أما قصيدة البكاء فهي قصيدة نشرها مؤخرا على بعض المواقع الالكترونية الشاعر الكبير السفير الأستاذ محمد المكي إبراهيم بعنوان: " على طلل السودان " ، وهي قصيدة تاريخية في بابها بكل ما تحمل هذه الكلمة من معنى ، إذ أنها من النماذج النادرة وربما الفريدة للشعر العمودي التقليدي الخليلي التي سعى إلى الكتابة فيها هذا الشاعر الذي يعتبر من أساطين شعر الحداثة في السودان ، بل في العالم العربي بأسره كما هو  معروف.
وقد جاءت هذه القصيدة التي نود أن نعيد نشرها هاهنا لاطلاع أولئك الذين لم تتح لهم الفرصة لقراءتها ، جاءت منظومة على بحر " الطويل " ، جزلة الألفاظ ، متينة الأسر ، صادقة العاطفة ، موحية الرموز والكنايات التي اقتضاها تعبير الشاعر عن بعض ما اعتمل في وجدانه من بعض المواقف و الأحكام والإسقاطات ، بله الرؤى المفعمة بالنذر المفجعة أحيانا.
بلى ، قد لاحظنا أن نفرا من شعراء الحداثة العرب عندما ( ينزل ) عنهم عفريت الحداثة هذا أحياناً، فإنهم ينظمون شعرا عربيا تقليديا يكون في غاية الإتقان والروعة ، وفي الذهن نماذج مبهرة لشعراء مثل: بدر شاكر السياب ، ونزار قباني ، ومحمد الفيتوري ، ومصطفى سند ، ومحمد المهدي المجذوب وهلمّ جرا. ولعل الشاعر الذي يكون مجودا في كتابة الشعر التقليدي ، هو الذي يكون مبرزا في كتابة القصيدة الحديثة أيضا. وربما كان هذا هو بالضبط ما عناه عبد الله الطيب عندما قال في رثاء " محمد المهدي المجذوب ":

وجارى ذوي التجديد شأواً فبذّهمْ      ولا غرو ، إذ أنّ الأساسَ متينُ

لقد وقر في نفسي  منذ فترة في الواقع ، أن ود المكي شاعر مكتمل الآلة. وقد كنت أسعى إليه ونحن في الخارجية بالخرطوم ، فنتجاذب أطراف الحديث في ألوان شتى من الفكر والفن والأدب ، وكان يهش لي ويستقبلني بأريحية وود رغم فارق السن والوظيفة. وكنت ربما قرأت عليه بعض ما أكتب أنا أو يكتب غيري. وأذكر بهذه المناسبة أنني قد ذكرت له أن صديقنا المرحوم الأديب والصحافي حسن كفاح قد كتب مرثية في رئيس موزمبيق الأسبق " سامورا ميشيل " ، فقرأت له مطلع المرثية هكذا :

عينث فابكي وعويلْ    مات سامورا ميشيلْ
مات صنديد الضواري فقليل الصبر قد عيلْ

فصوبني محمد المكي قائلا: " فقليل الصبر عيل " بدون كلمة " قد" ، فأيقنت أنه عروضي شديد البصر بموسيقى الشعر ، بينما كنت أنا وما أزال " أتطعم " موسيقى الشعر كمن يأكل عنكوليبة ، هكذا بالسليقة. وربما أحسست في بعض الأحيان أن بيتا ما مختل الوزن ، حتى ولو كان لبعض كبار الشعراء مثل قول امرئ القيس في المعلقة:

إذا قامتا تضوّع المسكُ منهما      نسيم الصبا جاءتْ بريّا القرنفل

ففي ميزان إيقاعي الداخلي تبدو كلمة " تضوّع " مزيدة بحركة ما تجعلها قلقة شيئا ما أو مختلة الوزن في إحساسي الخاص. وربما سولت لي نفسي أنه لو قال " ضوّع " بدون التاء لكان أضبط وأسلم. ولا شك أن ذلك مني إحساس خاطئ ، أو أنه مجرد توهم ، بدليل ألا أحد من المختصين في هذا الشأن قد قال بذلك من قبل.
مهما يكن من أمر ، فلقد أعجبتني قصيدة محمد المكي إبراهيم هذه ، فانفعلت بها ، وجاريتها بقصيدة من ذات البحر والقافية ، سيجدها القارئ الكريم بعد قصيدة محمد المكي ، وليعذرني القارئ إذا قصر الصدى عن أن يكون مثل الصوت.

على طلل السودان
شعر: محمد المكي إبراهيم


خليليَّ هذا َربْعُ عزِّةَ هــــــــــــذه  رســـــومُ مغانيها وهذي ُطلولها
هنا كانتِ الأنسامُ تسري رخِيّةً   تقرِّبُ أغصـــــانَ المُني إذْ تميلها
وكانت عشيَّاتُ الحِمى ذاتُ بهجةٍ  يُدِلُّ بكاساتِ الســـــرورِ مُديلها
لقد نفذَ المقدورُ فيها فصوَّحــــــتْ بســـــاتينُها وانفضَّ عنها قبِيلُـها
فيا لكَ فيها من قبابٍ كواســــفٍ جرى بينها كالجدولِ الضحلٍ نيلُها
ويا لكَ فيها من حبيبٍ دفنتُه          برابيةٍ لا ُيســــتطَاعُ وصولُها
فأصبحَ رســماً دارساً وأضـْـــــــعتُهُ بيهماءَ قَفْرٍ لا يبينُ  ســـبيلُها
خليلي هذا ربعُ عَزَّةَ أنزِلا          نُخفِفُّ عن هذي القلوبِ حمولها
دعاني أُسرِّي الهمَّ عني بعبرةٍ        تبرِّدُ أضلاعي وتشفي غليلـها
بلطمٍ ولثمٍ  للترابِ وحثْوِهِ  على الرأسِ والاعضــــاءِ  فُلُّتْ فلولها
فكيف اصطباري إذ أراها صريعةً ولا قولَ لي في أرْشِها وُذحولها
وكيف هلاكي دونَها حيثُ لم يكـن قتالٌ ولم ينهضْ لحربٍ فحـــولها
لقد أسلموها هاربين وهرولوا        وما همَّهم من عُلْوِها أو سُفولها

سلامٌ عليها شدَّما كنتُ أرتجي      لأدوائـــــها طِباً  رؤوماً   يزيلها
فتصبحُ روضاً للإخاءِ وبيعةَ          يطيبُ لأيفاعِ اليمـــــامِ نزولها
لحى اللهُ قوماً مزقوها وأبعـــــــــــــدوا  شقيقين كانا  خُلُّةً   وخليلها
على طللِ السودانِ حِلًّ لك البكا        وحِلّ لأنهارِ الدموعِ   مسيلها
وما الدمعُ والحزنُ العقيمُ بنافعٍ            إذا  لم تُعبّى للطّراد خيولها
--------------------

على ربى السودان / قصيدة

تسلية للشاعر محمد المكي إبراهيم
تأليف: د. خالد محمد فرح

لعزة آثارٌ تلوحُ طلولًها    يقربها من سير المطايا ذميلُها
بكى الشاعر المكيُّ ولهانَ مشفقاً على عزّ لما أن تراءى رحيلُها
بكى يا لعمري وحق له البكا     مخافة أن تفنى ويغتالَ غولها
رثاها بلاداً ما تزالُ عزيزةً     برغم الأعادي قد تنادت فلولها
وما عزُّ إلا أرضنا وبلادنا         بلادٌ حداها للمعالي فحولُها
وعزُّ عروسٌ من حمى النيل زفَّها   لأسمى المراقي زينُها وعديلُها
بلادٌ لأصلِ الخير والفضل معدنٌ    إلى آخر الأزمان جُرّتْ ذيولها
وما زالت الفرسان فيها قد اعتلت   من الخيل جُرداً قد تعالى صهيلها
إذا شبّت الهيجاءُ ثار غضنفرٌ      وأرعدَ جاموسٌ وأرقلَ فيلُها
وصال فتاها في إباءٍ ونخوةٍ        وأطربَ شاديها وغنّى خليلُها
وغرد عصفورٌ على فرع بانةٍ      فأطربها شجواً  فهو زهواً يميلها
وهبّ دعاشٌ ينعش الروحَ عرْفُه    وجاشتْ سواقيها وأغدق نيلها
وزمجر فحلُ الرعد في الليل موهناً   بسارية سحٍّ تطمُّ سيولُها
بغيثٍ عميمٍ يملأُ الأرضَ وبْلُهُ         يهشِّ إليهِ مرْخُها وهبيلُها
فأينع  نخلٌ في الجروف وحنطةٌ     وأزهرَ ليمونٌ ونوّر فولها
وحنّتْ نياقٌ فاستجاشت لواعجٌ       وهيّج شوقاً للحمام هديلُها
فما هي إلا غمرةٌ وستنجلي           وينجابُ عنها كلُّ سوءٍ يهولها
وتعلو بها للعز والمجد رايةٌ     فيُكبتُ شانيها ويُكوى عذولها
وإنّ الذي يسعى ليقهرَ أمتي      كساعٍ إلى الشمّ الرواسي يزيلها
فما ظنت الأغيارُ في شأنٍ أمةٍ     لها اللهُ مولاها ، وطه رسولُها

khaled frah [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]
\\\\\\\\\\\\\\