سنار مدينة عالمية في مطلع القرن الثامن عشر

تأليف: جى سبولدينغ

ترجمة: أحمد المعتصم الشيخ

اختيار وتقديم: خالد محمد فرح

مقدمة:
هذه المادة التي وقع اختيارنا عليها للنشر تعميماً للفائدة، نظراً لما تنطوي عليه من معلومات هي غاية في الأهمية والمتعة والطرافة  في بابها ، إذ أنها توثق بصورة علمية وتاريخية دقيقة ، للمدى البعيد الذي كانت قد وصلت إليه مدينة سنار ، عاصمة سلطنة الفونج الإسلامية في السودان 1504 – 1821 م ، من انفتاح تجاري وثقافي وبشري على العالم خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر الميلاديين ، بحيث أنها قد أضحت بحق إحدى العواصم " الكوزموبوليتانية " النادرة في معمورة ذلك الزمان ، تمثل في الواقع إعادة نشر بتصرف لبعض الفقرات الأولى من مقدمة الجزء الثاني من ترجمة كتاب The Heroic Age of Sinnar ، لمؤلفه الكاتب والأكاديمي الأمريكي المتخصص في تاريخ الممالك الإسلامية في السودان ، البروفيسور جى سبولدينغ Jay Spaulding ، والذي قام بترجمته إلى العربية السفير الدكتور أحمد المعتصم الشيخ تحت عنوان: " عصر البطولة في سنار " ، تلك الترجمة التي صدرت في العام الماضي 2011 م ، عن هيئة الخرطوم للصحافة والنشر.
لقد وصف المؤلف مدينة سنار بأنها كانت مدينة عالمية ضمناً وتصريحاً ، وفي أكثر من موضع في كتابه ، غير أن المادة التي نحن بصددها تبدو أكثر توسعاً ، وأشد تماسكاً ، وبالتالي فهي أوضح دلالة  على تأكيد درجة النمو الحضري الذي وصلت إليه المدينة في ذلك العهد. فمن ذلك ما جاء في صفحة 137 من الترجمة على سبيل المثال: " وفي فجر عصر البطولة أصبح الذهب يتدفق إلى خارج البلاد عن طريق التجارة الشمالية والشرقية ، وظل برغم ذلك محتفظاً بدوره كعملة في بندر سنار الدولي .. الخ ".
وفي الحقيقة فإن بعض المصادر الوطنية ككتاب طبقات ود ضيف الله على سبيل المثال ، وهو عمدة المصنفات لتاريخ تلك الحقبة بلا ريب ، يشي بعض ما ورد فيها أحياناً ، بتلك الحالة من الازدهار والانفتاح الثقافي والحضاري والتجاري والسكاني التي كانت تعيشها عاصمة الدولة السنارية في ذلك العهد. إذ يقول الشيخ ود ضيف الله – على سبيل المثال - في معرض ترجمته للشيخ " عمار ود عبد الحفيظ " ، وهو من مشايخ القرن السابع عشر الميلادي ، ومن مواطني مدينة سنار ما يلي:
" وأما عمار ، فقدمت طالب زيارته ، فوجدت الخيل والبغال والحمير متحاوشاه ، وفي بابه نعلات الصرموجة والفونجاوية والعربية. ودخلت عليه ، فوجدت الناس حلقاً حلقا. ناس يتحدثوا بتجارة الحجاز ، وناس بالغرب ، وناس بالصعيد ، وناس بحوش الملك ، وهو بينهم شايل سبحنه يسبح .. " أ. هـ ( الطبقات لمحمد النور بن ضيف الله ، تحقيق يوسف فضل حسن ، دار جامعة الخرطوم للنشر ، الطبعة الثانية 1974 م ، صفحة 262 ). فهؤلاء الناس الذين كانوا ينتعلون نعالا مختلفة الأشكال والأسماء ، لا بد أنهم من جنسيات مختلفة ، كما أن النص يشير إلى أنهم قد قدموا على مدينة سنار من أماكن مختلفة ، وربما بلدان مختلفة أيضا.
ذلك ، وقد اعتبر الشيخ رفاعة رافع الطهطاوي ، في كتابه " تخليص الإبريز في تاريخ باريز " ، عن رحلته لفرنسا ومشاهداته فيها في عشرينيات القرن التاسع عشر ، اعتبر مملكة سنار من ضمن الممالك المتحضرة ، في مقابل البلدان المتبربرة على حد تعبيره ، أو المتخلفة في العالم في ذلك الوقت. وهاهو البروفيسور جى اسبولدينغ يكشف لنا من خلال هذه السطور التي نود اقتطافها من ترجمة سفره القيم ، عن تلك العظمة ، وذلك التحضر ، وذلك الانفتاح ، وتلك السمعة والمكانة العالمية التي كانت تتمتع بها مدينة سنار:
المتن:
" ... كان تركيز التجارة الخارجية في العاصمة واضحاً في عام 1701م ، إذ أشار أحد الرحالة إلى أن سنار من بين كل حواضر إفريقيا ، هي الأقرب لأن تكون أكبر مدينة تجارية ، وتصل القوافل إليها تباعاً من القاهرة ، ودنقلا ، والنوبة ، وعبر البحر الأحمر من الهند ، وإثيوبيا ، ودار فور ، وبرنو ، وفزّان ، وممالك أخرى. وبعد القاهرة ، فإنها واحدة من أكثر المدن سكاناً ، وكل يوم يقام سوق في ميدان (الفاشر) أمام قصر السودان ، وبأجود ما يكون التنظيم. ( قصر سلطان سنار الذي شاهده بعض الرحالة الأوروبيين الذين رافقوا حملة إسماعيل باشا إلى السودان في عام 1820/1821 ، مثل الفرنسي فريدريك كايوه ، كان يتألف من خمسة طوابق. وقد دونوا ذلك في مذكراتهم – الزيادة بين القوسين هذه من عندنا ، استكمالا للصورة ).
شملت مجموعة الأجانب المتنوعة في العاصمة أشخاصاً من مصر ، وإثيوبيا ، ودار فور ، وليبيا ، والمغرب ، وغرب إفريقيا ، والحجاز ، واليمن ، والهند ، وسوريا ، وفلسطين ، وتركيا ، وأرمينيا ، واليونان ، ويوغوسلافيا ، وإيطاليا ، وفرنسا ، وألمانيا ، والبرتغال. ولما لم يكن الأجانب من أصحاب المناصب الموروثة في الكيان السياسي في سنار ، فقد كونت فئة اجتماعية خاصة بهم. وارتكازاً إلى افتراض أن كل الأجانب هم تجار ، أُطلق عليهم جميعاً لفظ " خواجات " ، وتعني التجار الكبار حسب التعريف المعاصر في ذلك الوقت ، وهو تعبير استمر استعماله خلال عصر البطولة ، عندما كان الأجانب قليلي العدد ، ودام اللفظ حياً في الدارجية السودانية إلى اليوم. والوضع التفضيلي ل " الخواجات " ظاهر في التعليق الذي أبداه واحد منهم بأن سنار كانت مدينة حرة ، وان في إمكان الأشخاص من أي جنسية أو ملة ، أن يعيشوا فيها بلا عوائق. عُرفتْ مكانة "الخواجة" في القانون العرفي للفونج بمصطلح محدد ودقيق ، إذ ينص على أن تكون عقوبة الاعتداء على "الخواجة" أربعة أمثال عقوبة الاعتداء على الفرد من الرعايا. وأُردتْ مقبرة خاصة لغير المسلمين – في الغالب مسيحيون – من "الخواجات" الذين يتوفون في سنار ، وكانت ممتلكات الخواجة المتوفى تُسجل وتُحفظ إلى أن يطلبها أهله أو شركاؤه الذين يخطرهم في بلادهم البعيدة وكلاء حكومة الفونج. كان الخواجات يوضعون تحت رعاية عدد من كبار رجال البلاط ، وعلى كل أجنبي وافد إلى السلطنة أن يختار واحداً من النبلاء الأربعة الكبار في البلاط كراعٍ لشؤونه. والنبيل ملزم بمساعدة الأجنبي في كل المصاعب والمحن ، يوفر له مكاناً للإقامة ، ويقدمه إلى السلطان ، ويمثل مصالحه هناك ، وبلا شك يراقب عن كثب كل نشاطاته. وكان أيضاً من مهامه  الإشراف على نشاطات الخواجة التجارية....
..... كان السلطان كبير التجار في سنار وفقاً للاتفاق العام ، يبادل الذهب والعاج والعبيد والزباد وقرن الخرتيت ( الكركدن أو وحيد القرن – الشرح من عندنا ) المجلوبة من المناطق الجنوبية لسلطنة الفونج. وقيل إنه يمارس احتكاراً نظرياً على إنتاج الذهب ، ويستأثر بنصف العبيد الذين يقعون في أيدي " السُلَطية " ، ويبدو أنه يأخذ نصف العاج أيضاً ، كما توحي الممارسات المتأخرة في ذات الإقليم.
.... ومن رجاحة العقل أن يحرص السلطان على عودة الخواجات إلى بلدانهم راضين ، وعلى أن يفي أيُّ واحد من الرعايا بما عليه للخواجة في مقابل ما اشترى ، مهما كان وضعه ، عالياً أم دونياً ، ويتولى السلطان من خلال مندوبيه إنفاذ شروط المعاملة. وحين يحصل الخواجة على البضائع السودانية في مقابل البضائع المستوردة التي جلبها ، يبدأ إجراءات المغادرة. ويُعلِم السلطان أو وكيله التاجر بالبضائع المناسبة للاستيراد في الرحلات المقبلة ، ويمنحه هدية وداع. وأحياناً تكون الهدية صغيرة ذات قيمة رمزية في الأساس ن ولكن السلطان يشجع الخواجة في أحيان أخرى على قبول مُقدَّم لشراء كميات من سلع الصادر ، وبذلك يضمن خدماته المستقبلية. وفي كلا الحالين ، عندما تُختم المفاوضات  ، يمنح السلطان الخواجة إذناً بالمغادرة ، وغالباً ما يكون مكتوباً في مقام وثيقة السفر. وعندها ينضم التاجر إلى قافلة مسافرة إلى الخارج، ويغادر السلطنة كما وصل إليها تحت رعاية السلطان.
..... ولا تنقطع أرباح السلطان من الخارج بعودة القافلة، فهو يحتفظ بوكلاء أعمال دائمين في المدن والمراكز الأجنبية الرئيسية، يقتنون البضائع نيابةً عنه، وكان هؤلاء الوكلاء موجودين في مصر طوال القرن الثامن عشر، وكذلك في جدة وإثيوبيا، وفي أماكن أخرى على الأرجح. وفضلاً عن اقتنائهم البضائع الأجنبية للملك ، كانوا مكلفين باستقطاب الأجانب الذين لديهم بضائع أو مهارات ذات قيمة خاصة ، فيستقدمون إلى سنار جيلاً جديداً من التجار الخواجات ، وأطباء ، وصانعي ساعات ، وصانعي سيوف ، وصانعي بنادق ، وعلماء مسلمين. وعند وصول هؤلاء الوافدين إلى العاصمة، يُخصص لهم راع يُشرف على شؤونهم، وينالون إعفاءً من الضرائب، ويُلحقون ببلاط السلطان، وهنا كما في المواضع الأخرى من المحيط السلطاني في التبادل، يهيمن السلطان على التجارة من خلال هيمنته على الأشخاص الذين يمارسونها... " انتهى الاقتباس باختصار. 



khaled frah [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]