ومن صاغة أم درمان المرموقين: (السنوسي) ، فهو فنان تشكيلي ، امتاز بالدقات الجميلة ، وكان متصفاً بالأمانة ونظافة اليد. ولقد ذكرته في قولي:
وين الوجهو كيف(1) كوكب هلاله الشارقْ
وين الجيدو دقّالو السنوسي مطارق
على طلب الترورب بالسمير وتسارق
يا ليتو الشباب يرجع عليْ ويفارق
وهي كلمة جاريتُ بها شيخ العرب ، أحمد عوض الكريم أبو سن ، وهو من جواهرجية شعراء الدوبيت ، وذلك في كلمته التي يقول فيها:
يا بدوي السقط من مصرَ جى متسارق
جاب لينا السريب الفيْ الضلع متزارق
على طلب السحى اللى كل عاشق حارق
يا ليتو الشباب يرجع عليْ ويفارق (2)
وكوكب هلاله هو الزُّهَرة ، ويسميها عرب السودان: ( نجمة هلاله ). وقديما كانت عشتار ، ترمز للخصوبة عند الفينيقيين. وأهل السودان أيضاً يعتقدون فيها الخصوبة. يقولون: ( كان طلعت من غرب ، المطمورة كرب. وكان طلعت من صباح ، المطمورة باباح (3) ). يقولون إنها تغيب تسعة أيام ، أو تسعين يوماً ، أو تسعة شهور ، أو تسعة أعوام. وزعموا أنّ بني هلال انتظروا طلوعها أحوالاً فماتوا من الجوع. وكانوا يقولون حينئذٍ: ( كان لقينا الكيل بالكيل ، ما كان رُحنا بالميل ). أي: لو أنهم وجدوا صاع الطعام بصاع الذهب ، لما هلكوا.
وكان إبراهيم العبّادي يذهب إلى أسواق الماشية ومرابد " أبو سِعِد " ، لملاقاة البدو باحثاً عن ذهب الكلام. وقد ذكر الطيب صالح أنّ الكبابيش كانوا يفدون إلى أسواق " الدبّة " و " كرمكول " ونواحيهما ، بالفصاحة وروعة البيان.
وقابلتُ في رحلتي المذهّبة هذه رجالاً من ذهب. الجمري ود الحاج ، بارون الذهب بجبل الزراف ، والشاعر الرقيق ، والشاب المهذّب: سيف الدولة حسن الفكي ، وأولاد عبد الكريم ود إغيبش: (أولاد بُرْ.. الضهب الحُر)(4).. وشيخ التوم ود الحاج ، والأخ علي ود أحمد عمر ، ومحمد أحمد حديد الدولابي ، الذي يشبه الحديد منفعةً وبأسا ، والفارس: صالح ود حمدين ، والقائمة طويلة الذيل. ولقد أدخلوا يا خالد مفردات جديدة. فمن مصطلحاتهم المستحدثة: (الكوماج). والكوماج هو من يسرق حجر الآبار ليلاً. قال حنفي الطيب:
قول للجمري ود الحاج
يا تديني بير ، يا أجيكا زول كوماج
قلتُ مُجادعاً صديقي الحنفي ، ومداعباً الجمري:
قول للجمري ود الحاج
جليس الصيدها بى دَوْ السمير لجّاج
جدّك بيتو كعبة وقبلة للمحتاج
أبو حنيف الأصيل ما ظنو زول كوماج
وقلت:
أبو ياقوب أبوك كان للنورّبْ تاج (5)
ضراع الماصع الفوق الضرايب هاجْ
جدّكْ لمَّ مقطوع القبيلة الدّاجْ
حنفي أخوكا ما جاييكا زول كوماج
وأبو ياقوب هو الشيخ محمد علي التوم ، أحد القيادات التاريخية لقبيلة الكبابيش ، وهو الذي عناه أبو سنينة الشنقيطي بقوله:
ترى أقوياء الناسِ للمُرِّ خُضّعاً     ولكنّه للضيفِ والجار يخضعُ
والجد المعني ، هو الشيخ علي ود التوم ، مؤسس مجد قبيلة الكبابيش ، وقد رثاه الشاعر محمد سعيد العباسي.
ومن جديد مفرداتهم التي لم تجد سبيلها بعد إلى قاموس العامية بالسودان: ( القداية ) ، وتُتخذ من خرق الجوالات المفتولة. وهي ذات شكل دائري ، توضع على الحجر الذي ترضخ عليه الحجارة التي يؤمل أن تكون محتوية على التبر ، وذلك لكي تقي يد العامل من أذى المطرقة ( الشاكوش ). وقد ذكرني ذلك بقول شاعر الحماسة:
يرضخنَ صُمَّ الحصى في كلِّ هاجرةٍ       كما تطايرَ عن مِرْضاخِهِ العَجْمُ
والعجْم هو نوى التّمْر
ومن مصطلحاتهم أيضا: ( الكَرْكارة ) ، وهي حجارة صغيرة توجد على سطح الأرض ، ويختلط بها الذهب ، وهي حبيبة إلى نفوس (الجنقو). ومن أقوالهم: (الكركارة بتودي الزول لى عيالَه).
ومن مصطلحاتهم: (المَصْرة ) ، وهي آخر مرحلة من استخلاص المعدن بعد إضافة الزئبق ، وغسله بالطست. وهي من المَصْر ، أي: الحَلْب. وقديماً قال الشاعر:
ورأيت حالبة الحلال مصورا (6)
وأترك البيت لاجتهاد صديقي الدكتور خالد ، وهو يشاطرني كثيراً كتابة مقالاتي .. فأنا أترك له حرية الحذف والإضافة ، ثقة بعلمه.
وقيل إن (أبونا) الشيخ محمد ود دوليب كان لا يراجع فتاوي الشيخ العلامة: أمحمّد ود الطفح ، ويختم عليها دون مراجعة. وبعد موت ود الطفح ، عيّن الشيخ ود دوليب ابنه للفتوى ، وصار يراجع فتاويه ويقول: " مات الرجل الذي كنا نثق بعلمه ". وأنا بين الأربدين: ( أربد الكواهلة ) و (أربد الكبابيش). وفي فيافي (خور الزراف) وجراريب عبيدون ، وإدين الهمل ، وصديقي خالد ناعم البال بمدينة النور... (7) فشتان ما بين اليزيدين منهلا. (8)
وهنالك منجم ب (حمرة البعّاتي) يذكرني ببيت لصديقي الكاكوم يقول فيه:
سيّان عندي عيشتي ومماتي      أصبحتُ في السودان كالبعّاتي (9)
وكان الشيخ البعاتي يتفيأُ ظلال تلك التبلدية الوارفة في عزلته البرزخية المجيدة.
والكاكوم أديب ومثقف غير قابل للتكرار ، وقد عصفت به الأقدار ، وتركته واقفاً بسوق واقف ، وعرصات الشيحانية بدوحة قطر ، يردد قول التاية بت قلبوس:
أمك يا فطيمة الردن السيحان
دلاّية فراو الريف من الشيحان
بريرباً جرارقو طرابا للسرحان
وجهو شعاع وخدّو شرافة الليحان 
وقد سمعتُ شحاذا بسوق (أبو زيد) ينادي في الناس (قدم للمتهدِّم ، كان هبشتو الحجر ، تلقوا لتّجَر). وقد صار التجر في الحجر ، وكأن ذلك الشحاذ ولياً من أهل الإشارات.
وهناك جماعة من الشعراء كتبوا عن الذهب ، منهم: أب زقلي الشليوابي ، ثم من الفراعنة ، قال مخاطباً بئره:
العد عرقو شرّقْ واتّي عرقكْ غرّبْ
في الباقيلي حجّارِكْ بقالي درَرّبْ (10)
وكذلك الشاعر الرقيق والمترجم البارع: سيف الدولة حسن الفكي الذي قال:
الناس قبلي غنّوا وقالوا مليون حاجة
بس داير أخالف الشعرا والفرّاجة
أحب دهب الزراف والحمرة والكوماجة
أحب غرب سودري واعشق جبيلات كاجة
وقد خاطبتُ سيفاً بقولي:
زي ناس الجنين وسط الشدر طاشين (11)
يا سيف أطلب العلم حتى لو في الصين
رغم ظروفنا من الرحمة ما آيسين
لو جاد الكريم صُمّ الحجار بتلين
وقد ترك صديقي سيف طلب العلم ، وذهب يطلب الذهب بين الأربدين.
وقد استعرتْ حمّى البحث عن الذهب في الناس ، وقد وصف الشاعر منصور ذلك المسعى المحموم بقوله:
يات من لقالو حجير
شالو وعِنى الصانقير
تتجاروا النهار والليل
نامِن تلاقوا نكير
ومهما تكن نفاسة الأحجار الكريمة ، فهي لا تساوي عندهم كرائم الإبل والشاء:
أم جرساً تلَّ وضَرَبْ
سعودية الما اغترَبْ
أو قول الأخرى:
متين يا البقيل تنبلْ
لى امّات جريساً تَلْ
الما عندو امّات حَمَلْ
في صفقة ما قدَلْ (12)
إنّ سواعد الرجال التي تدك الجبال ، وإن همم الشباب لو وُجِّهتْ في الاتجاه الصحيح ، لأتت بالمعجزات. فقد جعلوا ( جبيل نعيم ) الذي يقع غرب سودري ، قاعاً صفصفا ، وسوّوا بجبل (أم بطحي) التراب. وفي ذلك قال عبد الله ود إدريس ، شاعر الكبابيش المصقع:
جبل أبو زعيمة لقيتو سوّوا شَوَوّلْ (13)
سبحان الكريم الفي حُكمو ما بتحوّلْ
لَمّاهُن جميعْ وجاب الأخير الأوّلْ
أي أنّ أفقرهم في السابق ، صار أغناهم ، ( وتلك الأيام نداولها بين الناس ).
فقد أتوا بأعمال ذي القرنين ، مستعينين بالأجنة ، والشاكوش ، والفير (أبو قرنين).. فسبحان الله العظيم ، وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العلمين.
الحواشي:
(1)     ( كيف ) هنا عبارة عن أداة تشبيه ، فهي تقوم مقام كاف التشبيه ، أو أداة التشبيه " مثل ". واستخدامها هو من خصائص لهجات كردفان العربية حالياً ، ولكن هنالك من الشواهد ما يدل على أنها  كانت تستعمل بذات الدلالة في لهجات مناطق أخرى في وسط السودان وشماله. فمن ذلك مثلاً قول المادح الشيخ " أحمد ود تميم ": ( يا مولاي سألتك مدحي ينزل كيف وبّال الخريف .. مو رش بطين الصيف ) ، ومنه أيضاً قول حاج الماحي في مدحته النبوية " الدينو قاما الحجيجو راما " : ( فمّو كيف دارة الختاما الخ ) يعني أن فمه مستدير مثل الخاتم.
(2)    هذه المجاريات ، أو هذه (المجادعات) ، وتأثر الشعراء واقتباس بعضهم من بعض ، ظاهرة قديمة في الأدب العربي فصيحه وعاميه ، فقديماً قال امرؤ القيس في المعلقة:
وقوفاً بها صحبي علي مطيهم    يقولون لا تهلك أسىً وتجمّلِ
ثم جاء طرفه بن العبد من بعده فقال في معلقته:
وقوفاً بها صحبي عليّ مطيّهم    يقولون لا تهلك أسىً  وتجلّدِ
(3)    كوكب الزُّهَرَة ، أو عشتار ، هي رمز إلهة الخصب عند البابليين والفينيقيين كما قال الدلال ، وتعتقد طائفة من اللغويين أن اللفظ الذي يدل على النجم في اللغة الإنجليزية Star مشتق منها. وعشتار أو الزهرة ، كانت تعرف عند الإغريق القدماء بأفروديت ، وعند الرومان بفينوس ، وعند الفرس بأناهيد ، هذا الاسم الجميل الذي ما يزال بعض الناس يسمون بناتهم به. وأما: باباح ، فمعناها: نفد وانتهى ، وخلا من أي شيء ، وهي من لغة الأطفال. والمصريون يقولون في معناها: " بح ".

(4)    الضَّهَب بالضاد ، هو الذهب. وهكذا ينطقه كثير من بدو بحري كردفان مثل الكبابيش ، وأحسب أن الشايقية الأقحاح ينطقونه كذلك ، بينما ينطقه سائر السودانيين " الدّهب " بالدال المهملة ، وعليه جرت لهجة أم درمان " المعيارية ".

(5)    النَوَرّب: بفتح الواو وتشديد الراء مع الفتح ، كناية عن عشيرة النوراب التي منها بيت الزعامة في قبيلة الكبابيش.

(6)      ما سمعت بشطر هذا البيت من قبل ، وما كنت أعرف تتمته صراحةً. وسألت عنه الشيخ قوقل  فلم يحر جوابا. ولكن الدلال نفسه عاد ليروي لي البيت كاملاً هكذا:

إنّ الحرامَ كثيرةٌ ألبانُهُ      ورأيتُ حالبةَ الحلال مَصُورا

(7)    ما زال بي صديقي الدلال عفا الله عنه ، يغبطني على مثواي بمدينة النور باريس ، حتى (نجهني ) ، ولله الأمر من قبل ومن بعد !.

(8)     يشير المؤلف إلى بيت " ربيعة الرقي ":

لشتانَ ما بين اليزيدين في الندى       يزيدِ سُليمٍ والأغِّر بن حاتمِ

(9)    البيت لصديقنا المشترك ، الأديب النابغة الأستاذ: الأمين البدوي الأمين ، الشهير ب "اللمين ود كاكوم". وهذا البيت هو في نظري ، أيأس بيت في الشعر العربي كله.
(10)     درَرّبْ: جمع دُرّابة ، بضم الدال وفتح الراء المشددة ، وهي كناية عن القطعة من التراب المتماسك الجاف ، وتجمع عادة على: دُرّاب ، وقد تطلق مجازاً على المبالغات والأكاذيب. فكأنّ الشاعر يندب حظه هاهنا ، واصفاً الأحجار التي كان يعالجها مؤملاً في أن يجد الذهب بداخلها ، بأنها مجرد كتل من التراب الذي لا غناء فيه ولا فائدة منه لخلوها من التبر.
(11)    الجِنين: بكسر الجيم وإمالة الياء: جمع (جنينة) ، وهي حديقة شجر الهشاب المنتج للصمغ العربي خاصة.
(12)    الصّفْقة: هي حفل الرقص والغناء. سُميَّ (صفقة) على سبيل المجاز ، لما يصاحبه من التصفيق. وقَدَلْ: بمعنى تبختر زهواً وطربا.
(13)    شَوَوَّلْ: بفتح الشين والواو الأولى وتشديد الواو الثانية مع الفتح وتسكين اللام ، صيغة جمع في بعض لسان أهل السودان العامي لكلمة: شوّال ، أي (جوّال). 

farah khalid [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]
//////////////////