عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.  
يستضيف السودان بعد أقل من أسبوع من الآن في مدن الخرطوم وأم درمان وودمدني وبورتسودان ، فعاليات الدورة الثانية لبطولة كأس الأمم الافريقية لكرة القدم للاعبين المحليين ، بعد أن كانت النسخة الاولى من هذه البطولة الجديدة من نوعها ، قد جرى تنظيمها في ساحل العاج في عام 2009 م.
وسوف تشارك في هذه البطولة منتخبات وطنية لستة عشر دولة افريقية ، ستتبارى  فيما بينها ، مقسمة على أربع مجموعات تضم كل واحدة منها اربعة منتخبات موزعات على المدن السودانية الاربع المذكورة.
وعليه ، فسوف يكون السودان بإذن الله ، محط أنظار الملايين في شتى أنحاء العالم لمدة ثلاثة أسابيع تمتد من الرابع من شهر فبراير ، وحتى الخامس والعشرين منه ، لكي يشهدوا من على ثرى أرضه حدثا كبيرا ومدويا ، وخصوصا مفارقا لما درج الناس على سماعه ومشاهدته وقراءته عن السودان منذ سنوات خلون ، إذ ظلت معظم الاخبار والحوادث التي تتعلق بالسودان ، أو تدور بداخله ، ويعمد الاعلام العالمي الى ترويجها عنه ، تتمركز حول الوقائع والتطوات السياسية والاقتصادية والبيئية ، مع الميل الملحوظ نحو تكريس الجانب السلبي أو الكارثي من تلك الوقائع والتطورات ، بينما ندر جدا أن اهتم الاعلام العالمي باي حدث ثقافي او رياضي ، على سبيل المثال ، اذا كان ذلك الحدث ذا صلة بالسودان.
ربما بدت هذه الرؤية موغلة في الذاتية ، إن لم نقل إنها ؤية غارقة في المقاربة العاطفية لطبيعة الإعلام من حيث هي ، سواء كان ذلك الإعلام عالميا او محليا. بمعنى ان الاعلام من حيث هو ، وفي كل مكان وزمان ، إنما يقتات على السلبي والمفارق والمثير ، ويتجانف عن الايجابي والعادي والمألوف. فهو – على نحو ما - مثل الشعر الذي يكون أعذبه أكذبه كما يقال ، أو قل هو مثل النميمة ، أو ما صار يعرف مؤخرا ب " الشمار " في مجالس الانس ، التي يعبر السودانيون عن دورهما المزعوم في إضفاء نكهة سردية مميزة ، ومفعمة بالغواية على الأنس ، بقولهم في مثلهم الشعبي " القطيعة عنكوليب الحديث ".
ولا تغرنك عبارة أهل الاعلام الشائعة: اذا عض كلب إنسانا فان ذلك ليس خبراً ، وانما الخبر هو ان يعض الانسان كلبا ، ذلك بانهم اذا علموا على سبيل المثال ، ان الف كلب قد عضت عشرة آلاف شخصا في مدينة ما ، مما تسبب في استشراء حالة سعر وبائية على نطاق واسع ، لأرجفوا بهذا الخبر ، وطاروا به وأذاعوه على الفور ، وجعلوه على صدور نشراتهم وصحائفهم ، فتأمل.
هذا ، وما يزال الضعفاء والمهمشون في شتى أنحاء العالم ، يشتكون من أن إعلام الأقوياء والمتنفذين لا يأبه عادة بإنجازاتهم ومحاسنهم ، بل يحرص في المقابل على إبراز إخفاقاتهم ومعايبهم. وهو لعمري ذات الإحساس الذي حدا بدول العالم الثالث مجتمعة ، إلى المطالبة من خلال منظمة اليونسكو في عهد مديرها العام الأسبق السنغالي الجنسية ، البروفيسور أحمد مختار امبو ، بقيام نظام إعلامي عالمي جديد منذ سبعينيات القرن العشرين ، يهدف الى اصلاح الخلل ، ومعالجة انخرام التوازن في تدفق الأخبار ونشرها على مستوى العالم ، تلك المطالبة التي كلفت البروفيسور امبو منصبه في نهاية الامر كما هو معروف.
مهما يكن من أمر ، فإن استضافة السودان لهذه المناسبة الرياضية القارية الهامة ، لهي مزية نادرة من شأنها أن تتيح للبلاد فرصة ثمينة لتقديم صورة إيجابية عنها ليس من الناحية الرياضية فحسب ، وإنما أيضا من النواحي السياسية والامنية والاقتصادية والسياحية والاجتماعية والاعلامية والثقافية ، حيث من المتوقع أن يتقاطر على السودان آلاف اللاعبين والاداريين والاعلاميين والصحفيين والمشجعين الافارقة ، علاوة على قيادتي الاتحادين الدولي والافريقي لكرة القدم وغيرهم من كبار المدعوين ، وذلك على الرغم منأان مصدر القلق والاشفاق فيما يلي الاستغلال والتوظيف الاعلامي لهذا الحدث الضخم ، يظل حتى الآن ، هو عدم وضوح الرؤية حتى هذه اللحظة بالنسة لتحديد القناة ، او القنوات الفضائية الاجنبية ذوات المشاهدة العالية ، التي سوف تتولى نقل فعاليات هذه البطولة إلى اكبر عدد من المشاهدين على مستوى العالم ، وخصوصا الدول الافريقية ، اذ ان ذلك وحده هو الكفيل بضمان نجاح هذه البطولة ، وتحقيقها للاهداف التي يعلقها السودان عليها ، في ظل هذا الظرف الدقيق الذي بات يمر به هذا الوطن المبتلى والصابر.
على أنني كنت أود على المستوى الشخصي ، أن لو أتاحت لي الظروف الفرصة لشهود هذه المناسبة العظيمة كفاحاً من داخل أرض الوطن ، ولكن ظروف العمل خارج البلاد ، قد حالت دون ذلك مع الأسف. ذلك بأن من النادر تكرار مثل هذا الحدث في غضون سنوات قليلة ، علما بان آخر مناسبة مماثلة ، ألا وهي استضافة السودان لنهائي بطولة كاس الامم الافريقية ، قد تمت في عام 1970 م ، وهو تاريخ بعيد نسبياً ، ولا احتفظ انا وابناء جيلي الا بذكريات قصية وغائمة عنه ، وعن تلك البطولة التي اقيمت فيه ، وقد كنا وقتها أصيبية صغارا ، فضلا عن أننا كنا نقيم في الاقاليم ، حيث لم يكن ثمة تلفزيون آنئذٍ. ولم تتبق لنا من تلك المناسبة غير ذكرى خافتة تلفها حجب  كثيفة من تطاول الزمان ، وغفلة الطفولة وغرارتها ، ما تزال تحمل لنا طيف صوت علي الحسن مالك عليه رحمة الله ، وهو يعلق على المباريات من خلال المذياع ، ويردد عبارة كانت ، وما تزال تأسرني تركيبتها النحوية الطريفة: " في اللحظة الكان حيشوت ! " ، وهي مما أؤثر تسميته بالفعل الدال على المستقبل الناقص او غير المكتمل ، أو Incomplete future tense  .
وهكذا طفقت أحلم خلال الايام القليلة الماضية ، بقضاء أمسية شتوية رائعة باستاد الخرطوم – وما اروع شتاءات الخرطوم - ، حيث ستجرى فعاليات حفل افتتاح هذا العرس الافريقي البهيج كما نامل ، في وسط ثلة من الاصدقاء والزملاء الكرام ، ومن بينهم واسطة العقد ، اخونا السفير عمر صالح ، بقفشاته وتعليقاته الفكهة ، خصوصا وانه قد بلغني انه قد ضبط توقيت عطلته السنوية على ايقاع هذه البطولة. كيف لا ! ومثله يفعل ذلك. فقد هبط عينا فجأةً في صيف عام 1998 ، ونحن يومئذ بباريس ، مزوداأ ببطاقات وتصاريح دخول ما أنزل الله بها من سلطان ، والله وحده يعلم كيف حصل عليها ، حيث شهد نهائيات كأس العالم لكرة القدم التي أقيمت في فرنسا عامئذٍ.
وأشاهد بعين الخيال أيضاً ، من ضمن فقرات حفل الافتتاح ، بانوراما مصورة باستخدام مؤثرات الصوت والضوء ، تشتمل على مشاهد تبرز معالم تطور مسيرة السودان الرياضية في مجال كرة القدم تحديداأ مثل: مشهد افتتاح أول بطولة افريقية ، وهي تلك التي استضافها السودان في عام 1957 م ، مع إبراز صور رموز ذلك العهد من الرواد مثل الدكتور عبد الحليم محمد ، والمهندس عبد الرحيم شداد وغيرهما ، مرورًا بصور طائفة من رموز الكرة السودانية ، بأجيالهم المتعاقبة ، من لاعبين وإداريين وصحفيين ، وحتى مشاهير المشجعين مثل المرحوم ( الخزين ) ، مع مرعاة التوازن المطلوب ، وسائر الحساسيات المعوفة ، والتركيز بصفة أخص على إبراز دور السودان الرائد في تاسيس الاتحاد الافريقي لكرة القدم.
ولولا أنني علمت أن فقرة الغناء احتفاءً بهذه المناسبة في حفل الافتتاح ، قد عُهد بها إلى الفنان الكبير شرحبيل أحمد ، وهو من هو ، لسرحت مع خيالي كذلك ، ورأيت المطربين الشباب: جمال فرفور ، وعاصم البنا ، وعصام محمد نور والمجموعة ، وهم يلهبون المشاعر الوطنية ومن بعدها العاطفية ، برائعتي السر قدور وإبراهيم الكاشف: " أرض الخير افريقيا مكاني : و " يوم المهرجان " على التوالي ، ومن خلفهم الفرقة الموسيقية الماسية بقيادة المايسترو: محمد عبد الله محمدية.