بسم الله الرحمن الرحيم

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
هذا الكتاب الموسوم ب " مرفأ الذاكرة السودانية: نحو عصر تدوين جديد " ، هو عبارة عن مجموعة من المقالات التي سبق أن قام بنشرها الأستاذ الصحافي محمد الشيخ حسين على صفحات عدد من الصحف السودانية الورقية منها والالكترونية ، وعبر أزمان وفي مناسبات متفاوتة امتدت ما بين عامي 1984 ، وحتى قبيل صدور الكتاب في عام 2009 ، شاملة جملة من المحاورات والمقابلات والصور القلمية ، والانطباعات والتحليلات المتعلقة بطائفة من الشخصيات والوقائع والحوادث التي شهدتها الفترة المعاصرة من تاريخ السودان الحديث ، وذلك بهدف التوثيق الأمين لتلك الشخصيات وتلك الوقائع في سياقها التاريخي ومن خلال المعطيات الخاصة بها ، كما اشتمل الكتاب ايضا على استعراضات و مراجعات نقدية لبعض المؤلفات السودانية المعاصرة. فمجالات هذا الكتاب يمكن لنا ان نجملها إذن في الاتي: تاريخ السودان السياسي والاجتماعي المعاصر ، والصحافة السودانية ، والتراجم والسير للاعلام السودانيين ، بالإضافة إلى مراجعة ومناقشة بعض القضايا السودانية المعاصرة.
وكان منتدى الكتاب الشهري ، هذه التظاهرة الثقافية المرموقة الراتبة التي تنعقد مرة كل شهر بقاعة الشارقة بمعهد الدراسات الافريقية والآسيوية بجامعة الخرطوم، حيث تتم في كل مرة مناقشة أحد الإصدارات السودانية وخصوصا الجديدة منها وفي مختلف المجالات ، تحت رئاسة العلامة والأديب بروفيسور عبد الملك محمد عبد الرحمن ، أستاذ الفيزياء بجامعة الخرطوم ، والمدير الأسبق لذات الجامعة ، وبحضور ثلة نوعية ومتميزة من الأساتذة والعلماء والباحثين والصحفيين والطلاب وسواهم من سائر المهتمين والمتابعين ، كان قد استعرض هذا الكتاب في بحر شهر نوفمبر المنصرم ، وقد طلب من كاتب هذه السطور أن يكون المناقش الرئيسي لهذا الكتاب ، فكانت محصلة مساهمته في تلك المناسبة هذا التعقيب الذي يود أن يشرك فيه القراء الكرام تعميماً للفائدة.  
 ويكفي هذا السفر فخرا ان قال عنه الدكتور الصديق عمر الصديق مدير معهد عبد الله الطيب بجامعة الخرطوم ما يلي: " أيقنت بعد قراءتي هذه السطور ان الأسلوب يوشك ان يكون الفكر نفسه. إذ لم يقتصر فرحي وانبهاري بقوة المهنية وجودة الحرفية فحسب ، بل وجدتني مأخوذا بالقدرة العجيبة على السبك في صنع المداخل إلى المحاورات ، واتخاذ طريق لاحب لولوج عالم كبير ، وأستطيع ان أقول من بعد إن سودانيتي كانت ناقصة قبل قراءة هذا السفر " أ.هـ  
جاء تقديم الكتاب بقلم الصحافية الكبيرة الأستاذة آمال عباس ، وقد جاء تقديمها شاملا ومستجلياً ومضيئا لشخصية الكاتب وسيرته وأسلوبه ومادة كتابه ومنهجه بما لا مزيد عليه في تقديرنا. وقد كانت الأستاذة آمال عباس نفسها قد حضرت جلسة المناقشة تلك ، وادلت فيها بمداخلة ضافية ، كما شهد الجلسة وشارك فيها بالتعقيب والمناقشة نفر كريم من الأساتذة الأجلاء نذكر منهم على سبيل المثال: الفريق عبد الوهاب ابراهيم ، وزير الداخلية الأسبق ، والبروفيسور سيد حريز ، والدكتور يونس الأمين ، والعميد حسن بيومي ، والدكتور قيصر موسى الزين ، والدكتو مرغني السر ، والأستاذ صديق الهندي ، والأستاذ محمد القاسم ، والأستاذ عبد الفتاح عمر ، والدكتور الصديق عم الصديق ، كما منحت الفرصة بالطبع للمؤلف نفسه الأستاذ محمد الشيخ فأدلى في الختام ببعض الإيضاحات ، واجاب على بعض التساؤلات التي طرحها الحضور.   
وأول ما نبتدر به المناقشة لهذا الكتاب هو تعليق مقتضب على عنوانه: " مرفأ الذاكرة السودانية: نحو عصر تدوين جديد " ، فإنه مشعر بما درج المتعلمون السودانيون انتقاد انفسهم به من انهم قليلو الاحتفاء بالتدوين والتوثيق عموماً ، كخصلة سلبية يرجعونها إلى غلبة البداوة التي هي صنو المشافهة على طبعهم ، حتى فشت بينهم المقولة التي لا ترضي في نظرنا إلا القنع والكسالى " القاهرة تؤلف وبيروت تطبع والخرطوم تقرأ ". فكأن المؤلف يحاول استثارة الوعي لدى المتعلمين والمثقفين السودانيين بأهمية التدوين والتوثيق المستنير بغية إبراز الشخصيات والمواقف والمحطات الهامة في تاريخ السودان المعاصر ، من أجل تدشين عصر تدوين يقوم على ( مزج تجارب الماضي وأفكار الحاضر من أجل خلق مجموعة من البدائل والإمكانات الفكرية أمام تطور الإنسان والمجتمع ماديا وفكريا ) على حد تعبير المؤلف نفسه. فكأن المؤلف لا يرى رأي الشاعر البدوي القديم:
عليك بالحفظ دون الجمع في كتبٍ
فإن للكتبِ آفاتٍ تفرقها
اللص يسرقها والفأر يخرقها
والماء يغرقها والنار تحرقها
والواقع ان حرفة التأليف والكتابة من حيث هي ، وخصوصاً الكتابة الإبداعية كممارسة ثقافية ، وكفعل ثقافي ، إنما هي عملية تذكر بامتياز ، يقوم بها الفرد البشري عبر عملية الاستيعاب والتمثل والهضم ومن ثم التذكر ثم الاستخراج والعرض لما يرسب في وعيه ووجدانه وعقله من معارف ومؤثرات وقيم روحية واخلاقية وفنية وجمالية ، تشكل في مجملها مفهوم الثقافة نفسه وماهيتها.
لقد ساء المؤلف جدا وصدمه على حد تعبيره أن الحراك السياسي والاجتماعي في السودان يتغذى بالمشافهة و(طق الحنك) كما قال ، ولذلك فقد قرر ان يسهم بسفره هذا في محاولة الخروج والتمرد على هذه الصورة النمطية السودانية العتيدة المتمثلة في المشافهة واجتناب التوثيق والتدوين.
أما وصف المؤلف لعصر التدوين الذي يبشر به بأنه جديد ، فإنه ينم عن تواضع علمي واعتراف بمجهودات الذين سبقوه في هذا المضمار ، ويشير الى انه انما يريد ان يبني على الأسس التي وضعوها. فمما يمكن الاشارة اليه في هذا الباب اعمال مثل: كفاح جيل لاحمد خير ، وموت دنيا لعبد الحليم محمد ومحمد احمد محجوب ، وملامح من المجتمع السوداني بجزئيه لحسن نجيلة ، ومن نافذة القطار ومن حقيبة الذكريات لعبد الله الطيب ، ورواد الفكر السوداني لمحجوب عمر باشري ، والمذكرات المنشورة لعدد من صناع الأحداث ومعاصريها منذ فجر الحركة الوطنية مثل خضر حمد ، و أمين التوم ، وأحمد محمد يس وغيرهم ، ومؤلفات بروفيسور عون الشريف قاسم ، ومؤلفات الأستاذين شاموق ومحمد محمد أحمد كرار ، فضلا عن مؤلفات طائفة من اساتذة التاريخ والعلوم السياسية بالجامعات السودانية المختلفة ، وانتهاء بحوارات الأستاذين عمر الجزلي والطاهر حسن التوم بالتلفزيون في برنامجيهما الشهيرين على التوالي: أسماء في حياتنا ، ومراجعات وهلم جرا.
•    من يمن الطالع ان المقال الأول من هذه المجموعة يتعلق جزئيا أو بصورة غير مباشرة بسيرة استاذ الأجيال العلامة الراحل بروفيسور عبد الله الطيب. وعلى الرغم من ان المقال يتحدث عن (حارس) الساعي والنادل السابق بمكتب البروف ، إلا ان المقال يبرز صورا بالغة الدلالة عن تواضع عبد الله الطيبة وانسانيته ولين جانبه واريحيته وروح الدعابة غير المتكلفة لديه ، ومن ذلك ان البروف رحمه الله كان قد طلب من حارس في أول يوم التحق فيه حارس عاملا بمكتبه بالجامعة ، طلب منه أن يصنع (اثنين شاي ) ، واحد للبروف والآخر ل (سيادتو ) كما قال له البروف.  فإذا بسيادته المقصود لم يكن شخصا آخر سوى حارس نفسه الذي استمتع بارتشاف الشاي في حضرة البروف فطابت نفسه بذلك ، ولازمه من بعد ملازمة طويلة حتى فرق بينهما القدر.
•    في معرض مقاله الذي استعرض فيه وقائع الندوة التي خصصت لمناقشة تراث الاستاذ الرائد حسن نجليه عليه رحمة الله ، والتي كان لي شرف المشاركة فيها ، نسب  المؤلف إلى كاتب هذه السطور أنه قال في مداخلته معلقاً على اشارة حسن نجيلة الى انتشار السلاح في غرب السودان منذ اوائل ثلاثينيات القرن الماضي ابان فترة عمله ببادية الكبابيش ، إن انتشار السلاح كمعلومة وردت في كتاب ذكرياتي في البادية لها علاقة بخلفية الصراع الدائر في كردفان الآن ( انظر صفحة 29 من الكتاب). والواقع هو أنني لم اقل كردفان وإنما قلت دارفور ، وكان ذلك في معرض تحليلي لسياسة المستر مور طاغية كتم التي عقد لها حسن نجيلة فصلا بحاله في كتابه المذكور. وقد كانت تلك السياسة بلا ريب سياسة تعسفية متسلطة ولا أشك الان في انها لم تكن من بنات افكار مور لوحده وانما كانت وليدة الدهاء الاستعماري الانجليزي العتيد انطلاقا من مركز الادارة الاستعمارية بالخرطوم نفسها وربما بتشجيع منها. لقد كانت سياسة بعيدة المدى هدفت الى تكريس الانقطاع والفرقة والشتات بين مكونات المجتمع الدارفوري منذ ذلك التاريخ ، وما الذي حاق بدار فور خلال السنوات الأخيرة إلا الثمار المرة لذلك الغرس الخبيث. ولذلك فقد دعوت كما قال المؤلف محقاً إلى ضرورة قراءة تلك الجزئية من كتاب ذكرياتي في البادية بعين معاصرة ، فإنها تنطوي على حدس وإرهاص مستبصر من قبل ذلك الكاتب الطليعي ، وإن شئت الرسالي الشفيف والبعيد النظر لكثير مما هو كائن الآن.
قالت إحدى شاعرات الكبابيش تحرض فتيان قبيلتها على تحدي المستر مور وسياسة المنطقة المقفولة التي فرضها على مركز كتم:
عسكر مور يا ام ضرعة
بقولك شربة ووجعة
أب هدارةً قرعة
فوق مداغتا بترعى

ثم قالت لهم وهي تعني الناقة كناية عن سائر قطعان قبيلتها من الإبل:

مدتْ لا تكسوها
ودارت الغرب امغوها
الدّرما إن ما لقيتوها
قجة مور ارعوها

•    في المقال الخاص بالشريف زين العابدين الهندي ، رأى المؤلف في الشريف زين رحمه الله والتيار الذي يمثله تجسيدا لما أسماها  بمأساة قوى الوسط في الحياة السودانية بأجيالها المختلفة منذ ارهاصات مؤتمر الخريجين وحتى الان ، وذكر في ذلك جملة من العوامل ، ولعله أغفل ولعله لم يشأ ان يذكر من بين تلك العوامل واحداً من اهمها ألا وهو ما لاحظه غير واحد من الباحثين والمراقبين من تنامي نفوذ القوى الحديثة يسارا ويمينا وخصوصا التيار الاسلامي الحركي منه والسلفي داخل الكلية الاجتماعية والسوسيولوجية التقليدية للتيار الاتحادي وعلى حسابه على مستوى الطبقة الوسطى وكذلك بين سكان وسط السودان وشماله وشرقه.
•    كذلك لاحظت ان المؤلف لم يسائل الحكم الذي أطلقه الشريف رحمه الله حول كسب الاتحاديين خلال الديمقراطية الثالثة التي اعقبت انتفاضة ابريل 1985 ، والذي عزاه الشريف لما اسماها بحدوث مؤامرة ضدهم ، بينما الواقع هو ان السبب الرئيسي في خسارتهم النسبية كان هو تعدد المرشحين في الدائرة الواحدة مما قد يفسره بعض المراقبين او الباحثين بالأحرى بنوع من ضعف الانضباط التنظيمي.
•    لاحظت أن مضمون الكتاب يعبر بصفة عامة على الرغم من الطول النسبي للحيز الزمني الذي يغطيه ، يعبر عن قدر كبير من الراهنية كما يقال والتصوير الصادق لملامح المرحلة التي نعيشها الآن من تاريخ السودان ، وذلك حتى عندما يتطرق لبعض القضايا الثقافية البحتة ، ناهيك عن القضايا السياسية الشائكة وأزمة الهوية وما إلى ذلك. فلقد استوقفني قي هذا السياق قول السيد الامام الصادق المهدي في المقال المخصص له بعنوان: " الصادق المهدي بعيدا عن السياسة " استوقفني قوله" " الشعر القومي كالريف من المهمشات . فالريف والبادية فيهما درجة أعلى من اهمال لصالح الحضر ، وهذا يحتاج لتصويب. فالحركات المختلفة الموجودة الآن تعبر عن ضرورة الاهتمام بالذي سقط عن الاهتمام في الماضي " ثم يمضي الامام قائلا: " حبذا لو أكمل الجهد العظيم الذي قام به المرحوم عون الشريف قاسم ( معجم الفاظ اللهجة السودانية ) فنحن محتاجون لموسوعة التراث الأدبي السوداني غير المكتوب " الخ. وهذه لعمري دعوة في غاية التقدم والاستنارة تحسب لصالح السيد الإمام.
على أن القارئ السوداني المعاصر خاصةً ، لا بد أنه سوف يتوقف عند مفردتي التهميش والحركات الواردتين في هذا الاقتباس بصفة خاصة ، وذلك بحسبان انهما قد باتتا من أبرز ألفاظ القاموس السياسي والاجتماعي المعاصر في السودان خلال المرحلة الحالية.
•    كذلك أطربتني غاية الطرب تجليات الامام الصادق الفنية الواردة في ذات المقال ، وحسن تذوقه لغناء الحقيبة وخصوصا لجهة استبصاره آثار وعقابيل ماتريركية ذات جذور قديمة في التاريخ والثقافة السودانية  تتجلى في شعر الحقيبة الذي قال إنه ينظر الى المرأة بوصفها اميرة او سلطانا ذا مهابة ، وأورد للتدليل على كلامه جملة من الشواهد في غاية الروعة من غناء الحقيبة ، ولعله قد ند منهه ان يذكر من بينها قول سيد عبد العزيز ( الجبرة فيك بتخيل بت حامي الحمى الما حام حداها دخيل ) او قول الآخر ( هيبة أسد في عيون شدن ) في الأغنية الشهيرة .. اقيس محاسنك بمن الخ
•    المقال عن السيدة الدكتورة امينة فيفيان ياجي تحت عنوان: " حفيدة ماري انطوانيت تدرس الفقه بالجامعة الإسلامية " امتعني وزادني احتراما وتقديرا لهذه السيدة ، كما زاد حصيلة معلوماتي عنها وعن سيرتها الوضاءة ، وكنت ( والشيء بالشيء يذكر ) قد نشرت  قبل نحو عام مقالا بعنوان: ( قصة سيدتين ) على غرار عنوان رواية تشارلس ديكنز ( قصة مدينتين ) خصصته للسيدتين امينة ياجي وجوهرة غرزيلدا الطيب ارملة العلامة عبد الله الطيب. وقد كنت على علم بأن الدكتورة امينة ياجي قد ترجمت عددا من المؤلفات في تاريخ السودان وفي الفقه الاسلامي وفي الحديث النبوي ، فضلا عن الاحاجي السودانية ، ولكنني لم اكن اعلم انها قد ترجمت ايضا طائفة من الاعمال الابداعية السودانية الى اللغة الفرنسية مثل مسرحيات المك نمر ونبتة حبيبتي وخطوبة سهير وتاجوج والمحلق كما يعلمنا هذا الكتاب.
 في حوار المؤلف مع الاستاذ بدر الدين سليمان ذكرني قول الاستاذ بدر الدين  في معرض حديثه عن ال production sharing  بالنسبة للبترول ما سبق ان قرأته من قبل اما نقلا عن بدر الدين او ابراهيم منعم منصور او وزير آخر من وزراء مايو انهم قد استفتوا عبد الله الطيب حول ترجمة عبارة (البرودكشان شيرينق) الى العربية فافتاهم بترجمتها بقسمة الانتاج ، ذلك بان الاقتسام يعني التساوي في الأنصبة ، بينما القسمة لا تقتضي المساواة بالضرورة بين شركاء كثيرين ، واستشهد بقوله تعالى " فإذا حضر القسمة " الآية. وبهذه المناسبة ، سمعت مرة المطرب الأستاذ صلاح مصطفى يقول في مقابلة تلفزيونية أن لجنة النصوص والألحان بالإذاعة كانت قد اعترضت على لفظة " إحساسة " من قصيدة شهير للشاعر الرقيق محجوب سراج تغنى بها وهو قوله " كل إحساسة في ضميري تقول أحبك " الخ . قال: فاتصلت بعبد الله الطيب هاتفيا فأكد لي فصاحة كلمة " إحساسة " ، فتأمل !.  
•    أما الحوار مع الراحل البروفيسور محمد عمر بشير فقد استوقفني فيه بصفة خاصة ما اورده البروف على لسان المؤرخ البريطاني الكبير ، ورائد مدرسة المقاربة و التحليل القائمين على استكناه المعطيات والأبعاد الحضارية ، آرنولد توينبي بأن السودان هو " الساحة التي يجري فوقها اختبار حاسم ، وهو هل سيتمكن أبناء افريقيا المنحدرون من أصول عربية من التعايش والتعاون مع أبناء افريقيا المنحدرين من أصول زنجية ؟ وهذه النقطة تمثل ايضا واحدة من تجليات راهنية هذا الكتاب ، وملامسته لاكثر انشغالات الوطن والأمة السودانية الحالية حدة والحاحا.
•    ولما كان ذلك الحوار مع الراحل بروفيسور محمد عمر بشير قد نشر بعد اندلاع انتفاضة ابريل 1985 بشهرين فقط ، فقد خطر لي ان ألاحظ في هذا المقام أن البروفيسور محمد عمر بشير – ونحن في معرض الحديث عن الذاكرة والتدوين والتوثيق – قد حرص على جمع كل الوثائق المتعلقة بانتفاضة ابريل وملابساتها ، وقد كان يحض تلاميذه بمعهد الدراسات الأفريقية والآسيوية حينئذ على جمع تلك الوثائق ، ولعلها ما تزال مودعة بفضل توجيهه ذاك في أرشيف المعهد خدمة للباحثين في الأجيال المعاصرة والقادمة.  
•    وإن كان لي في الختام ما أقوله عن أسلوب الأستاذ محمد الشيخ حسين في هذا الكتاب ، فإنني اود ان أقول بانه أسلوب جمع بين الرصانة ، وسلامة الأداء اللغوي ، والاسترسال والتدفق ، والسلاسة ، والحس الفكاهي ، وهذاالأخير يتجلى بصفة خاصة في جملة من المجازات والتشبيهات والصور البلاغية الواردة في الكتاب ، و المستوحاة من عالم الطرب والغناء العربي منه والسوداني على حد سواء ، مما يدل على تذوق المؤلف للفن الغنائي ، واستيحائه حتى في تضاعيف اعقد القضايا الفكرية والمعرفية والسياسية ، وأكثرها قتامة ، فكأنه ( حزنان وواعي ) كما يقال ، وهي لعمري ذات طريقة المرحوم محمد طه وحسين خوجلي ،والى حد ما طريقة الدكتور عبد اللطيف البوني.
ومن ذلك أنه وصف البروفيسور عبد الله حمدنا الله بأنه قد نشأ " في أضابير حركة إسلامية رشيدة كانت تمنح منتسبيها آنذاك الوعي المبكر والعاطفة النبيلة " ، ولا يخفى انه قد أخذ هذا التعبير من قول الكابلي وغنائه:

حراسك يا حالم الحيا والفضيلة
والوعي المبكر والعاطفة النبيلة

وكذلك ختم المؤلف مقاله " وقفة على أطلال مدينة سودانية خالصة " هي ام درمان ن ختمها بقول عبد المنعم عبد الحي الذي يتغنى به حمد الريح:

لو إنسان صبح قصة
انا القصة يا ام درمان
بين اليقظة والأحلام ..