سرني غاية السرور أن وجدَتْ ترجمتي للمقابلة التي أجرتها مجلة (سيانس أي أفنير) Sciences et Avenir الفرنسية في عددها الصادر بتاريخ     مع عالم الآثار واللغات الفرنسي البروفيسور (كلود ريي) ، رئيس الوحدة الفرنسية الملحقة بالهيئة القومية للآثار والمتاحف بالسودان ، والمتخصص في اللغة المروية ، سرني أن وجدت ترجمتي لتلك المقابلة ، وتعقيبي عليها ، أثراً طيباً في نفس واحد من علمائنا الأجلاء المتخصصين في هذا المجال ، ألا وهو البروفيسور ( عبد الرحيم محمد خبير ) ، الذي تفضّل مشكوراً ، فنشر مقالاً ضافياً تحت عنوان: (شامبليون اللغة المروية وحجر رشيد السوداني) ، اطّلعتُ على نسخته الالكترونية بموقع (سودانايل دوت كوم) على الشبكة العنكبوتية. ولقد شدتني مقاربته العلمية والموضوعية لإشكالية اللغة المروية والجهود الوطنية والعالمية الحثيثة التي طلت تستهدف فك شفرة تلك اللغة بصورة جادة ، على الأقل منذ مطلع القرن العشرين وحتى تاريخ اليوم ، بما لم يكن لكاتب هذه السطور علم به ، ولا ينبئك مثل خبير. فحسبي إذاً من ترجمتي لتلك المقابلة ، أنني قد ألقيت حجراً في بركة هذا الحقل المعرفي الساكن ، والذي ما يزال بكراً ، وهذا هو لعمري ، عين ما هدفت إليه في الأساس.
ولن يفوتني بالطبع ، أن أشكر البروفيسور خبير على لطفه وأريحيته ، في تقريظه لترجمتي لمقابلة البروفيسور (كلود ريي) وتعليقي عليها ، فإن ذلك مما يزيدني شرفاً ، ويشجعني على المضي قدماً في ترجمة مثل هذه المواضيع التي تتعلق بالسودان في مجالي التاريخ والآثار بصفة خاصة ، تعميماً للفائدة ، واستثارة لعقول وأقلام المتخصصين من ذوي المعرفة والخبرة والدراية ، توخياً للمزيد من التصويب ، والتسديد ، والمقاربة العلمية الرصينة.
ولعل مما ينبغي التنبيه إليه في معرض الحديث عن الجهود المبذولة من أجل فك شفرة اللغة المروية ، وجود ما يسمى بمستودع أو سجِل النقوش المروية ، الذي يُعرف في الفرنسية ب :  Le Répertoire d’épigraphie méroitique ، الكائن بأكاديمية النقوش والفنون الجميلة بباريس ، الذي كان يُشرف عليه سكرتيرها الدائم السابق ، عالم المصريات و (السودانيات) كذلك ، الراحل البروفيسور (جان لوكلان) Jean Leclant  . وهذا المستودع ، ربما يكون أكبر سجل للنقوش المروية المكتشفة حتى الآن ، والمجتمعة في مكان واحد في العالم حاليا ، فضلاً عن تميزه باستخدام التقنية الرقمية في حفظ تلك النقوش ومعالجتها. ومن هذا المنطلق ، فإنه ما من شك في أن ذلك السجل قمين بأن يلعب دوراً أساسياً في أية عملية قد تنجح في التوصل إلى معرفة أسرار هذه اللغة السودانية العتيقة الغامضة ، إذا ما قُدِّر لها أن تُحل في يوم من الأيام. ذلك بأن هذا المستودع ، يتوفر على نصوص عديدة ومتنوعة مما خطته أيدي الأسلاف من هذه اللغة التي ما تزال تستعصي على الأفهام.
استوقفتني أيضاً ملاحظة البروفيسور خبير بأن نفراً من علمائنا السودانيين الذين نالوا تدريبهم هي إطار دراساتهم فوق الجامعية أساساً، في مجال لغات وادي النيل القديمة مثل: المصرية القديمة ، والمروية والنوبية القديمة الخ ، قد أحجموا عن الاستمرار في مجال الدراسات اللغوية ، وآثروا عليها التاريخ والآثار ، ربما باستثناء العلامة البروفيسور (عبد القادر محمود عبد الله) ، الذي هو الآن حجة اللغة المروية في السودان ، بل على مستوى العالم.
وفي تقديرنا ، أن مسألة فك شفرة اللغة المروية بغرض التوصل إلى فهم معاني ألفاظها ، ومدلولات عباراتها ، ينبغي أن يكون هدفاً علمياً وثقافياً وطنياً في حد ذاته ، ومندرجاً بحق في صلب اهتمام الدولة برعاية التراث الوطني السوداني ، وإحيائه ، ونشره وإشراك البشرية جمعاء فيه ، مما يستوجب بالتالي ، تشجيع جامعاتنا ومؤسساتنا الأكاديمية والثقافية والعلمية للباحثين من أجل السير قدماص في هذا الاتجاه ، بصورة علمية وموصوعية بحتة ، وفي إطار مقتضيات البحث الأكاديمي الجاد والمتجرد بطبيعة الحال ، والله الموفِّق.

farah khalid [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]