1- ساقَ لي أخٌ عزيزٌ أَدمنَ أخبار الاحتجاجات الأخيرة وأورَدَ لي ما كَتَبَه الأخ فيصل محمد صالح يحاور فيه الأخ ضياءالدين بلال. والأستاذان من أجيال مختلفة؛ فيصل من جيلنا وضياء على قمة الجيل الحالي. الأستاذ فيصل يتمتع منذ أن عرفناه بخلُقٍ وتواضع وموضوعية لافتة جعلت كل من يختلف معه يحترمه. لكن في حواره على مقال الأستاذ ضياء، منذ البدء لم يتقبّل المقال وكتبَ ذلك صراحة برغم أنه مجرد رأي يُختلف عليه على طريقة الراحل محجوب شريف رحمه له (كلو عندو دين.. كلو عندو راي). في تقديري أن ضياء ركّز في مقاله على حالة الاحتقان التي غذّتها مواقع التواصل الاجتماعي حتى صارت ظاهرة مزعجة ومخيفة لأي محلل سياسي ومتابع للأحداث. بينما شدد فيصل على التفريق بين الجاني والضحية ويقصد تعامل الأجهزة الأمنية مع المحتجين وما سقط على إثرها من ضحايا يؤسف عليهم بشدة (تقبلهم الله قبولاً حسناً).

2- هذا الخلط بين رؤية فيصل التي بنى عليها مقاله أو حواره مع ضياء هي التي أربكتْ وجعلت من ضياء أن يكتب مقالاً ثانياً بعنوان فيصل الآخر. وفي اعتقادي أن موضوع مقال ضياء لا يتعلق بتجريم أو إدانة أجهزة الأمن المختلفة أو حط أو ترفيع الذين سقطوا من ضحايا الأحداث إلى مرتبة الشهادة، غفر الله لهم جميعاً وأسكنهم الفردوس الأعلى. أحسستُ وأنا أعيد قراءة مقال الأستاذ فيصل أن به حسرة، حيث لم يتوقع من ضياء كتابة مثل هذا المقال. وحتى لا أمضي وراء هذا الإحساس، أجدُ العذر لصديقي فيصل فهو أستاذ كبير ومعلم لمهنة الصحافة وحاصل على جوائز عالمية ومناضل قديم. رأينا بعض وسامة الغضب الأيدولوجي عنده في بداية ثمانينات القرن الماضي وهذا مالم يتمتع به الأخ ضياء الدين بلال.

3- ذكّرتني التجاذبات الرفيعة هذه بين الصحفيين الكبيرين ما حدث قديماً في موقعة الجمل بين السيدة عائشة أم المؤمنين وسيدنا علي كرّم الله وجهه. حين أدرك بعض المسلمين ما قاله الرسول صلى الله عليه وسلم للصحابة أن عمار بن ياسر ستقتله فئة باغية. وقد كان في معية جيش الإمام وقُتِلَ، فأحدثَ ذلك جدلاً لم ينتهِ طيلة هذه القرون. مَن قتل عمار بن ياسر؟. سؤال أزلي. هل قتله الذين قتلوه عياناً بياناً أم الذين أخرجوه من دياره حسب قول بعض الرواة؟. في تقديري أن تلكم أمة قد خلت لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت، ولكن نهوض مثل هذا السؤال عن الضحية والجاني يُدخِلنا في نفق الفتنة الكبرى. لا أحد مع قتل أي الأبرياء وأيضاً لا أحد مع الانفلات ومزالق عدم الاستقرار. هذه معادلة دقيقة وحساسة للغاية. وإذا استطاعت الحكومة أن تعالج الاحتجاجات بعدم سقوط أي ضحية فهذا وسام تزدان به. الكل يعلم أن الاحتجاجات الأخيرة خرجت لأسباب اقتصادية مسّت كل مواطن في هذا الوطن، باعتراف الحكومة نفسها. أما السلطات الأمنية فلها منطقها في التعامل مع المسائل، حيث يُمنع من المنطق الأمني المبني على مبدأ الزيرو ريسك. هذا المبدأ ليس مبرراً على سقوط أي ضحية. من المفترض أن تقوم الحكومة بالمساءلات اللازمة في هذا الصدد وذلك بقيام لجان تحقيق محايدة وعادلة وذات شفافية تامة حتى تتوصل للحقائق كاملة ومن ثمّ نشرها على الجمهور.

4- الذي ينظر في أرشيف كتابات ضياء الدين يبرئه من تهمة الإهمال في قضايا ومسائل الحراك الاحتجاجي الأخير، وهذا لا يعنيني كثيراً بل هو أحق به ويستطيع أن يدفع عن نفسه بلغة ومنطق وحجة أقوى. ولكن ما أريد أن أُركِّز عليه في كتابات ضياء الدين ومحمد عبدالقادر مثلا وبكري المدني أيضاً، ينصب في المصلحة الوطنية العليا التي تناهض شعاري "تسقط بس" أو "تقعد بس"، حيث تبحث تلك الرؤيا عن حبل متين يجمع بين كل تلك التقاطعات حتى لا يسقط الوطن في هوة لا قرار لها. وكل مقتضيات هذه الهوة موجودة؛ فالتركيبة الاجتماعية هشّة، والجهويات والسلاح المنتشر كلها تزيد من أوار تلك النيران. للمعارضة منطق آخر، أن هذه الاحتجاجات فرصة تاريخية للقضاء على الحكومة وحكم الإسلاميين تماماً، وتلك نية مشروعة، ولكن عدم الوضوح واللافتات المبهمة التي اندس خلفها الكثيرون تزيد من ارباك المشهد والخوف من المآلات التي قد ينتهي إليها أمر البلاد.

5- لم أكتب طيلة السبعة أشهر الماضية لأسباب كثيرة، أبرزها العلة وقلة الحيلة والانشغال بعض الأحيان. ولكن ما حملني للكتابة هو الخطر المحدق بالوطن كله. للشباب الحق كله في وطن خيِّر ديموقراطي على طريقة أناشيد اليسار ولهم أيضاً حق التطلع إلى مستقبل كريم، لكن عليهم بالعمل الجاد لأجل هذا. وللحكومة الحفاظ على أمن البلاد ووحدتها، لكن دون تفريط في كرامة الجماهير. احتفظُ بالكثير من الود للأخ فيصل الذي هو من جيلي وعلينا أن ندعم الشباب كضياء الدين وغيره. هذا منطق الحال، ولكننا جميعاً نهتفُ: ما أكبر الفكرة وما أصغر الدولة، والأفكار أوسع من فضاء المقصلة.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
//////////////////