عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

يحتفي السودانيون عادةً عند حلول شهر رمضان المعظم في كل عام ، بأطعمة وأشربة تقليدية بعينها ، ويفضلون تناولها على ما سواها من أصناف الطعام ، شأنهم في ذلك شأن غيرهم من سائر الشعوب الإسلامية ، مما يُضفي على هذا الشهر المبارك ولياليه ، طابعاً ثقافياً مميزاً ، إلى جانب طابعه الديني والروحي المعروف.
وتأتي العصيدة والقُرَّاصة في مقدمة الأطباق الرئيسية التي يُحبذ عامة السودانيين تناولها ساخنة عندما يحين موعد الإفطار حال مغيب الشمس ، بعد أن قضوا سحابة نهارهم صائمين لله تعالى إيماناً واحتسابا. فما هو موقع تلك العصائد والقراريص ، وما جرى مجراهما من الأطعمة السودانية المشابهة الأخرى ، من ساحة الدرس اللغوي والأنثربولوجي في الثقافة السودانية خاصةً ، والعربية والإفريقية على وجه العموم.
أما العصيدة ، فهي لفظة عربية فصيحة ، وهي طعام كان معروفاً عند القدماء بهذا الاسم نفسه ، وصفته هي كما ترد في بعض كتب اللغة: أنه دقيق يُلتُّ بسمن ويُطبخ. والعصيدة بهذه الصفة الأخيرة ، معروفة أيضاً في سائر البلدان العربية المعاصرة أيضاً ، وربما أضافوا إليها شيئاً من العسل. وهي عندئذٍ ، تصير أقرب لما يُعرف عند السودانيين بمديدة الدخن باللبن في غرب السودان خاصة ، أو عصيدة الذرة الشامية الغضة باللبن ، التي تعرف بالفجيخ كما بلغنا في بعض نواحي شمال السودان الأدنى. فكأن هذه الأخيرة أقرب إلى التحلية من طبق العصيدة السودانية الاعتيادية ، التي تكون من دقيق الذرة الرفيعة فقط ، ويكون إدامها مصنوعاً إما من اللحم المفروم الغريض ، أو من قديد اللحم المجفف ، أو من البامية ، أو اللبن الرائب إما صرفاً ، أو بالبصل المحمر الذي يعرف بالنعيمية ، أو اللوبياء ، أو الويكاب ، أو المِرِس الخ .
هذا ، ولم تكن كلمة العصيدة هذه بالشائعة جداً في السابق بين أهل وسط وشمال السودان ، وإنما توطنت وصارت متداولة أكثر فأكثر فيما بينهم خلال العقود الأخيرة فقط ، فقد كانوا يميلون أكثر إلى تسميتها: اللُّقمة . ولا أشك في أن فشو كلمة عصيدة بينهم ، إنما تم تم بسبب تأثير ثقافي وافد من غرب السودان بالتحديد ، وخصوصاً من دار فور التي يشيع فيها استخدام هذه اللفظة أصالةً ، فضلاً عن اشتهار نسائها بصنع مختلف أنواع العصائد وإداماتها الجيدة.
أما أهل الجزيرة والبطانة والصعيد وسائر سكان وسط وشمال كردفان ، فقد كانوا وما يزال بعضهم يسمي العصيدة كسرة فقط ، حتى إذا أرادوا التفرقة بينها وبين الكسرة المعروفة ، أي تلك الرقائق المبسوطة ، المصنوعة من عجين الذرة المخمر ، سموا هذه الأخيرة سنسن ، أو رهيفة ، أو قلع ، أو أم فرويات الخ. وأيما كِسرة ذكرها ود ضيف الله 1727 – 1810م في كتابه: الطبقات ، فإنما يعني بها في الغالب العصيدة ليس إلا.
على أنَّ الحَمَر ، إلى جانب عموم عرب العطاوة البقارة ، فيسمون العصيدة: عيش ، وهي لعمري ذات التسمية التي يطلقها عليها سائر عرب تشاد والكميرون ونيجيريا وموريتانيا أيضا. وإنما أسموا العصيدة عيشاً لأنها الطعام الأساسي الذي يعتاش عليه الناس هناك . فكأنه استخدام من قبيل المجاز المرسل كما يقول البلاغيون. وشبيه بذلك تسمية سائر السودانيين لمختلف أنواع الذرة: عيش ، وتسمية المصريين لرغيف الخبز: عيش التي أخذها السودانيون عنهم أيضا ، وكذلك تسمية الخليجيين للأرز: عيش ، لأن ذلك هو الطعام الأساسي بالنسبة لجميع تلك الشعوب على التوالي.
ولكن يبدو أنَّ كافة السودانيين بمختلف خلفياتهم ، قد تواضعوا الآن على تبني اسم وصناعة العصيدة ، وجعلوا منها طبقاً وطنياً جامعا بهذا الاسم بالتحديد. وبهذه المناسبة ، فقد صار الطبق الوطني ، أو ما يُسمى بال National Dish ، اسماً له حيثية في دنيا الدبلوماسية الشعبية والثقافية بصفة علمة.
ذلك ، والعصيدة توشك أن تكون طبقاً إفريقياً نموذجيا ، وإن لا يندر وجودها في مناطق أخرى من العالم. وداخل إفريقيا بالذات ، اشتهرت بالعصيدة على نحو أكثر مجتمعات بلدان الحزام الساحلي بالتحديد ، الممتد من لدن السودان شرقاً ، وحتى تخوم السنغال غربا. وقد أطلق الفرنسيون عليها في لغتهم: Boule de mil أي ما ترجمته: كُرة الدُّخن ، الذي هو هو الغلة أو المحصول الغذائي الغالب في ذلك الحزام ، بينما يميل الناس إلى الجنوب من ذلك الحزام إلى استهلاك الأرز ، وكذلك أصناف العصائد والمعجنات المصنوعة من دقيق درنات اليام والكسافا والبفرة وغيرها ، في الوقت الذي يميل فيه سكان بلدان جنوب وجنوب شرق إفريقيا إلى الاعتماد في غذائهم على الذرة الشامية بصفة أساسية. على أن العصيدة معروفة أيضا عند بعض هؤلاء ، وخصوصاً ذوي الثقافة السواحيلية التي تعرف العصيدة في لغتهم بأوقالي.
وأما القُرَّاصة ، فمن الواضح أن اشتقاقها اللغوي في العربية فصيح ومنطقي. ذلك بأنها تشبه القُرص في استدارة شكلها ، ومن هنا جاء اسمها هكذا. وقد وردت في التراث العربي بالفعل عبارات تؤيد صحة هذا الاستدلال منها على سبيل المثال قولهم: أقراص من خبز الشعير الخ .. على الجمع.
وقد ظلت القراصة المصنوعة من دقيق القمح ، التي تُؤدم بالمرق وبمختلف أنواع الطبيخ ، قاصرةً حيناً من الدهر ، على سكان أقصى شمال السودان فحسب ، ربما بالتحديد من لدن ديار المناصير جنوباً ، هبوطاً مع النيل ، ومروراً بمناطق الشايقية والدناقلة والمحس والسكوت ثم الحلفاويين ، بينما كان الناس في باقي أنحاء السودان ، يعرفون فقط قراصة الدقيق الفينو بالسمن والسكر على سبيل الإطراف والتحلية ، أو في العشاءات الخفيفة. ولكن الجميع صاروا يستطيبون الآن تناول القراصة بالدمعة ، أو الويكة أو البامية الخضراء ، مهما كانت أصولهم أو خلفياتهم الجهوية أو العرقية أو الثقافية ، وخصوصاً في العاصمة المثلثة ، التي أضحت بالفعل بوتقة انصهار وتلاقح ، وتبادل ثقافي بين قاطنيها الذين يمثلون جميع أهل السودان ، وحيث ما تزال طوائف منهم ، وخصوصاً في بعض الأحياء الطرفية ، يجتمعون للإفطار في الساحات و" الضِريات " خارج البيوت ، على عادتهم المتبعة في أريافهم وبواديهم.
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.