عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
لعل من نافلة القول أن نقرر ابتداءً أن أساليب البيان العربي قد ظلت تشهد سلسلة من التغيرات الملحوظة والمتعاقبة بتعاقب الحقب التاريخية التي لا زمت مسيرة الكتابة والتأليف والإنشاء في اللغة العربية الفصحى ، منذ عهد انبلاج فجر الحضارة العربية الإسلامية في القرن السابع الميلادي ، وحتى زماننا هذا.
ولعل الأسباب الكامنة من وراء تلك التغيرات المتلاحقة ، تتمثل بصورة مجملة في سنة التطور التاريخي الحتمية ، التي لا مناص لأية ظاهرة اجتماعية منها ، وخصوصاً اللغات التي طالما وصفت بأنها مثل الكائنات الحية تماماً ، في ميلادها وطفولتها وشبابها وكهولتها وشيخوختها وموتها واندثارها ، أو بالمقابل: مقاومتها لعوامل الفناء وصمودها متى ما توفرت لها جملة من العوامل الموضوعية ، والخصائص الذاتية ، بما يؤمن لها نموها وازدهارها بالتالي ، وربما انتشارها على نطاق أوسع بكثير من موطنها الأصلي ، كما اتفق لبعض اللغات السائرة في عالم اليوم مثل: العربية والإنجليزية والفرنسية والإسبانية على سبيل المثال.
ولا شك في أن احتكاك أية لغة بلغة ما ، أو بعدد من اللغات الأخرى ، وتفاعلها مع تلك اللغات تأثيراً وتأثراً ، وأخذاً وعطاء، لهو من العوامل الأكيدة التي من شأنها أن تعمل على إضفاء المزيد من الغنى والحيوية والتنوع الخلاق ، وبالتالي القدرة على المزيد من الصمود والتطور والثراء بالنسبة لتلك اللغة ، وذلك في إطار الخصائص والمرجعيات الأساسية للغة المعنية ، شريطة ألا يؤدي ذلك إلى انطماس الشخصية الثقافية والحضارية المميزة لتلك اللغة ، بمعنى ألا تكون جدلية التأثر والتقارض المتبادل مجرد تبعية عمياء من دون وعي ، وبلا مراعاة لخصائص اللغة الأم نحواً وصرفاً ودلالة.
ولئن كانت اللغة العربية الفصحى- لحسن الحظ ، أو ربما  لسوئه – بحسب البعض - واحدة من اللغات النادرة التي ظلت تحتفظ بجل خصائصها التي ظلت تعرف بها على الأقل منذ القرن السادس الميلادي وحتى قرننا الحادي والعشرين هذا ، ولم يحدث لها ما حدث لعدد من اللغات الأخرى من اختلافات جوهرية في بنية ألفاظها ومدلولاتها ، وأساليبها ، ونحوها ، وصرفها ، وحتى هجائها عبر حقب مختلفة يعرفها المختصون على غرار ما تعرف بالإنجليزية أو الفرنسية القديمة والوسيطة والمعاصرة مثلا ، تلك الاختلافات التي جعلت من المتعذر على غير المتخصصين حتى من المتحدثين الأصيلين بتلك اللغات ، التواصل والفهم عن التراث القديم لأسلافهم السابقين لهم ببضعة قرون فقط ، فإننا نقول: على الرغم من كل ذلك ، فإن ألفاظ وتراكيب وأساليب اللغة العربية الفصحى ذاتها قد شهدت مع ذلك ، تغييرات ملموسة عبر الحقب المختلفة. فالأقدمون مثلاً لا يعرفون عن مدلول كلمة " الاستعمار " ما نعرفه عنها نحن اليوم. ففي الماضي كانت هذه الكلمة ذات مدلول إيجابي ذا صلة بمعنى النماء والتعمير ، وهو ما عبرت عنه الآية الكريمة من سورة (هود): " هو أنشأكم  من الأرض واستعمركم فيها " ، بينما أضحى مدلولها المعاصر يعبر عن معنى غاية في البشاعة والسلبية هو معنى الاحتلال والاستيطان في بلاد الغير ، وإذلال أهلها ، وانتهاب ثرواتها غصباً وقسرا ، فشتان ما بين المدلولين.
ونزولاً عند حكم سنة التطور التي أشرنا إليها آنفا ، وكمثال آخر على حقيقة تغير أساليب البيان العربي وتطورها مع الزمن ، فلعل أبناء جيلنا المعاصر قد يعجبون ، وربما يسخرون ويتهكمون عندما يقرءون أو يسمعون أن الهتاف الأشهر الذي كانت تردده النخبة المصرية المثقفة إبان ثورة 1919 م كان هو: " الاستقلال التام أو الموت الزؤام ! ". ذلك بان لفظة " زؤام " هذه قد أضحت من قبيل الكلم الحوشي والعتيق archaic   الذي لم يعد مطروقاً في الأساليب المعاصرة.
وغني عن القول كذلك أن أسلوب جمال الغيطاني أو صنع الله إبراهيم مثلاً ، يختلف عن أسلوب نجيب محفوظ ، وأن أسلوب نجيب محفوظ يختلف بدوره عن لغة وأسلوب المنفلوطي ، وأن أسلوب المنفلوطي ولغته يختلفان عن أسلوب رفاعة الطهطاوي ولغته ، وأن أسلوب ولغة هذا الأخير تختلف عن أسلوب القلقشندي أو ابن خلدون أو الحريري ، وهلم جرا وصعودا مع الزمان ، أو نزولا معه إلى زماننا هذا. 
على أن اللغة العربية – كما أسلفنا – ما تزال تمتاز بمزية الاستمرار والتواصل الدلالي والأسلوبي والمعرفي إلى حد كبير ، إذ ما تزال القشة فيها تقصم ظهر البعير. ولو أن أديبا وناقداً متقدم العهد مثل الجاحظ الذي عاش في القرن التاسع الميلادي قد بعث من جديد ، وأتيح له أن يقرأ رواية ليحي حقي ، أو جبرا إبراهيم جبرا ، أو الطيب صالح ، لما وجد مشقة في الفهم ، بل الاستمتاع بما يقرأ البتة.
لقد تأثرت أساليب العربية الفصحى المعاصرة بلا ريب بالأخذ والترجمة عن بعض اللغات الأوروبية. وقد اجتهدت مجامع اللغة العربية القائمة في بعض البلدان العربية ، فضلاً عن المؤسسات المعنية بالترجمة والتعريب - ما وسعها ذلك -  في تصحيح وتقويم وتجويز وتقعيد الكثير من تلك الترجمات ، حتى غدت جزءا لا يتجزأ من بنية اللغة العربية المعاصرة. وهي ألفاظ وعبارات تجل عن الحصر لكثرتها. فنحن عندما نكتب أو نردد على سبيل المثال عبارات من قبيل: " يذرف دموع التماسيح " ، أو " يبكي على اللبن المسكوب " ، أو " يصب الزيت على النار " ، فإنما نكتب أو نردد في الواقع عبارات أجنبية الأصل ، أو منقولة عن لغات أوروبية تحديداً ، ولكنها قد تعربت بالكامل ، وأضحت سائغة ومقبولة في البلاغة العربية المعاصرة.   
غير أن هنالك بعض العبارات والألفاظ التي فرضت نفسها بأخرة ، أو فرضتها بالأحرى الصحف ووسائل الإعلام الأخرى اعتباطاً داخل البلدان العربية ، ومن ثم التقطتها آذان المتعلمين ، وتلقفتها ألسنتهم وأقلامهم ، دون أن يمهلوا المختصين من أهل اللغة وحراسها الأمناء ، أو يتيحوا لهم الفرصة الكافية حتى ينخلوا تلك الألفاظ والعبارات بمنخل الرقيب اللغوي الحصيف والمدقق ، والذي يستند أساساً إلى قواعد اللغة العربية ، وخصائصها العتيدة نحواً وصرفاً ودلالة.
وهكذا طفقت الصحف ووسائل الإعلام العربية المعاصرة تردد مؤخراً طائفة من تلك الألفاظ والعبارات البينة الخطأ ، إما بسبب ضعف أساسي في الملكة اللغوية يعود بدوره لضعف عام في التعليم والتلقي ، ربما يعزى لضعف في المعلم أو المنهج والمادة أو كليهما معا ، أو بسب استخفاف وازدراء - لسبب ما - للحرص على سلامة الأداء اللغوي في اللغة العربية بصفة خاصة ، في الوقت الذي يكاد الواحد منا يذوب خجلا إذا ما أخطأ في هجاء أو نطق كلمة أو عبارة بأية لغة أجنبية ، وغالباً ما تنجم تلك الأخطاء اللغوية الشنيعة بسبب الترجمة الحرفية ، ومحاولة تتبع أساليب اللغات الأجنبية حذوك القذة بالقذة. وكمثال على ذلك ، هذا التركيب الذي صار فاشياً جدا في الآونة الأخيرة ، بل لعله أضحى مستطرفا ومستملحا جدا ، يقلد فيه المذيعون والمذيعات ، و (المثقفون والمثقفات ) بعضهم بعضا: " في ظل هكذا ظروف ! " ، بدلا من العبارة العربية الفصيحة والبسيطة والمباشرة: " في ظل ظروف كهذه ".
إن السبب في اصطناع هذا الأسلوب الركيك والخطأ هو بلا أدنى ريب ، الترجمة الحرفية من العبارة الإنجليزية Under such circumstances ، أو التعبير الفرنسي Sous des telles conditions  كلمة بكلمة. فكأن هذا التعبير الصحفي الجديد والمستظرف " في ظل هكذا ظروف " هو مجرد تعبير مقولب قولبة عمياء ، أو مصبوباً صباً جزافيا ، أو Calquée   كما يقال في الفرنسية ، في مواعين تعبيرية من لغة أخرى ، وذلك من دون أن تكون له أية مزية دلالية أو جمالية استثنائية تبرر مثل هذا التهافت الغريب عليه.
من الألفاظ الخطأ والنابية على الأسماع العربية السليمة الحس والإيقاع التي راجت مؤخراً ، وجعلت تتردد كثيراً في مختلف المقالات والتقارير الإخبارية والسياسية ، هو المصدر " دمقرطة " المشتق من الديموقراطية ، وهو تعريب منكر للفظ الأوروبي Democratization .
ومأخذنا على هذا الوجه الخاطئ من التعريب: " دمقرطة " ، هو أنه لا يجئ متسقاً مع الأوزان الصرفية لبنية ألفاظ اللغة العربية ، إذ أنه يجئ بهذه الصيغة مزيداً بحرف. فحقه أن يكون – إن كان لا بد من تعريبه بالاشتقاق من الاسم ديموقراطية – إما " دمرطة " ، أو " دقرطة " ، بحيث يأتي الفعل من هذين المصدرين" دمرطَ .. يدمرطُ .. دمرطةً " ، أو " دقرطَ .. يدقرطُ .. دقرطةً ". هذا إذا أمن اللبس بالطبع ، وتحقق فهم المدلول المقصود منهما بالنسبة للمتلقي ، وإلا فإن الأوفق والأسلم هو اللجوء إلى أساليب العربية في مثل هذه الحالات ، أي التوسل للتعبير عن هذا المعنى بعبارات من قبيل: " إحلال الديموقراطية " ، أو " إضفاء الديموقراطية " ، أو " إشاعة الديموقراطية " وما إلى ذلك.
لقد تسامحت مجامع اللغة العربية وعلماؤها في الواقع ، بل أقرت هذا النوع مما يسمى بالمصادر الصناعية أو الاشتقاقات ، متى ما كانت سائغة في الأسماع ، ومتسقة مع البنى الصرفية للألفاظ العربية ، ولذلك فقد جوزوا مثلاً القول ب " الصوملة واللبننة والأفغنة " ، كما اشتقوا من الحاسوب المصدر " حوسبة " ، وحتى " رقمنة " من Digitalization . أما " دمقرطة " هذه فلا نرى أن لها محلا من الإعراب بسبب اعتلالها الصرفي المنكر ، بمثل ما أن تعريب Governance بحوكمة رغم سلامة هذا اللفظ من حيث الوزن الصرفي ، إلا أنه بعيد المأخذ عن التناول وإدراك المعنى المقصود منه بسهولة ويسر ومباشرة في تقديرنا. ولذلك فإننا نرى أنه ينبغي أن يُصار إلى ترجمة ما تعرف بال World governance مثلا التي دُرج على تعريبها بالحوكمة العالمية ، أن يصار إلى ترجمتها بعبارات من قبيل: " إدارة شؤون العالم " أو " تسيير شؤون العالم " أو " تدبير الشؤون الدولية " مثلا ، إذ هذا هو المعنى المراد فيما نظن.
وهنالك لفظة ( صحفية ) معاصرة أيضاً ، نحسب أنها صنو " الدمقرطة " في البشاعة والنبو هي كلمة " أبلسة " ، ويقال " شيطنة " أيضا ، والتي تقال في معرض التعبير عن فكرة التشويه المنهجي والمتعمد والمغرض لصورة كيان ما ، بغرض التخويف من أو التنفير عنه ، كأن يُقال مثلا: " هنالك نزوع في الغرب نحو شيطنة الإسلام خاصة بعد أحداث 11 سبتمبر.. " الخ. فهاتان اللفظتان: ( شيطنة وأبلسة) ، ما هما في الواقع إلا ترجمة حرفية أخرى للفظ الإنجليزي Demonization  أو اللفظ الفرنسي Diabolisation .
وليست العربية بحاجة في تقديرنا لهذه الشيطنة والأبلسة للتعبير عن فكرة التشويه والافتئات المتعمد والمنهجي والمغرض على صورة كيان ما ، فبوسع الكاتب أو الخطيب أن يعبر عن هذا المدلول بعبارات من قبيل: " تشويه صورة شيء ما " ، أو " تبشيع صورة شيء ما " ، أو " نشر الأراجيف والتخرصات " حول شيء ما ، أو " التنفير عن شيء ما " وهلم جرا.
ومن الواضح أن لفظتي Demonization الإنجليزية ، وDiabolisation الفرنسية تمتاحان كلاهما من جذور الفكر والمخيال الديني المسيحي ، في الوقت الذي لا يعبر فيه المصدر " شيطنة " مثلا عندما يستخدم في اللغة العربية خصوصا في سياق غير ديني ، لا يعبر عن مدلول سلبي كامل السلبية بالضرورة ، وإن يكن موقع الشيطان وإبليس من الفكر العربي و الإسلامي هو ذات موقعه في الفكر المسيحي. ولهذا السبب في تقديرنا ، يتحاشى الكتاب والمترجمون الحذاق من رواد النهضة الأدبية الحديثة في العالم العربي أحياناً ، ترجمة التعبير الفرنسي Dessein diabolique   مثلا بمقابله الحرفي ( مخطط إبليسي أو شيطاني ) ، ويؤثرون التعبير عنه ب " خطة جهنمية ". ذلك بأن الشيطنة قد تعني في الفصحى ، وخصوصاً في معظم العاميات العربية المعاصرة ، نوعاً من الجرأة والجسارة ، أو " الفهلوة والحداقة " ، وربما الظرف وخفة الروح ، ولعل ذلك هو عين ما أراده جرير بقوله:
أيام يدعونني الشيطان من غزلي      وهُنّ يهوينني إذ كنتُ شيطانا     
khaled frah [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]