بسم الله الرحمن الرحيم

عشق مصر في ديوان الشعر السوداني

محاضرة قدمها الدكتور خالد محمد فرح سفير السودان بفرنسا بالمركز الثقافي المصري بباريس مساء الجمعة الموافق 19 اكتوبر 2012م


مقدمة:
حضرات السيدات والسادة الحضور الكريم ، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، ومرحبا بكم جميعا في هذه الأمسية السعيدة ، وأرجو أن أزجي لكم من الشكر أجزله على تكبدكم المشاق ، رغم ارتباطاتكم ومشاغلكم الكثيرة والمتنوعة ، من أجل حضور هذه المحاضرة التي أتشرف بتقديمها بمقر المركز الثقافي المصري بباريس ، هذه المؤسسة الثقافية العربية الرائدة والمرموقة ، بل هذه الشرفة العالية ، والكوة المضيئة التي تطل وتشّع من خلالها الثقافة المصرية بصفة خاصة ، والثقافة العربية على وجه العموم في أبهى حللها ، على مجمل الفضاء الثقافي الفرنسي والأوروبي ، انطلاقاً من عاصمة النور والثقافة ، باريس.
وأرجو أن تسمحوا لي بادئ ذي بدء أن أخص بالتحية والشكر الدكتور محمود إسماعيل مدير المركز الثقافي المصري ، والدكتورة أمل الصبّان المستشارة الثقافية بسفارة جمهورية مصر العربية بباريس ، على ما بذلاه من جهد مقدّر  من أجل تمكيني بكل أريحية من تقديم هذه المحاضرة الثقافية.
كذلك أرجو أن أشكر أصحاب السعادة السيدات والسادة السفراء العرب وممثليهم على تفضلهم بتلبية دعوتنا لحضور هذه التظاهرة الثقافية ، وأرجو أن تسمحوا لي بأن أخص بالشكر سعادة السفير محمد مصطفى كمال ، سفير جمهورية مصر العربية الشقيقة بباريس على حرصه الشخصي على حضور هذه الأمسية وتشريفها ، والشكر موصول بطبيعة الحال إلى أسرة السفارة السودانية ، وإلى أفراد الجاليات العربية الحاضرين ، وخصوصا الجاليتين المصرية والسودانية ، فضلا عن رواد المركز الثقافي المصري من المستعربين الفرنسيين وغيرهم من الجنسيات الأخرى.
السيدات والسادة ، الحضور الكريم:
إن الموضوع الذي ندبتُ نفسي للحديث حوله في هذه الأمسية ، ألا وهو " عشق مصر في ديوان الشعر السوداني " ، لعله يكون واحداً من تلك المسائل التي هي من قبيل البديهيات ، أو من نوافل القول ، التي لا تتطلب مجهوداً كبيراً من أجل تقريرها وإثباتها. وإنما قصدت من الحديث في هذا الموضوع ، محض التنبيه والتوثيق والتذكير ، فإنّ الذكرى تنفع المؤمنين.
ذلك بأن الهيام بمصر ، ومدحها ، وذكر محاسنها ، والتغني بمآثرها وأمجادها ومغانيها ، لهو من الموضوعات الملاحظة والثابتة ، التي ظلت تسم ديوان الشعر العربي بأسره ، وعبر مختلف العصور المتعاقبة إلى الآن ، وخاصة منذ أن أضحت مصر ، بعد الفتح الإسلامي في القرن السابع الميلادي ، أرض الكنانة ، ومستودع قوة العرب والمسلمين ، ورمز عزتهم ، وعنوان حضارتهم ، والكهف الذي يلجأون إليه في الملمات ومدلهمات الأمور.
وبالطبع ، فإن الشعراء السودانيين ، أو المعاصرين منهم على الأقل ، لم يكونوا بدعاً في حب مصر والوله بها أسوة بالشعراء العرب الآخرين – ذلك بأن قصة تاريخ علاقة السودان بمصر ، ومحاولة استكناه جميع صور وخصائص تلك العلاقة ، بما في ذلك أبعاد العلاقات الثقافية التي نشأت بينهما منذ فجر التاريخ ، حكاية تطول بطول تاريخ تلك العلاقة الأزلية نفسها. وبالطبع فإننا لا نمتلك – مع الأسف - في الوقت الراهن نصوصا شعرية لشعراء سودانيين من حقبة ما قبل استعراب السودان ، في تمجيد مصر ، والتغني بمآثرها ، ولكن هذا لا يمنعنا من أن نفترض وجود مثل تلك النصوص سواء باللغة النوبية القديمة ، أو المروية أو الكوشية ، غير أننا نجهلها.
وقد اخترت ثلاثة شعراء سودانيين ، يمثلون ثلاث مدراس فنية وربما فكرية مختلفة ، تجلى فيهم ، وجمع بينهم حب مصر بصورة قوية وواضحة جدا.
الشيخ الأستاذ محمد سعيد العباسي:
أول هؤلاء الشعراء الثلاثة ، يمثل المدرسة التقليدية الكلاسيكية.  وهو الشيخ الأستاذ محمد سعيد العباسي ، المولود بقرية " عراديب ولد نور الدائم " بالنيل الأبيض بوسط السودان في العام 1880 والمتوفى في عام 1963 م. هو محمد سعيد اسم واحد ، والعباسي لقبه ، وهو ابن محمد شريف ، بن نور الدائم ، بن الشيخ احمد الطيب البشير ، مؤسس الطريقة الصوفية " السمانية " بالسودان ، إحدى أشهر الطرق الصوفية بالسودان. ووالده الأستاذ محمد شريف كان شيخاً للمهدي الكبير " محمد أحمد بن عبد الله " ، قبل أن يستقل هذا الأخير بطريقته الخاصة ، ويقود ثورته الشهيرة في السودان ، خلال الربع الأخير من القرن التاسع عشر.
تلقى محمد سعيد العباسي في طفولته ومطلع صباه ، تعليماً دينياً تقليدياً في السودان ، ثم ارتحل إلى مصر في العام 1899 ، والتحق بالمدرسة الحربية بالقاهرة بقصد أن يتخرج فيها ضابطا ، إلا أنه ترك الدراسة بالمدرسة الحربية قبل التخرج. وكان قد لقي بتلك المدرسة أستاذاً مصرياً للغة والأدب العربي ، اسمه " الشيخ عثمان زناتي " ، هو الذي قربه وأدناه إليه ، واكتشف موهبته الباكرة في نظم الشعر ، فشجعه على ارتياد مجال الأدب والشعر ، فلم يزل العباسي مديناً لشيخه وأستاذه ذاك إلى آخر عمره. وقد قال فيه مترحّماً عليه في إحدى قصائده:
فيا رحمة الله حُلّي بمصر   ضريح الزناتيّ عُثمانيهْ
غذاني بآدابه يافعاً           وقد شاد بي دون أترابيهْ
ويعتبر محمد سعيد العباسي على نطاق واسع بين النقاد داخل السودان وخارجه أيضاً ، الباعث الحقيقي للنهضة الشعرية الحديثة في السودان ، فهو عندهم بمثابة محمود سامي البارودي في مصر تقريبا. وذلك بالنظر لقوة شاعريته المطبوعة ، وصفاء ديباجته ، وجزالة ألفاظه ، وصدق عاطفته ، ووضوح شخصيته الذاتية من خلال أشعاره.
تركت الفترة القصيرة التي قضاها العباسي بمصر أثراً قويا على نفسه ، وقد كان يومئذ شاباً نضراً غض الإهاب ، فأحبها حباً جما ملك عليه أقطار نفسه. ولم يقتصر ذلك الحب على تلك النواحي الرومانسية فحسب ، وإنما امتد لكي يؤثر حتى على آرائه ومواقفه السياسية أيضاً ، حيث كان العباسي من أشد المنافحين عن فكرة وحدة وادي النيل ، وقد عبر عن تلك المواقف والآراء شعرا في أكثر من مناسبة.
وفيما يلي ثلاثة نماذج من شعر العباسي ، الذي له ديوان مطبوع باسمه " ديوان العباسي " ، صدرت طبعته الأولى بالقاهرة في سنة 1948 ، توضح وتؤكد ما ذهبنا إليه من افتتانه بمصر:
أقصرتُ مذ عاد الزمانُ
أقصرت مذ عاد الزمان فأقصرا      وغفرت لما جاءني مستغفرا
ما كنت أرضى يا زمان لو انني      لم ألق فيك الضاحك المستبشرا
يا مرحباً قد حقق الله المنى           فعلي إذ بُلغتها أن أشكرا
يا حبذا دارٌ نزلت وحبذا              إبداع من ذرأ الوجود ومن برى
مصرٌ وما مصرٌ سوى الشمس التي      بهرت بثاقب نورها كل الورى
ولقد سعيت لها فكنت كأنما            أسعى لطيبة أو إلى أم القرى
وبقيت مأخوذاً وقيد ناظري          هذا الجمال تلفتاً وتحيرا
فارقتها والشّعر في لون الدجى      واليوم عدت به صباحاً مسفرا
إلى آخر القصيدة..
والنموذج الثاني قصيدة بعنوان " اسمعينا جنان " وجنان كانت مغنية مشهورة في العصر العباسي كنى بها الشاعر عن مصر ذاتها:
أسفري بين بهجة ورشاقه      وأرينا يا مصر تلك الطلاقه
ودعي الصب يجتلي ذلك الحسن  الذي طالما أثار اشتياقه
كلنا ذلك المشوق وهل في    الناس من لم يكن جمالك شاقه
أنت للقلب مستراد وللعين      جمال يغري وللشم طاقه
فتحت وردها أصائل آذار      وقد قرط الندى أوراقه
أنت عندي أخت الحنيفة        ما أسماك ديناً وما أجل اعتناقه
أنت ذكرتني ولست بناس      درَّ ثديٍ رضعت منه فواقه
وعراصاً نادمت فيها الردينيات   والسيف حمله وامتشاقه
في صحاب لا القلب يرضى بديلاً لا  ولا النفس عنهمو ملتاقه
ملكوا قوة البيان فجاروا   في ميادينه الفساح عتاقه
****            ****         *** إلى ان يقول:
أسمعينا جنان لحناً شجياً     ودعي معبداً دعي إسحاقه
واصرفي ساقي المدام فإنا     ما حمدنا أبريقه ومذاقه
قد سقى الأصفياء كأساً رحيقاً   وسقانا حميمه وغساقه
ما كقطع الوتين شر ، وشر منه أن تقطعوا بمصر العلاقه

وقال معرضا بالاستعماريين ومن كان يعتبر أنهم يسيرون في ركابهم في البلدين ، ويعملون ضد وحدة وادي النيل:
وما بي ظماء لكأس الهوى     فطوفي بغيري يا ساقيهْ
على نفر ما أرى همهم       كهمي ولا شأنهمْ  شأنيهْ
طلبت الحياة كما أشتهي       وهم لبسوها على ما هيه
شروا بالهوان وعيش الأذل ما استمرأوا من يد  الطاهيه
فباتوا يجرون ضاف الدمقس   وبت أجرجر أسماليه
ولو كان لي علم ما في غد       لما بعت مصر بسودانيه
ويا مار سيري ولا تُخدعي   فينتزع القرط يا ماريه
وقد زعم بعض شارحي شعر العباسي أنه قد كنى في البيت الأخير عن مصر ب " مارية " ، وعن السودان ب " القرط " يحذرها من أن ينتزع منها.
ثم يلتفت بقلب ملتاع إلى ذكريات شبابه في مصر ، وإلى أيام طلبه فيها قائلا:
ويا رحمة الله حلي بمصر   ضريح الزناتيَّ عثمانيه
غذاني بآدابه يافعاً           وقد شاد بي دون أترابيه
التجاني يوسف بشير:
أما ثاني هؤلاء الشعراء السودانيين الثلاثة المولعين بمصر ، فهو: " التجاني يوسف بشير " المولود بأم درمان في عام 1912 م ، والمتوفى بها في عام 1937 م. ينتمي هذا الشاعر إلى أسرة دينية تعود بجذورها إلى فرع الكتياب من قبيلة الجعليين بشمال السودان. درس القرءان الكريم ومبادئ القراءة والكتابة والحساب  بكتّاب جده القاضي الكتيابي بأم درمان ، والكتّاب كما في مصر وبعض البلاد العربية الأخرى ، هو ما يُعرف ب " الخلوة " أو " المسيد " بمعنى المدرسة القرءانية في السودان. ثم التحق شاعرنا التجاني بعد ذلك بمعهد أم درمان العلمي ، وهو ما يعادل المعاهد الأزهرية في مصر وفي بعض البلدان الإسلامية ، حيث تُدرس العلوم التراثية التقليدية ، مثل علوم القرءان الكريم والتفسير والحديث والفقه ، فضلا عن علوم العربية من أدب ونحو وصرف وبلاغة وغيرها. ومعهد أم درمان العلمي كان هو النواة التي تطورت ، فخرجت منها لاحقاً جامعة أم درمان الإسلامية الحالية.
وللتجاني يوسف بشير ديوان شعري واحد فقط بعنوان " إشراقة " ، طبع ونشر في مصر في أربعينيات القرن الماضي ، أي بعد مرور بضع سنوات على وفاة الشاعر ، الذي كان قد اختُضر وانطفأت حياته باكراً مثل اليراعة ، شأنه في ذلك شان نظرائه من عباقرة الكتاب والمبدعين مثل: آثر رامبو ، وأدجار ألان بو ، وشارل بودلير ، ولوركا ، وأبي القاسم الشابي.
وبمناسبة ذكر أبي القاسم الشابي ، فإن التجاني يوسف بشير كثيراً ما يقارن بأبي القاسم الشابي في النبوغ والعبقرية والمذهب الشعري الرومانسي ، وكذلك في الخلفية العلمية التقليدية المتشابهة ، وتمردهما كليهما على تلك الخلفية التقليدية ، وخصوصا لكون أن كليهما قد ماتا في نفس العمر تقريبا ، وفي تواريخ متقاربة جدا.
كان التجاني يوسف بشير شاعراً ذا رؤية صوفية وكونية عميقة ، بل إن هنالك من النقاد من اعتبره من المعتنقين لفكرة وحدة الوجود. ويستشهدون من أجل تأييد ذلك بقوله:
آمنت بالحسن برداً    وبالصبابة نارا
وبالكنيسة عقداً       منضداً من عذارى
وبالمسيح ومن طاف   حوله واستجارا
إيمانَ من يعبد الحسن   في عيون النصارى
وقابلوا بين هذه الأبيات وبين قول الشيخ محي الدين بن عربي:
لقد أضحى قلبي قابلاً كلَّ صورةٍ     فمرعىً لغزلان وديراً لرهبان
وبيتاً لأوثانٍ وكعبةَ طائفٍ           وألواحَ توراةٍ ومصحفَ قرءانِ
أدينُ بدينِ الحب أنى توجّهتْ        ركائبه فالحب ديني وإيماني
ويشيرون في هذا المنحى ذاته إلى مثل قول التجاني يوسف بشير:
في موضع السر من دنياي متسعٌ     للحقِ أفتأ يرعاني وأرعاهُ
هنا الحقيقةُ في جنبي هنا قبسٌ      من السماوات في قلبي .. هنا اللهُ
ولئن كان محمد سعيد العباسي هو رائد الجزالة الشعرية في السودان في إطار المدرسة التقليدية كما أسلفنا ، فإن التجاني يوسف بشير يعتبر على نطاق واسع أيضاً ، بمثابة الرائد الحقيقي للحداثة الشعرية في البلاد ، وذلك من خلال المدرسة الرومانسية. إذ يعتقد كثير من النقاد أنه قد كانت للتجاني رؤية حداثوية حقيقية ، تنطلق من منظور متكامل وشامل ، ونظرة كلية  وذاتية للكون وللوجود بأشيائه وأحيائه ، وموقف من العالم متسق مع تصوراته الشخصية. وعلى الرغم من أنه قد تخرج في معهد ام درمان العلمي ، تلك المؤسسة التقليدية بنظمها ومناهجها وشيوخها ومعلميها وتوجهها العام ، إلا أن التجاني يوسف بشير قد كان شاعراً متمردا على ذلك الإطار التقليدي الذي وجد نفسه فيه ، بل إنه كان واعيا بأنه داعية للحداثة وللتجديد ، بدليل أنه قد دعم بيانه الشعري بموقف نقدي صريح ، تصدى من خلاله لتيار الجمود والمحافظة.
قال التجاني منتقداً مناهج التعليم التقليدي في المعهد العلمي بأم درمان في قصيدته بعنوان: " المعهد العلمي " ، التي يحن فيها مع ذلك إلى أيام صباه في ذلك المعهد ، وذكرياته فيه:
ولقيتُ من عنتِ الزِّيودِ مشاكلاً   وبكيتُ من عمروٍ ومن إعرابهِ
ولم يكتف التجاني بما كان يُدرَّس له ولرفاقه بالمعهد العلمي ، وإنما رفد ذلك بالاطلاع على الآثار الأدبية والشعرية لرواد الحداثة في مصر والشام وبلاد المهجر ، وذلك من خلال ما كان يقع بين يديه من الصحف والمجلات المصرية التي كانت تصدر وتصل إلى السودان آنئذٍ.
كان التجاني يوسف بشير يؤمل في مواصلة تعليمه العالي في مصر بعد  التخرج في معهد ام درمان العلمي ، ولكن حالة الفقر المدقع التي كان يعيشها هو وأسرته ، وضيق ذات اليد ، حالت دونه ودون تحقيق حلم حياته الذي كان يتمثل في السفر إلى مصر التي كان يعشقها بكل كيانه ، لكي يتزود من علومها وآدابها وفنونها ، ولكي يلتقي بشعرائها وأدبائها الذين طالما كان يستلهم خطاهم الرائدة ، فعاجلته المنية وهو في سن الخامسة والعشرين ، شابا حدثا صغيرا ، قبل أن يبلغ تلك الغاية، إذ داهمه داء السل ، فقضى وفي نفسه الكبيرة حسرة ممضة على مصر ، التي كانت زيارتها ، والتمتع بمغانيها ، غاية مبتغاه في هذه الدنيا:
يقول التجاني يوسف بشير عن مصر في إحدى قصائده:
عادني اليوم من حديثك يا مصر      رؤى وطوفت بيَ ذكرى
وهفا باسمك الفؤاد ولجّت          بسماتٌ على الخواطر سكرى
من أتى صخرة الوجود فقراها     وأجرى منها الذي كان أجرى
سلسبيلاً عذب المشارع ثراراً      روياً جم الأواذيِّ غمرا
إلى أن يقول:
إنما مصر والشقيق الأخ السودان      كانا لخافق النيل صدرا
حفظا عهده القديم وشادا منه صيتاً  ورفَّعا منه ذكرا
فسلوا النيل عن كرائم   أوسعنا دراريَّها احتفاظاً وقدرا
كيف يا قومنا نباعد من     فكرين شدا وساندا البعض أزرا
كيف قولوا بجانب النيل شطاهُ      ويجري على شواطئ أخرى
كلما أنكروا ثقافة مصرٍ     كنت من صنعها يراعاً وفكرا
نضر الله وجهها فهي ما تزداد      إلا بعداً عليّ وعسرا
يا ابن مصرٍ وعندنا لك ما نأمل    تبليغه من الخير مصرا
قل لها في صراحة الحق    والحق بأنْ يُؤثرَ الصراحةَ أحرى
وثقي من علائق الأدب الباقي     ولا تحفلي بأشياء أخرى
كل ما في الورى عدا العلم       لا يُكبِّر شعبا ولا يُمجّد قُطرا
ولعلنا نلاحظ هاهنا أن الشاعر يوصي مصر بأن تركز على ترقية وتعزيز العلاقات الثقافية والاجتماعية مع السودان بطبيعة الحال ، بوصفها القاطرة التي هي قمينة بأن تجر من ورائها سائر ضروب العلاقات السياسية و الاقتصادية والتجارية وغيرها ، كما يقال في لغة الدبلوماسية المعاصرة. أو أنه أراد أن يقول بمعنى آخر ، أن الأصل في علاقات البلدين هو البعد الشعبي والاجتماعي ، وهو البعد الأدوم والأبقى ، وذلك حين قال:
وثقي من علائق الأدب الباقي       ولا تحفلي بأشياء أخرى
وله قصيدة أخرى بعنوان: " شباب الكنانة " جاء فيها:
وشبابٍ من الكنانة حُمسٍ    ينشرون الحماس صاعاً بصاعِ
كلهم ثائرُ الحفيظة حرُّ      القلبِ ليثٌ لدى الوغى والمصاعِ
صرخوا بالعرين صرخة ذي مجد  مذالٍ وذي مقرٍ مضاعِ
في سبيل الجهاد يدرأ عن مصر  بنوها بمنصلٍ ويراعِ
وأرى زين الشباب في الحضر الرافه  والبدو من قرىً وبقاعِ
مصرُ أم الشعوبِ ماذا عراها    واعترى الشرقَ من وجىً وضياعِ
حبذا الموتُ في سبيلك يا مصرُ    لنشء عن الحمى دفّاع
قل لمصرَ وحيها في شباب     صيغ من جرأة ومن إزماع
شاد أركانها وشد ذراها    وابتنى صرح مجدها المتداعي
في جهاد عن العقيدة صدق   ونضال عن الحمى وقراع
مصر يا مهبط الحضارة والنور   ويا مبعث الهدى في كل ساع
كيف أصبحت بعد عهدٍ عليٍّ    طلبةً للهوى وللأطماعِ
تاج السر الحسن:
وأما الشاعر الثالث والأخير من ضمن أولئك الشعراء السودانيين المفتونين بحب مصر ، والذين خصصناهم بالحديث عنهم في هذه المحاضرة ، على سبيل المثال فقط وليس الحصر ، فهو الشاعر الدكتور: " تاج السر الحسن ". والدكتور تاج السر الحسن هو شاعر معاصر ، ولد ببلدة " أرتولي " بشمال السودان في عام 1935 ، ولكنه نشأ وترعرع ، وقضى ردحاً من طفولته وصباه بمدينة النهود ، حاضرة غرب كردفان. وهو ما يزال على قيد الحياة ، متعه الله بالصحة والعافية.
ومثل التجاني يوسف بشير تماما ، تلقي الشاعر تاج السر الحسن تعليمه الأولي والمتوسط بالمعاهد التعليمية الدينية بالسودان ، إلا انه كان أوفر من التجاني حظاً ، نظراً لأن أسرته كانت ميسورة الحال نسبيا ، مما مكنه من السفر إلى مصر ، حيث تلقى تعليمه العالي هناك ، وتخرج في قسم اللغة العربية بجامعة الأزهر في عام 1960 م.
ثم من بعد ذلك هاجر تاج السر الحسن إلى الاتحاد السوفييتي في عام 1962 م ، بغرض مواصلة تعليمه ما بعد الجامعي ، حيث التحق بمعهد مكسيم غوركي للآداب بموسكو الذي نال منه شهادة الدكتوراه في سنة 1970 ، وظل مقيما في الاتحاد السوفييتي لعدة سنوات ، كان يعمل خلالها بالتدريس الجامعي وبالصحافة والترجمة.
ينتمي إبداع الشاعر تاج السر الحسن إلى ما يسمى بتيار الواقعية الاشتراكية فكرا ومضمونا ، بينما يصنف شعره من الناحية الفنية ضمن ما يعرف بشعر التفعيلة. وقد عاصر وزامل فطاحلة ذلك التيار الفكري ، وتلك المدرسة الفنية في مصر من أمثال: احمد عبد المعطي حجازي ، وصلاح عبد الصبور ، ومن السودانيين: محمد الفيتوري ، ومحي الدين فارس ، وجيلي عبد الرحمن. وقد صدر له هو وجيلي عبد الرحمن أول ديوان مشترك في القاهرة في عام 1956 م ، بعنوان: " قصائد من السودان " ، يعتمد ذينك النهجين الفكري والفني اللذين أشرت إليهما آنفا.
هذا ، وللشاعر تاج السر الحسن دواوين أخرى منها: القلب الأخضر ، والنخلة تسأل أين الناس ، والأتون والنبع ، كما أن له عدة مؤلفات وأعمال نثرية أخرى في الأدب والنقد والسياسة ، إلى جانب بضعة مؤلفات أعمال ترجمها من الروسية إلى العربية.
عاش تاج السر الحسن ودرس في مصر إذاً ، في أوج فترة المد اليساري والعروبي بصفة خاصة ، التي كان نجمها الصاعد وقتئذٍ هو الزعيم جمال عبد الناصر. وقد راجت في ذلك الوقت مفاهيم ومقولات الواقعية الاشتراكية، والالتزام في الأدب ، ونشدان التحرر والانعتاق من ربقة الاستعمار ، وكذلك ضرورة السير في ركاب التقدم ، وكسر قيود التخلف والجمود في كل مناحي الحياة ، كما تزامنت تلك الحقبة مع انطلاق حركات التحرر الوطني في إفريقيا وآسيا والبلدان العربية ، ومع انبعاث حركتي عدم الانحياز ، والتضامن الآفرو – آسيوي ، تجسيدا لمقررات مؤتمر باندونغ الذي انعقد في اندونيسيا في عام 1955 م.
وقد استطاع الشاعر الدكتور تاج السر الحسن أن يجمع في هذه القصيدة الأخيرة التي نود أن نختم بها هذه الكلمة ، أستطاع أن يجمع بين حب مصر وتقديره لها ، والتنويه بذكر رموزها وقادتها ، إلى جانب التغني بمواقف وأمجاد حركة التضامن الأفريقي الآسيوي.
هذه القصيدة عنوانها هو: " أنشودة آسيا وإفريقيا " ، وهي كما أسلفنا قد جاء تأليفها صدى لحركة التضامن الأفريقي الآسيوي التي لعب فيها الزعيم جمال عبد الناصر ، دورا رياديا إلى جانب الإندونيسي احمد سوكارنو ، والهندي جواهر لال نهرو. ولقد تجلى – كما أسلفنا - حب الشاعر وتقديره لمصر ولزعيمها عبد الناصر من خلال هذه القصيدة التي حقها أن تكون النشيد الرسمي لحركة عدم الانحياز ، خصوصا وأنها أغنية ملحنة ومغناة سلفاً منذ أواخر الخمسينيات من القرن الماضي ، بصوت الفنان السوداني الكبير ، الشاعر والمثقف والأديب الأستاذ عبد الكريم الكابلي. وقد قيل إن الكابلي قد أداها في إحدى المناسبات ، أمام الزعيم عبد الناصر نفسه فأعرب عن إعجابه بها.
وفيما يلي أقدم لكم قصيدة " آسيا وإفريقيا " لتاج السر الحسن:
عندما أعزف يا قلبي الأناشيد القديمة
ويُطلُّ الفجر في قلبي على أجنح غيمة
سأغني آخر المقطع للأرض الحميمة
للظلال الزرق في غابات كينيا والملايو
لرفاقي في البلاد الآسيوية
للملايو ولباندونغ الفتية..
لليالي الفرح الخضراء في الصين الجديدة
والتي أعزف في قلبي لها ألف قصيدة
***      ****         ****
يا صحابي صانعي المجد لشعبي
يا شموعاً ضوؤها الأخضر قلبي
يا صحابي فانا ما زرت يوماً اندونيسا
أرض سوكارنو ولا شاهدت روسيا
غير أني والسنا في أرض إفريقيا الجديدة
والدجى يشرب من ضوء النجيمات البعيدة
قد رأيت الناس في قلب الملايو
مثلما شاهدت جومو
ولقد شاهدت جومو
مثلما امتد كضوء الفجر يوم
***        ***       ***
مصر يا أخت بلادي يا شقيقة
يا رياضاً عذبة النبع وريقة
يا حقيقة ...
مصر يا أم جمالٍ أم صابرْ
ملء روحي أنت يا أخت بلادي
سوف نجتث من الوادي الأعادي
فلقد مُدت لنا الأيدي الصديقة
وجه غاندي وصدى الهند العميقة
صوت طاغور المغني
بجناحين من الشعر على روضة فن
يا دمشقُ ... كلنا في الهم والآلام شرقُ
****        *****         ****
أنت يا غابات كينيا يا أزاهرْ
يا نجوماً سمقتْ مثل المنائرْ
يا جزائرْ
هاهنا يختلط القوسُ الموشى
من كل دار كل ممشى
نتلاقى كالرياح الموسمية
للملايو ولباندونغ الفتية...
وبعد ، فهذا مجرد غيض من فيض مما يذخر به ديوان الشعر السوداني من إعراب الشعراء والمبدعين السودانيين عن محبتهم لمصر ، والتنويه بذكرها ، والتطلع الدائم إليها ، بوصفها الكنانة ، والأمل المرتجى ، للتحرر والعزة والمنعة والتقدم ، وحادية ركب الأمة العربية نحو النهضة الشاملة في شتى مناحي الحياة.
وفي الختام ، أرجو أن أشكر لحضراتكم جميعا ، حسن الاستماع ، والسلام عليكم ورحمة الله.                     

khaled frah [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]