عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
نشر صديقي الشاعر والأديب والبحاثة ، الأستاذ إبراهيم الدلاّل في الأسبوع الماضي ، مقالة ضافية بصحيفة (الأحداث) الغراء ، وكذلك بهذا الموقع الالكتروني المرموق (سودانايل) بعنوان: " السيمياء الجابرية بين الغوث الاحتياطي ومحجوب شريف " ، جاءت كالعهد بكتاباته دائماً ، غايةً في الفائدة والمتعة ، مع الجودة في الأسلوب الذي زاوج فيه بين طريقة القدماء في الاستطراد والاسترسال ، وطريقة المحدثين فيما يعرف بالتداعي الحر ، مع استدعاء جملة من الشواهد والاقتباسات التراثية ذات الصلة بالصورة أو الفكرة المعنية ، نثراً كان أو شعرا.
ولقد تتبعت أثناء قراءتي المستمتعة لهذا المقال الدسم ، بعض الألفاظ والعبارات والصور والأفكار التي خطها يراع صديقنا الدلاّل ، وعلقت عليها بالهامش ، فاجتمعت لي من ذلك جملة صالحة ، قدرت أنها ربما تكون صالحة – بعد إعادة ترتيبها وتنسيقها وصياغتها بالطبع – للنشر في شكل مقال تعقيبي على مقال الأستاذ الدلال ، وذلك من قبيل إغناء النقاش ، وتعميم الفائدة ، فكانت هذه الكلمة.
ولتكن البداية بالعنوان الذي اتخذه الأستاذ الدلال لمقاله: " السيمياء الجابرية بين الغوث الاحتياطي ومحجوب شريف " ، فهو عنوان قد يبدو مبهماً أو غامض الدلالة نوعاً ما. أما السيمياء ، فهي علم من علوم التراث الإسلامي القديم ، عُرف بأنه علم أسرار الحروف وخواصها ، أو هو ما يسمى أيضاً بعلم ( الأبجدي ) ، نسبة للحروف الأبجدية ، وما ترمز إليه من خلال ما ينسبونه إليها من قوى وخصائص خارقة ، يُزعم إمكانية استغلالها في التأثير المادي على الطبيعة والكائنات ، وخصوصاً تحويل المعادن الخسيسة إلى معادن نفيسة.
فهذه السيمياء – في مفهومها التراثي القديم – هي إذن ، أدخل في أبواب العرافة والسحر والشعوذة والمخرقة ، أو هي إن شئت ، ما يسمى بالكيمياء السوداء بعينها. ولذلك فقد كره بعض علماء السلف المسلمين الحديث عن هذا العلم ، وعدّه بعضهم مضيعة للوقت. على أنّ طائفة من جلتهم قد عرضت – مع ذلك – لهذه السيمياء في مؤلفاتهم ، كأبي حامد الغزالي ، وابن سيناء ، وابن خلدون ، ومن قبلهم العالم الكبير جابر بن حيان الذي توفي في سنة 200 هـ ، وقد اشتهر بممارسة هذه الصنعة ، بعد أن كان قد برع من قبل في علم الكيمياء ، بل كان أحد رواد هذا العلم الأفذاذ ، على مدار تاريخ البشرية.
ومن هنا جاء وصف الأستاذ الدلاّل للسيمياء بالجابرية ، نسبة لجابر بن حيان. أما (الغوث الاحتياطي) ، فهو مجرد لقب أطلقه الدلال على شيخ ثمانيني ، قابله الكاتب في سوق ( ود عكيفة ) بمدينة الأبيض منذ سنوات ، كان متعلقاً بهذه الصناعة ، ومتطلباً لأسرارها ، وهو الفكي عبد الله إسحق المسيري. ولا شك أن وصفه ههنا بالغوث مأخوذ من عالم التصوف ، ومن مقامات الترقي في مدارج السالكين ، التي يكون الغوث عادة في ذروتها كما هو معلوم.
أما (محجوب شريف) ، فهو الشاعر الغنائي والوطني السوداني ، المبدع والملتزم المعروف ، والذي أقحمه الكاتب إقحاماً – في تقديرنا – في خضم عالم السيمياء والكيمياء هذا ، بقرينة مفادها أنه شاعر مبدع وفنان ، أو أنه ( من جواهرجية الشعراء ) كما وصفه الكاتب ، بحيث أن العبارات والألفاظ البسيطة التي يوردها في مقاطع شعره الآسر ، تستحيل إلى مصاغات فخيمة هي السحر الحلال ، أو السهل الممتنع بعينه ، مثلما يحول السيميائي القدير الخزف أو الحديد العادي بحجر الإكسير ، إلى نضار لامع يخطف الأبصار.
أما أنا ، فقد آثرت أن يكون عنوان مقالي التعقيبي هذا هو: " حيرة الدلاّل بين كيمياء لافوازييه ، وسيمياء الفكي عبد الله المسيري ". وإنما عمدت إلى ذكر لافوازييه مقروناً بالكيمياء ، لأنّ العالم الكيميائي الفرنسي الشهير: " انطوان لافوازييه  1743 – 1794 م " ، هو أحد أشهر الآباء المؤسسين لعلم الكيمياء الحديثة ، فضلاً عن أن له فيها قوانين و اكتشافات باهرة ، بينما كان علم الكيمياء من قبله ، لا يسير على هدى علمي أو منهجي ، بل يختلط فيه العلم التجريبي بالدجل والشعوذة ، بمثل ما أن علم الطب والسحر كانا قد خرجا من مشكاة واحدة في أصلهما المشترك القديم. وما زالت لغتنا الدارجة تحتفظ بذكرى ذلك التلازم التاريخي القديم بين السحر والطب ، في مادة " طبَّ .. يطبُّ " ، التي تجيء في لهجتنا العامية بمعى " سحرَ .. يسحرُ ". ومن ذلك قول الفنان الشعبي (عثمان اليمني ) في إحدى أغنياته:
عينيك فيها علم الطبْ
عينيك علمتني أحبْ
والحق هو أن الاشتقاق اللفظي ، وكذلك الدلالي والمعنوي للفظي الكيمياء والسيمياء يرجع إلى أصل بعيد واحد مشترك ، يعود إلى عصر الفراعنة في الموطن الأصلي للمعارف والعلوم: مصر القديمة التي كانت تُسمى " كمت " ، أي بلاد الأرض السوداء ، بسبب ما يترسب على واديها من طمي النيل الداكن. ومن " كمت " هذه – كما هو راجح – اشتقت كلمة كيمياء. وهذا الجذر "كمت" ، بمعنى: أسود أو داكن اللون ، موجود أيضاً في اللغة العربية ، ومنه الصفة " كُميت " بمعنى الحصان ذي اللون الأسود. قال امرؤ القيس في المعلقة:
كُميتٌ يزلّ الخف عن حال متنه         كما زلت الصفواء بالمتنزل
هذا ، وقد كان " امحوتب " الكاهن والمهندس والفلكي والطبيب المصري الشهير ، وباني هرم (زوسر) المدرج ، كان معروفاً بالنبوغ المذهل في الفيزياء والكيمياء والسيمياء والسحر جميعا ، وربما كان هو نفسه رائد سائر هذه العلوم الخفية.
ويخبرنا المشتغلون بعلم أصول الألفاظ ، وتاريخ استعمالها ، وتطور اشتقاقاتها ، وهو مايسمى بال Etymology ، أن من " كمت " المصرية القديمة هذه ، اشتقت طائفة من الألفاظ ، منها كلمة " قبط " ، ثم دخلت منها عبر الإغريقية ، إلى سائر اللغات الأوروبية ، جميع الألفاظ التي تدل على اسم " مصر " ، مثل الكلمة الإنجليزية Egypt على سبيل المثال.
ومما يدلك على وحدة أصل لفظي (السيمياء) و ( الكيمياء ) ، حتى إلى وقت عصرنا الحالي ، هو أنّ رواية " الخيميائي " بالخاء المنقوطة  أو The Chemist الشهيرة ، للروائي البرتغالي (باولو كويلو ) ، التي نشرت لأول مرة في عام 1988 ، يتم تعريب عنوانها أيضاً ب " السيميائي " بالسين. ولعل الاسم " خيميائي " بالخاء المعجمة ، له صلة دلالية باسم مصر في اللغة الإسبانية وهو " إيخبتو " والله أعلم.
عرض الأستاذ الدلال في مقاله إلى مرجع هام في علم السيمياء القديم ، هو كتاب " أبجد العلوم " ، دون أن يشير إلى اسم مؤلفه. والواقع هو ان هذا الكتاب هو من تأليف الشيخ العلامة الأستاذ " صديق حسن خان القنوجي البخاري " المولود في عام 1832 م ، والمتوفى في عام 1889 م.
وعاب الأستاذ الدلاّل على عالم اللغويات السويسري الأشهر (فرديناند دي سوسير 1857 – 1913 م) ، تبنيه لمصطلح السيمياء ، وإعادة استخدامه عنواناً لمبحث من مباحثه اللسانية ، وهو علم الإشارات او ( السيميولوجيا ). وعندي أنه لا بأس في إحياء هذا المصطلح العربي الأصل ، المشتق من كلمة (اسم) العربية ، والتي إنما هي في نهاية المطاف ، " دلالة " أو " رمز " على أي مسمى ، على لسان عالم وكاتب أوروبي مثل دي سوسير ، شريطة أن يحفظ لهذه اللغة الشريفة هذا السبق ، وهذا الفضل ، أو إن شئت هذه الملكية الفكرية.
نسب الكاتب ما أسماها بتغريبة كرستوفر كولومبس التي ارتاد فيها الدنيا الجديدة ن نسبها إلى البرتغال ، وكانه أراد ان يقول إن البرتغال ، أو على وجه الدقة إن بلاط ملك البرتغال هو الذي موّل رحلة البحار والمغامر الإيطالي كولمبس 1451 – 1506 م إلى العالم الجديد ورعاها. والصحيح هو أنّ من موّل تلك الرحلة الاستكشافية ورعاها ، هما الملكة ايزابيلا وزوجها الملك فرديناند ملك إسبانيا.
ويعرض المؤلف بعد ذلك إلى ملمح طريف من ملامح الفولكلور السوداني العام ، والكردفاني الخاص ، عندما يسرد خبر مقابلته مع الفكي " عبد الله إسحق المسيري " ، بسوق " ود عكيفة " بالأبيض ، وكيف أنّ هذا الأخير قد تطلّب صناعة السيمياء هذه تطلبا حثيثاً ، غير أنه لم يظفر منها بشيء.
أما قصة وجود شجر الإكسير الذي يحيل الحديد إلى ذهب بجبل " أبو سنون " بغرب الأبيض ، فقد ذكرتني بحكاية كنا نسمعها ونحن صغار ، كلما سافرنا بالقطار ، ومررنا بمحطة العين ، وبمحاذاة جبالها القريبة من الأبيض. إذ غالباً ما كان ينبري أحد الركاب ليسرد على مجالسيه في الكمرة أو العربة ، حكاية شجرة الإكسير التي كان يُزعم أنها موجودة في أعلى قمة من سلسلة جبال (العين) ، بما في ذلك قصة النسور التي تحرسها. وربما زاد أن الحكومة قد أرسلت مرةً  سرية من القيادة الوسطى ، فأطلقت نيران بنادقها على تلك الشجرة ، ولكن الصقور انقضت على أوراقها المتحاتّة بفعل الضرب ، وأعادتها إلى أماكنها في أغصان تلك الشجرة المسحورة. وقد كانت تلك الحكاية تسحرنا غاية السحر بجوها العجائبي والخارق للعادة.
وأما " جبال اللوس " التي تشوّف الفكي عبد الله إسحق لأشجار الإكسير فيها ، فقد قيل إنها الجبال المحيطة بمدينة كسلا بشرق السودان ، وهي ذاتها المذكورة في المقطع الشعري الذي صدّر به الأديب الطيب صالح رواية " ضو البيت .. بندر شاه ":
الليل برد واللوس جبالو اتناطنْ
والبندر فوانيسو البيوقدن ماتنْ
بنوت هضاليم الخلا البنجاطنْ
أسرع قودع ، أمسيت والمواعيد فاتنْ

أما " شريم ميما " التي ذكر الدلاّل أن الفكي عبد الله قد قابل بها شيخاً من أهل المعرفة التامة بفن السيمياء ، فهي واحدة من مجموعة من القرى التي تقع ، قريباً من مدينة " بارا " ، تحمل كل منها اسم شريم ، بشين مكسورة وراء ممالة. وهذه " الشريمات " كما تجمع ، هي من أقدم القرى المأهولة في كردفان تاريخاً على الإطلاق كما بلغنا.
وأما " الصِميمة " بصاد مكسورة ، الذي بعث ذلك الشيخ التام المعرفة بالسيمياء الفكي إسحق في طلبه ، أي " فزّعه " كما قال الكاتب ( والفزعة تعني في العامية السودانية في هذا السياق بالذات: الخروج او الذهاب إلى الخلاء لجمع الحطب والقش ونحوهما ، ومنها فزعة حيران المسيد لجمع حطب نار القرءان ) ، فهو – أي الصميمة – عبارة عن نوع من القش دقيق الأعواد وناعم ، تبنى به أكواخ السكنى المخروطية ( القطاطي ) ، وله استخدامات أخرى ، ومنه جاءت أسماء عدة قرى في كردفان خاصة " أم صميمة ".
وينسب الدلاّل إلى الفكي عبد الله أنه كان كثيراً ما يردد " أبياتاً أوردها سيدي سكيرج ، تصف حال بعض أهل الكيمياء " ، وهي تلك الأبات التي مطلعها:
قد نكّسَ الرأسَ أهلُ الكيميا خجلاً    وقطّروا دمعهمْ ليلاً وقد سهروا
ولكنّ الكاتب لا يعرِّف القراء بسكيرج هذا ، ظناً منه – وهو العالم الخبير بأهل التصوف ، وخصوصاً أقطاب الطريقة التجانية التي ينتمي إليها – بأنهم يعرفونه سلفا. فنقول تماماً للفائدة: إنه الشيخ القاضي أحمد سكيرج المغربي الفاسي التجاني ، المولود في عام 1877 م والمتوفى في عام 1944 م. وهو أحد أعلام الطريقة التجانية ، وقد أخذها عنه من فضلاء أهل السودان ، كل من الشيخ مدثر إبراهيم الحجاز ، وابنه العلامة مجذوب مدثر الحجاز.
واستنتج الكاتب – وهو محق – بأنّ القاضي سكيرج قد نظر في قوله في الأبيات التي نسبها إليه وخصوصاً البيت الذي يقول:
تعلقوا بحبال الشمس من طمعٍ       وكم فتى منهمُ قد غرّهُ القمرُ
نظر فيه إلى قول الشاعر – ولم يسم ذلك الشاعر :
ما أنت أول سارٍ سرّهُ قمرٌ      ورائدٍ أعجبته خضرة الدِّمنِ
والحق أن هذا البيت منسوب إلى الحريري ، صاحب " المقامات " ، إذ ذكر ابن خلكان: " أن أبا محمد القاسم بن علي الحريري رحمه الله ، جاءه إنسان يزوره ويأخذ عنه شيئا. وكان الحريري دميم الخلقة جدا. فلما رآه استزرى خلقته ، ففهم الحريري ذلك. فلما طلب الرجل أن يملي عليه قال له:
ما أنت أول سارٍ غرّه قمرٌ    ورائدٍ أعجبته خضرة الدمنِ
فاختر لنفسك غيري أنني رجلٌ مثل المعيدي فاسمع بي ولا ترني

أما حكاية النبتة المضيئة التي (شفطتْ) الإبريق ، فإنها من البواعق المضحكة ، وقد انتهت بمثل ما انتهى إليه شيخ (شريم ميما) الذي قضى نحبه  قبل أن يُفضي إلى الفكي عبد الله المسيري بسر السيمياء ، انتهت بأن الرجل الذي عثر على تلك العشبة العجيبة ، قد اختفى هكذا ، ولم يُعثر له على أثر. وقد برّر الشريف حماه الله اختفاء ذلك الرجل ، بأنه قد حصل على بغيته من الذهب ، وانطلق به جذلان إلى اهله لا يلوي على شيء. ومن ثم فقد ضاعت فرصة نادرة – مثل غيرها من الفرص المشابهة الضائعة دائما – لإثبات جدوى هذا العلم السيميائي التقليدي ، والبرهنة على صحة فرضياته على أرض الواقع من خلال التجربة العملية.
ولا ينسى الأستاذ الدلال أن يعرض إلى ذكر صديقه الأثير ، الأمين كاكوم ، الذي وصفه بانه كان قد تعلق دهراً بهذه المعارف والعلوم الخفية ، او ما يسمى بال Esotericism ، ولم يحصل على طائل ، " ورضي من الغنيمة بما رضي به (حاروق) وغيره من الذين حفيت أقدامهم على سكك البحث الخشنة .. " أ. هـ
أما الأمين كاكوم ، أو " اللمين بدوي " ، فانا خاصةً أشهد بأنه كان بالفعل قد تعلق بهذه الأوهام حيناً من الدهر ، بل أذكر انه قد أسرّ لي مرة قبل سنوات ، أنه بصدد السفر إلى ود مدني لكي يجلب من شيخ هناك ، كتاب " الجلجلوتية " ، وهو من كتب القوم في هذا الباب ، وكان ينوي إطلاع الشاعر الدكتور المرحوم محمد عبد الحي عليه ، بعد ان كان الأمين فيما يظهر ، قد أغرى عبد الحي  بالاطلاع على هذه الخزعبلات. ولا أدري إن كان قد نجح في إقناع صديقه الآخر ، البروفيسور عبد الله علي إبراهيم في النظر فيها ، ولو من باب الانثروبولوجيا والفلولكلور اللذين يضرب فيهما هذا الأخير بسهم وافر كما هو معلوم. وما يزال الامين كاكوم يلاحقني ممازحاً بان أجلب له معي من السنغال بعضا مما يتوفر فيها من كتب وأسرار و " عروق " في هذا الخصوص ، وما يزال البحث جاريا.
وأما " حاروق " الذي شبه الدلال كاكوماً به ، فإنه درويش مجذوب ، عاش تجربة روحية مجهضة او خاسرة ، شبيهة نوعاً ما بتجربة بطل رواية " عزازيل " ليوسف زيدان. وقد كان حاروق هذا يلم بقريتنا ويتجول في عرصات سوقها الأسبوعية ونحن صبية صغار ، وهو " يترجم " ويتواجد بصوت له قعقعة مجلجة " ديْ .. دي .. دي .. دي ". وقد زعموا أنه كان من تلاميذ الشيخ العارف بالله " محمد وقيع الله " ، والد الشيخ البرعي ، وكانت له قصة طريفة يرونها عنه مع شيخه ود وقيع الله.
وبمثل ما اختتم صديقنا الدلاّل مقاله الماتع بالإعراب عن إعجابه الشديد بشاعرية الشاعر الأستاذ محجوب شريف ،الذي اعتبره محقّاً من سحرة البيان ، وحواة الكلمة ، و (جواهرجية الشعراء ) على حد تعبيره ، مدللاً على ذلك بمقطع من مرثية محجوب شريف للراحل عبد الكريم مرغني ، التي مطلعها:
في الزمن المكندكْ والحزن الإضافي
فإنني أؤمِّن بدوري على رأيه ذاك في شاعرية الأستاذ محجوب شريف الشفيفة والرشيقة والسهلة الممتنعة ، من مثل قوله منشداً في عشق السودان:

بناتك عيونِنْ صفاهن سمايْ
وهيبة رجالك بتسند قفايْ
أخلي الطريق اللي ما يودي ليكْ
أعاف الصديق اللي ما بهمّ بيكْ
وما بين ظلالكْ أفتِّش واكوسْ
أفتّش طفولتي وملامح صبايْ

يا للروعة ..!. بدأ بالرقة في وصف البنات اللاتي شبه صفاء عيونهن بصفاء سماء بلاده ، ثم انتقل إلى الشدّة فوصف الرجال ، فقال كلاماً يقفُّ له الشعر: " وهيبة رجالك بتسند قفاي " ، ولم يفعل مثل صنيع ذلك الشاعر الذي عمد إلى العكس تماماً ، فعابوا عليه قوله:
ألا يا أيها النُوّام ويحكمو هُبّوا     أُسائلكمْ .. هل يقتلُ الرجلَ الحبُّ ؟
وهل تأثر محجوب شريف المدرِّس في إيقاع هذه القصيدة وجرسها بأصداء ما ظل يدرس للتلاميذ من اناشيد مثل:
بلادي بلادي فداك دمي
وهبتُ حياتي فدىً فاسلمي .. أو قول الآخر:
طيور الرياض اصدحي بالغناء
وسرّي العناء وهات الهناء ؟؟!
إنه بالفعل من جواهرجية الشعراء.