" ... شَجراً أرى، وأرى القواربَ فوقَ ماءِ النَّهرِ، والزُّرَّاعَ في الوادي، وأعراساً تُقامُ، ومأتَماً في الحَيِّ، والأطفال في السَّاحاتِ، والأرواح في ظِلِّ الشُّجيرةِ، في الظَّهيرةِ حينَ يَبتَدئُ الحدِيْثُ بِرَنَّةِ اللُّغَةِ القَدِيْمةِ ..."

(العَوْدةُ إلى سِنَّار"النَّشيدُ الخامس: الصُّبْحُ " : د. محمد عبد الحي).
الآنَ، والأحداثُ بمضامينها وأشكالها، ولُغتها، وطقوسها، وروحها، وعنفوانها، تقتحمُك وأنتَ في البَعيد، نواحي ديار السَّاموراي، بلادِ السيد فُوجي الجبل، تُنَقِّبُ في أرض الله الواسعة عن رزقٍ حلال، حافراً على جدران الزمن ما ورثتَ من معارف وتجارب، تظلُّ بلدتُك الحبيبةُ، وهنا امدرمان الإذاعة، حاضرتين بتوهجهما الأنيق المريح المقاوم لليومي والسائد، الآني والمحبط! وهما تبثَّان في الذاكرة الأولى حديثاً مبتدؤه ومنتهاه رنةُ اللغة القديمة!. متمثلاً قول درويش: " ... والآنَ والأشياءُ سيِّدةٌ، وهذا الصَّمتُ عالٍ كالذُّبابة، هلْ نُدركُ المجهولَ فينا؟ هلْ نُغنِّي مِثلَما كُنَّا نُغَنِّي ؟ ...".
في سعيها الصادقِ الجادِّ الحثيثِ لاحتضانِكَ، وتَبَنِّيكَ واحداً من أبنائها، فَتحتْ لكَ هُنا امدرمان أبوابها عارضةً عليكَ ما تُحبُّ وتهوى من برامج إذاعيَّة. فَبَانَ مَيْلُكَ للمنوعاتِ والبرامج الثقافية، إعداداً وتقديما. فبجانبِ المجلة الثقافية، والسهرة الثقافية للإذاعي محمد توفيق، والمجلة الإسلامية للإذاعي الطاهر محمد ياسين، ومجلة المساء للمخرج سيد أحمد إبراهيم، أسعدكَ المذيع سر الختم عثمان صاحب برنامجك المحبَّب وأنت ببلدتكَ الحبيبة (عَنَاقِيدُ الكلام)، وهو أول مَنْ حثَّكَ مشجعاً لكَ على الانضمام للإذاعة السودانية وأنتَ مازلتَ طالباً بالجامعة، آخذاً بيدكَ معرِّفاً بكَ ولكَ في هنا امدرمان. والآنَ قد صرتَ مقدماً للعناقيد بصحبة أستاذكَ سر الختم، والذي كان يختار عناقيده الكلامية بذوقٍ مجنَّحٍ إبداعاً، يُحَلِّقُ بكَ في عوالم الكلم المسكون بنبض الحياة المحتفي بالإنسان في أسمى تجلياته العاطفية ، وحسِّه المرهف، وقيمه السمحة السليمة.
لقد أخذتْكَ الحياةُ الإذاعية في تنوِّع إبداعاتها، فدخَلتَ دُنيا الدراما الإذاعية تلعب دور الراوي (الحَاكي) Narrator لأحداث واحدٍ من أهم البرامج التثقيفية الدِّرامية المعرِّفة بجانب لم ينلْ حظَّه الأوفر من التعريف والمتابعة، برغم أهميته المفصلية بوصفه مكوناً أساساً من المكونات الجوهرية للإنسان السوداني معرفيّاً، وتاريخيَّاً، ومآليّاً، ألا وهو الأدب الإفريقي. وكما هو متعارف عليه، فإنَّ الأدب هو تعبير إنساني بالكلمة عن تجربة إنسانية (عواطف،وأفكار، وخواطر، وهواجس ...إلخ)، صادقة وعميقة. وقد أسهم أستاذنا المرحوم الإذاعي المتميِّز والمترجم الأديب محمد عبد الله عجيمي في ترجمة قدر كبير من أعمال أهم الأدباء الأفارقة وأشهرهم، ومن ثمَّ حوَّلها إلى عمل درامي راقي قام بإخراجه الأستاذ الصديق المخرج خطَّاب حسن أحمد، وحشد له دراميِّ الصَّفِّ الأول بالإذاعة السودانية، وعلى رأسهم الأساتذة مكي سناده، وعوض صديق، وعبد الواحد عبد الله، وعثمان محمد صالح (الشايقي)، وحسبو محمد عبد الله، والأستاذة بلقيس عوض، وآخرين مميزين في أدائهم الدرامي المجسِّد للأحداث صوتاً وأداءً ولغةً تمتاز بصحَّتها وفصاحتها. فقدَ شَرُفْتَ بالعملِ مع هؤلاء القممِ الفنِّية الدرامية على المستوى السوداني والعربي والأفريقي والإقليمي، بل العالمي من خلال برنام (نماذج من الأدب الأفريقي). تجدر الإشارة إلى أن الدراما الإذاعية السودانية المنتجة في هنا امدرمان قد كانت أوان الثمانينات من القرن الذي ولَّى، رائدةً حائزةً على المراكز الأولى في مهرجانات الإذاعات العربية للدراما الناطقة بالفصحى حاشيةً ومتناً، شكلاً وموضوعا. كما أنَّكَ تَعَرَّفتَ على الكنز الإبداعي المتمثِّل في الأدب الإفريقي شعراً وقصةً وروايةً ومسرحاً، فصحبتَ "حاكياً" الأعمال الرِّوائية والمسرحية للأديبين النيجيريين وُولي سوينكا في أشهر أعماله The Lion and the Jewel (الأسد والجوهرة)، وتشينوا أتشيبي صاحب Things Fall Apart (الأشياء تتداعى)، والكيني نغوقي واثيونقو، وسمبيني عثمان من السنغال وكذا سنغور، والطيب صالح، وآخرين.
ونواصل

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
///////////////