" ...رَجعتْ طيور البحرِ فجراً من مسافاتِ الغياب.البحرُ يحلمُ وحْدهُ أحلامَهُ الخضراءَ في فوضى الغِياب.البحرُ؟ إنَّ البحرَ فينا خُضْرةٌ،حلمٌ ..."

(العَوْدةُ إلى سِنَّار"النَّشيدُ الخامس: الصُّبْحُ " : د. محمد عبد الحي).
وأنتَ تخطو أولى خطواتك الإذاعية الجادة على طريق هنا أمدرمان إذاعة جمهورية السودان، وقد اكتمل قمرُ تخرُّجكَ في الجامعة، والبلادُ الكبيرة قد هبَّت عليها رياحُ مارس أبريل (الانتفاضة)، ما كان أمامكَ سوى أن تلملم شتات نفسكَ وقدراتك، ومن ثَمَّ شحذ همتكَ في رسوخ وثبات ومبدئية وجدية قد لازمتكَ حتى بعد استجاباتك للرحيل الذي يتطاول.
Collect yourself together and Pull yourself together
هي واحدة من المقولات الراسخة التي علَّمنا إياها أستاذنا الراحل الدكتور حسن عباس صبحي، وهو يحلِّق بنا في عالم اللغة على مستوياتها الإبداعية جميعها. هي أغنية للتماسك والانطلاق. إنها من محفِّزات النجاح، ومثيرات تفجير طاقات الإنسان اللامحدودة. إنه الصبر والمثابرة والالتزام اسهاماً في عمارة الأرض، وإكرام الإنسان.
وأنتَ تثبِّتُ أقدامكَ مذيعاً للأخبار الرياضية، التقيت الأستاذ المذيع محمد توفيق والذي كان يعد المجلة الثقافية ويقدمها، فعملتَ معه مذيعا لبعض فقرات المجلة بمشاركته والأستاذة المذيعة نجوى مهدي، والتي من خلالها اقتربتَ من الحركة الثقافية في البلاد وخارجها، وقد كان لكَ مشاركات في برنامج آخر للأستاذ محمد توفيق ألا وهو "سهرة ثقافية"، والتي تغطي المناشط والفعاليات الثقافية التي تجرى خلال الأسبوع بالعاصمة المثلثة، ومن أشهر ما تمت تغطيته فعالياتُ ثلاث ليالٍ شعرية كان نجومها الشاعر المصري عبد الرحمن الأبنودي، و الشاعر الفلسطيني محمود درويش، والشاعرة الكويتية سعاد الصباح. وقد جاء الأبنودي مدشِّناً ديوانه العامي عن فنان الكاريكاتير الراحل ناجي العلي، بدعوة من دار جامعة الخرطوم للنشر، والتي كانت ناشطةً حينها في دفع الحراك الثقافي ورفده بفعاليات مميزة. والذاكرة ما زالتَ تختزن استهلال الأبنودي لقصيدته بقوله: " وبقول لها : أمَّايه وإنتِ بِتَرْحِي بالرَّحى، عَلَى مَفَارِق ضُحَى، وَحْدِك، وبِتْعَدِّدِي عَلَى كُلِّ حَاجَه حِلْوَه مَفْقُوْدَه، مَاتَنْسِنِيش يا امه في عَدُّوْدَه، عَدُّوْدَه مِن أقْدَم خُيُوْط سوْدَه في توب الحُزْن، لا تَوَلْوِلِي فيها ولا تهَلِّلِي، وحُطِّي فِيهَا اِسْم وَاحِد مَات، كَان صَحْبِي يا امه، واِسْمُو نَاجي العَلِي ...".
وجاء درويش متنقلاً بين مسارح الخرطوم الثقافية ومدينة ود مدني، وجمهوره قد حفظ عن ظهر قلب قصيدته المطوَّلة "مديح الطِّلِّ العالي"، والتي أرَّخت "شعراً" لخروج الفلسطنيين من بيروت العاصمة اللبنانية، وفي مطلعها يقول: " بَحرٌ لأيلولَ الجديدِ. خريفُنا يدنو من الأبوابِ. بَحْرٌ لِلنشيدِ المُرِّ. هَيَّأنا لبيروتَ القصيدةَ كُلَّها. بَحْرٌ لِمُنتصَفِ النَّهارِ، بَحْرٌ لِرَايَاتِ الحَمَامِ، لِظّلِّنَا، لِسِلاحِنَا الفَرْدِيِّ، بَحْرٌ لِلزمانِ المُسْتعارِ ...".
وهكذا كان الأستاذ محمد توفيق نشطاً في نقل الفعاليات والأحداث الثقافية التي تجرى في النصف الثاني من ثمانينات القرن الذي ولَّى، نقلها لمتابعي هنا امدرمان عبر المجلة الثقافية والسهرة الثقافية هذين البرنامجين الأسبوعيين. فمنذ بُعَيْد الانتفاضة، دبَّتِ الحياةُ في الجسد الثقافي للبلاد الكبيرة، فانتفض لها الروح الهميم، وانداح النشاط والفعل الثقافي الفكري متمثلاً في الحركة الشعرية والأدبية عموماً، والفنون بأنواعها غناءً ورسماً ونحتاً وتشكيلا، والمسرح نال نصيبه الوافي من الاهتمام والمتابعة، وكذا السينما، وانعكس ذلك في نوعية البرامج الإذاعية شكلها ومضمونها.
وكان طبيعياً أن تأخذكَ المجلات الإذاعية إلى عالمها المتنوع في دفئه الإنساني، فشرعتَ في تُقدِّمُ فقراتٍ رئيسةٍ في المجلة الإسلامية والتي كان يشرف عليها ويعدِّها الأخ الصديق العزيز الدكتور الطاهر محمد ياسين، والذي زاملته "لاحقاً" في دراسة الماجستير، ثم اجتمعتما في مَهْجَرِكُما (ماليزيا) لسنوات عديدة تعلِّمان العربية للناطقين بغيرها.
ونواصل
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
/////////////////