عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
أوحت لي مظاهر الحفاوة والترحيب الكبيرين اللذين قوبلت بهما المغنية السورية الشابة " زينة أفتيموس " ، إحدى نجوم برنامج " استار أكاديمي " التلفزيوني الشهير ، لدى زيارتها للخرطوم مؤخراً بدعوة من وزارة الإعلام السودانية ، والهيئة القومية للإذاعة والتلفزيون ، للمشاركة في الفعاليات المقامة على هامش اجتماعات الجمعية العمومية لاتحاد إذاعات الدول العربية ، أوحت لي باستبصار ملمح شديد الخصوصية ، وواضح الدلالة على الشخصية السودانية.
والسبب في هذا الإعجاب الشديد ، وهذا التقدير الغامر ، اللذين كانا السبب في تلك الحفاوة الظاهرة من قبل السودانيين من مسؤولين وجماهير بهذه المغنية السورية الشابة ، التي ربما لا تكون شهرتها بذاك حتى داخل وطنها "سوريا" نفسها ، ناهيك عن باقي بلدان العالم العربي ، هو أنها قد لامست في تقديرنا وتراً " وطنياً " ، لا شك في وطنيته ، في هذا الزمان الذي يقال إن الوطنية قد أفل نجمها فيه ، وآذنت شمسها بغروب في زمان العولمة التي هي عدو ( الوطنية ) اللدود بامتياز. بل هي في الواقع عدو وطنيات بعينها فقط  ،فلا تكونن من الممترين. أو كما قال جورج بوش الثاني: Make no mistake about it .
وقد تمثل ذلك الوتر الوطني السنخ الذي مسته هذه الفتاة السورية الصغيرة ، ذات الأذن الموسيقية المرهفة والرحبة الإحساس الذوقي ، في أنها قد أدت أغنية لرائد المدرسة الغنائية الحديثة في السودان ، المرحوم الأستاذ إبراهيم الكاشف ، هي أغنية " أسمر جميل " ، وذلك من خلال حفل ساهر مشهود أقيم في سوريا قبل بضعة أسابيع ، وقُدمت فيه نماذج للغناء في سائر البلدان العربية ، حيث وقع اختيار زينة افتيموس على رائعة إبراهيم الكاشف " أسمر جميل " فأدتها أداءً رائعاً بمصاحبة جوقة موسيقية كبيرة ومقتدرة ، مما استثار إعجاب السودانيين جميعهم ، سواء كانوا داخل السودان ، أو مقيمين في بلاد الغربة والشتات ، فطفقوا يتبادلون ذلك المقطع الذي تؤدي فيه الفنانة زينة  ذلك الأداء المعجب عبر مختلف وسائط الاتصال الحديثة. وقد كان مصدر إعجاب السودانيين ودهشتهم أيضاً ، هو أن الفنانة الشابة زينة قد كانت وفية لخصائص السلم الموسيقي الخماسي الذي تقوم عليه الموسيقى والغناء في السودان ، وهو ما يخالف الذائقة العربية العامة ، التي تميل إلى موسيقاها التقليدية إلى الاعتماد على ما يسمى بالمقام والسلم السباعي. هذا فضلاً عن أنّ زينة افتيموس قد عملت بصنيعها ذاك على كسر حلقة الجمود والتنميط الذي ظل مضروباً ردحاً من الزمان على الغناء السوداني لدى المتلقي العربي بصفة عامة ، والذي لم يشأ قطاره أن يغادر محطة " إزيكم كيفنكم " و " المابو السوداني " اللتين لا يعتبرهما المستمع السوداني من جيد الغناء السوداني البتة ، ولا من جيد غناء سيد خليفة نفسه الذي تغنى بهما منذ خمسينيات القرن الماضي.
إن هذا الاحتفاء بهذه الشابة ، وهذه الحفاوة التي قوبلت بها إلى درجة أذهلتها هي نفسها ، حيث أنها قد جرى استقبلاها بقاعة بصالة كبار الزوار بمطار الخرطوم ، داخلة بلا ريب في تقديرنا في هذا الإحساس المتعاظم بالأنا الجماعية لدى السودانيين ، وهو – على كل حال – إحساس إيجابي ، بل هو بكل تأكيد مظهر من مظاهر الوطنية ، وهو يعبر بالتالي عن روح الامتنان والتقدير لكل من يقدر متعلقات ومحفزات هذه الأناء  الجماعية حق قدرها ، في مختلف المجالات وعلى مختلف الصعد . غير أن هذا التضخم في الأنا الجماعية او " النحن " ، يقابله من ناحية أخرى – كما نلاحظ - ضمور أو تضاؤل في الأنا الفردية في الشخصية السودانية.
ذلك بأن المشهور عن الفرد السوداني ، بحكم البيئة ، والتربية ، والمزاج العام ، أنه إنسان متواضع ، يؤثر الخمول ، وعدم الظهور ، ونكران الذات ، وعدم الميل إلى التباهي الشخصي والتفاخر بالمآثر والمنجزات. وهذه كلها صفات ورثها الفرد السوداني عن الجو الصوفي ، أو المزاج الصوفي ، وكذلك من جو البداوة الذي يشكل الخلفية الأساسية للمشهد الفكري والسوسيولوجي السوداني ، وهذا ملمح قد أفاض فيه غير واحد من الكتاب والباحثين الذين عرضوا للشخصية السودانية وخصائصها ، لعل من أبكرهم الشاعر محمد المكي إبراهيم في كتابه " الفكر السوداني: أصوله وتطوره " الذي صدر في عام 1965 م.
ولهذا السبب بعينه – كما يقولون – قل التأليف ، وإصدار المصنفات عند المثقفين والعلماء و المتعلمين السودانيين ، على الرغم من أن أعداداً كبيرة من هؤلاء قد بلغت شأواً عظيماً في سائر مجالات العلم والإبداع. ذلك بأن " من ألف فقد استهدف " ، كما يقول المثل العربي ، بمعنى أن من ألفّ صار هدفاً ومحل تركيز للظهور والشهرة ، ومن ثم صار هدفا للتناول بالنقد مدحا أوقدحا.
ولهذا السبب أيضاً ، اشتهر عن السودانيين أنهم لا يحسنون تقديم انفسهم أفرادا ، ولا يحسنون تسويقها كما يقولون ، فترى الواحد منهم لا يحسن كتابة سيرته الذاتية عند التقديم لوظيفة ما ، فهو لا يستقصي جميع التفاصيل المتعلقة بمؤهلاته العلمية وخبراته العملية ، كأن يثبت أسماء جميع المصنفات التي ألفها ، او الأوراق العلمية والأبحاث التي كتبها ، أو المؤتمرات التي شارك فيها ، أو اللغات الأجنبية التي يعرفها ، أو البلدان التي زارها الخ ، وذلك مخافة أن يقال عنه ( أو تقول عنه نفسه التي بين جنبيه عبر الرقابة الداخلية ) أنه مزهو بنفسه ، أو أن يوصف بأنه " فشار ".
على أن في مقابل ذلك يتميز السودانيون بحساسية مفرطة تجاه كل ما يحسون أنه يمس كرامتهم كمجموعة او كأمة أو كشعب ، كأن يستهتر بهم أناس أو جماعة ما ، أو واحد من البشر  كائناً من كان ، أو يسخر منهم ، أويستهزئ بهم سواء في سحناتهم ، أو ملامحهم ، أو عاداتهم ، أو أزيائهم ، أو لهجتهم.
فعندما شاع قبل بضعة أعوام أن مغنٍ شاب من دولة شرق أوسطية ، قد تجاسر وأساء إلى النساء السودانيات ، ووصفهن جميعاً بالقبح ، انبرى له إخوان عزة وأخوال فاطمة مدرجو العاطلة ، وهبوا في وجهه هبة رجل واحد ، من داخل الوطن وعبر الأسافير ، فلم يتركوا له شقاً يرقد عليه.
تقول لي شنو
وتقول لي منو ؟؟؟!
كما عبّر شاعرهم: سيد احمد الحردلو.
فهذه " النحن الجماعية " المتضخمة ، في مقابل تلك " الأنا الفردية " المتضائلة ، هي راسخة وقديمة في الشخصية السودانية ، وفي الوجدان السوداني ، وهي ذاتها التي تحدو بمذيعاتنا وبمذيعينا – على سبيل المثال – أن يبادروا كل من يلتقون به من الأجانب الذين يزورون السودان بأسئلة من قبيل: ما هو انطباعك عن السودان والسودانيين ؟ ، أو ما هي انطباعاتك عن سياحتك ومشاهداتك في عاصمتنا الخرطوم ؟ الخ .. وهي أسئلة قد تبدو ساذجة ، أو محرجة ، او إيحائية تهدف إلى محض استمطار الثناء على السودان وعلى أهله ، ولكنها في المحصلة النهائية ، أسئلة تنم عن وطنية ، وعن اعتداد بالنحن الجماعية التي أشرنا إليها ، وهي أسئلة تلقى هكذا ، وكأنّ لسان حال من يلقيها يقول بالنيابة عن قومه: " أها شنو ليك ... أها .. قولك شنو فينا ؟!! ".
نحن ولاد بلد نقعدْ نقوم على كيفنا
في لقى في عدم دايماً مخرّف صيفنا
نحن أبْ خُرُسْ بنملاه وبنكرم ضيفنا
نحن الفي الرُّقاب دايماً مجرّبْ سيفنا
أبشروا بالخير ..