاهدنا طقساً اعتقادياً أدته مجموعة من الشيوخ الملازمين لذلك المستنقع ، أو سدنته إذا جاز التعبير ، حيث ردَّدوا بعض الترانيم والهينمات ، ثم رشَّوا على مياه المستنقع وجنباته رشاتٍ من خمر نخيل الزيت على سبيل القربان ، وذلك من أجل إرضاء أرواح الأسلاف كما قيل لنا.
وهكذا قضينا ثلاثة أيام وليلتين رائعتين من الترفيه والتسلية والترويح عن النفس ، فضلاً عن الفوائد الأخرى التي اجتنيناها على مستوى المعرفة الجيدة بثقافة هذا الجزء من انقولا ، والاطلاع على ما يذخر به من امكانيات اقتصادية وسياحية معتبرة.

///////////////