عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
يوقفنا المؤلف في صفحة ( 91 ) من الكتاب على تخريج الفعل " تركَش .. يتركِش " بمعنى: " أمال ... يُميل " ، ومنها " تركش الطاقية  " ، ويقال أيضاً " شنّق الطاقية " بنون مشددة مفتوحة ، لغة فيها ، كناية عن الفتوة وبطر الشباب ، ورجح أن تكون تركش هذه  مشتقة من اسم ( التُركاش ) الذي هو: " كنانة السهام " في العامية السودانية ، وقال إن تركاش كلمة فارسية الأصل ، مشيراً إلى أن ابن واصل قد ذكر في كتابه " مفرج الكروب ": " الجنود المتركشة " ، أي أولئك الذين يحملون " التراكيش " أي جِعاب النشاب ، مثلما أن البلطجية الذين كثر الحديث عنهم مؤخرا مقرونا بأخبار الثورات والانتفاضات ، هم في الأصل: حملة البلطات جمع بلطة ، أي العصي الغليظة ، أضيفت لها اللاحقة: " جي " التركية الأصل ، والتي تفيد الصنعة أو نوع العمل الذي يمارسه الإنسان.
ويمضي المؤلف في تخريجه للفعل العامي السوداني " تركش .. يتركش " ، إلى ترجيح أن معناه مأخوذ من صورة التركاش الذي يكون منوطاً بالشق الأيسر للجندي ، محمولاً بسيور على الكتف الأيمن ، بحيث أنّ صورة التخالُف هذه هي التي أدت إلى معنى الإمالة في الطاقية المتركشة ، وبالتالي في كل جسم آخر يكون وضعه مائلاً ، أو غير معتدل الاستواء على قواعده.
قلتُ: هذا تخريج منطقي جدا ، ويعجبني بمناسبة ذكر " التركشة " هذه ، وصف الشيخ عبد الرحيم البرعي للشيخ محمد صالح البشيري رحمهما الله ، يمدحه في قصيدته التي مطلعها:
ذكراك تنعشْ  يا ساكن أم عِشْ
تحيا وفي ربوع الجنة  تعيش
والشاهد هو قوله:
عُكّازة الأعمى المتهتْرِشْ
والضّربو الفالجْ مِتّرْكِشْ
وهي من طريف نظم الشيخ البرعي المفعم ببليغ الكلم السوداني الأصيل. ومن ذلك قوله فيها يمدح الشيخ محمد صالح بالزهد والتقشف ، وبشدته على الظَلمة أيضا:
يكبُرْ ويحشْ   يرقد في الحر .. لا لحاف لا برشْ
درش اللاوب بى ليلو درشْ
دولابو طقش لعدونا طقشْ
على أنني أرى أنّ صوت الشين في حد ذاته ، يأتي في كثير من ألفاظ العربية الفصحى وكذلك العاميات ، محملا بمضمون دلالي يشي بالاضطراب وعدم الاستقرار ، أو ميلان الحال ، وهو التركشة بعينها. ومن ذلك ألفظ مثل: طفش ، طشّ ، نشّ ، كشّ ، تلش ، دقش ، هبش .. الخ ".
في معرض حديثه عن الاقتراع أو ( التسامي ) المعروف عند ألعاب الصبيان في السودان ، كتب المؤلف تحت عنوان: " مراجعة رأي " ما يلي في صفحة ( 101 ):
"لفت نظري الأستاذ عبد الله موسى يوسف من الأبيض ، في قذاذات وجذاذات السابقة: طرة وكتابة عند الاقتراع ( التسامي ) عند ألعاب الصبية ، إلى أنهم في الجزيرة يقولون: الروس الروس .. مرحب التروس ، بينما نحن نقلنا مرحب التيوس. ويذكر لي أنه سمع أهل ليبيا يقولون: تريس للرجل ، وتروس للرجال ، ويذهب إلى أن الأصل ما سمعه. والأمر عندي لا يعدو حرارة الاجتهاد ، إذ أذهب أن مراد قولنا ( تيس ) ، يذهب لمعنى الرجل القوي أو الرئيس ، تشبيهاً. هذا يناسب البادية وبيئة الماشية الغالية. ونذكر قصة ذاك الشاعر العربي الذي مدح الأمير واصفاً له بالتيس عند قراع الخطوب. فالأمر كما نرى لا يخلو من المدح الذي أراده للأمير وللتيس سواء ، ثم نشير: الكبش: الحمل إذا أربع ، معنى الكباش لغة: الأبطال ، والكبش: سيد القوم: ومثل هذا كثير ... " أ. هـ

ونحن نؤيد ما ذهب إليه المؤلف في أن الرواية الراجحة والشائعة لهذه العبارة التي يقولها الأطفال في السودان عند ( التسامي ) قبل انطلاق اللعب هي : " مرحب التيوس " ، وهي تأتي – كما قال المؤلف محقاً – في معرض المدح والإشادة.
على أن ما استوقفني حقيقة هو تعقيب الأستاذ عبد الله موسى ، وخصوصاً إشارته إلى ليبيا والليبيين. ذلك بأنّ لفظة ( تيس ) هي من الكلمات المستهجنة والمبتذلة في العامية الليبية المعاصرة كما علمنا ، والقوم هناك لا يتلفظون بها إلاّ في معرض الذم والتعريض. فإذا ما أرادوا الواحد من صغار المعزى ، قالوا " جَدي " ، أما إذا قالوا " تيس " ، فإنهم يعنون به في الغالب: الرجل المُستغفَل الذي تسلك حريمه سلوكاً منحرفاً بعلمه ورضاه ، أو بدون ذلك ، وهو ما يعرف بالديوث في الفصيح.
أما السودانيون ، فإنهم – كما هو معلوم – لا يستهجنون كلمة تيس هذه ، ولا يتحرجون من التلفظ بها في أي موطن ، ويستخدمونها بصورة اعتيادية في كلامهم ، بل إنها – كما ذكر المؤلف – تدل عندهم غالباً على معاني القوة والفحولة ، ومنها كثرة وصف الشعراء التقليديين ، أو شعراء الدوبيت ، وخصوصاً (الهمباتة) منهم لجمالهم ب " التيوس ".
على أن معنى الاستغفال - ولو إلى درجة ما - مرتبطاً بهذه التيسية  ، ليس غائباً بالكلية عن ذهنية السودانيين ، وذلك بآية ما أنهم يصفون بعض الناس الذين تسند إليهم بعض الوظائف من دون منحهم الصلاحيات التامة بان الواحد منهم: " ريّسوه وتيّسوه " ! ..
والواقع هو أن  شكل القرنين اللذين يكونان في التيوس عادةً ، قد ارتبط في كثير من الثقافات - وخصوصاً الثقافات الغربية -  برمزية الخيانة الزوجية. وتفسيره هو أن الزوج – كما يقولون - هو آخر من يعلم بخيانة زوجته التي يعرفها الآخرون ، مثلما أن التيس لا يرى قرنيه التي يراها غيره. وهذا المفهوم يوجد على سبيل المثال في شرح كلمتي: cuckold و cuckoldry على التوالي في اللغة الانجليزية. ومن هذا المفهوم  يرجح أنه قد اشتق رمز الإصبعين المنفرجتين اللتين تظهران في الصور الجماعية وخصوصا صور العرس من قبيل المزاح لدى الأوربيين ، وفيما بينهم ، وبمقتضى ثقافاتهم التي غلبت ، ثم اتبعهم الآخرون جهلا وغفلة وتقليدا ،بموجب ملاحظة ابن خلدون من أنّ المغلوب مولع دائماً بتقليد الغالب.. ونواصل إن شاء الله.