" ... وارْتَفعَتْ مِن عَتْمَةِ الأرْضِ مَرايَا النَّارْ. وهَاهِيَ الآنَ جذُوْعُ الشَّجَرِ الحَيِّ، ولَحْمُ الأَرْضِ والأَزْهَارْ. اللَّيْلَةَ يِسْتَقْبِلُنِي أَهْلِي: خَيْلٌ تَحْجلُ فِي دَائِرةِ النَّار، وتَرْقُصُ فِي الأَجْرَاسِ، وفِي الدِّيْبَاجْ..."

(العَوْدةُ إلى سِنَّار"النَّشيدُ الأَوَّلُ : البَحْرُ " : د. محمد عبد الحي).
وأَنتَ تُسرجُ جَوَادَ غربتِكَ الجامِحَ، وجذُوْعُ الشَّجَرِ الحَيِّ، ولَحْمُ الأَرْضِ والأَزْهَارْ تَحتلُّ مساحاتِ الأملِ فيكَ وساحاتِ الحلم المُوْرِقِ المعطونِ في عِطرِ رَحِيْلِكَ القَاصِدِ عوالمَ دِيَار الملايو التي - حينها- لا تتعدَّى معرفتُك بها وبأهلها سوى سِيْرةِ تنكو عبد الرحمن أول رئيس وزراء لها (31 أغسطس 1957-22 سبتمبر 1970م) بعد الاستقلال من بريطانيا، والذي ولد بمدينة ألوستار في ولاية قَدَح شمال ماليزيا ، المُتخرِّج في جامعة كامبريدج البريطانية حاصلاً على بكلاريوس القانون عام 1923م، وقد وافته المنية في ديسمبر عام 1990م، قُبَيل وصولكَ إليها بشهرين. بجانب سماعكَ عن أشجار مَطَّاطِها، وغاباتها الملايويَّة الاستوائية، و"لغز فَتَاةِ مَاليزيا" للمغامرين الخمسة (تَختخ، ولوزة، وعاطف، ومُحب، ونوسة) وهي سلسلةُ كتبِ مغامراتٍ "بوليسية" من تأليف محمود سالم، أَصْدَرتْها دار المعارف في سبعينات القرن الذي وَلَّى. حيْثُ كانت ثِيْمَاتُ الألغازِ من أهمِّ المُدْخلاتِ المعرفية التي طَرَّزَتْ فَضَاءَاتِ التَّخيُّل لجيل الشباب الذي يتعاطى قراءة الكتب غير الصَّفِّيَّة وشَكَّلتْها في سبعينات القرن المنصرم وثمانيناته ليسَ في تخُومِ البلادِ الكَبِيْرَةِ فَحَسْب، بل على نطاقِ الأمَصار والأقاليمِ النَّاطِقةِ بِالعربية جميعِها. وأنتَ تَشُدُّ لِجام فرسِكَ الـمَهْجَري وتَشْرع في الرَّحِيْلِ الطَّوِيْلِ، كُنتَ تِرْمِي بصرَكَ بَعِيداً هناكَ صَوبَ المستقبلِ الـمُرَامِ، وتَدري أَنَّكَ لا محالةَ مُمْتَحنٌ بتحدِّياتٍ لا مَفَرَّ من مواجهتها، وأنتَ لها، وزادُكَ ما اغترفتَ من معارف وتجارب حياتية أهْدَتْكَهَا بلدتُكَ الحبيبةُ وهنا امدرمان. وأنتَ كذلكَ، تُلمْلِمُ أطرافَ حنينِكَ، قدَّمتَ آخِر حلقاتِكَ في برنامِجِ الأصداء الإذاعِيِّ، والتي نَظَمَ مَوضوْعَها الأساسَ خُيُوطُ الفرحِ الذي غَطَّى العالمَ اِحِفالاتٍ بإطلاق سراح المناضل الأفريقي الأشهر من معتقله، في صفقة تاريخية انتصرت للحق الإنساني، مَانديلا. فتزيَّنت حلقةُ الأصداءِ "قِلادَةً عَولميَّةَ التَّآذرِ" بقصيدة شاعر أفريقيا، الشاعر السوداني الكوني الفيتوري، وهو يُرسل تحيَّته للمناضل مانديلا، على خلفية إقاعات أفريقية لفرقةِ أَمْبَايِيْلِي السودانيةِ بقيادة الرَّاحِل الموسقار أَميقو، والتى تُحَاكِي مازورات مَجموعة كورال فرقة Black Mambazo الجنوب أفريقية، حيث يصدح الفيتوري قائلاً:" مانديلا، مانديلا، يا أبنوسَ الخريفِ الجَنُوبي. كيف يكونُ جلالُ الشَّهادةِ إن لم تكن أنتَ؟ تُولدُ في الموتِ، تَكْبُرُ في الموتِ، تَطْلُعُ حقلَ نُجومٍ على حائطِ الموتِ، تُصْبِحُ أَوْسِمةً من برُوق، وعاصِفةً من غِناء، وغَاباً عَظيماً من الرَّقص ...".
هنا امدرمان تحتفي بالإنسان في نضاله المُسْتَحقِّ ناشداً الحياةَ الكريمةَ في أبهى حُللها مُمثلةً في نيلسون روليهلاهلا مانديلا (1918-2013م)، حيثُ دفعت بالمخرج متدفِّقِ الإبداعِ متنوعِهِ الفنان الصديق صلاح الدين الفاضل التوم لإخراج الحلقة بمعاونة المخرجين الرائعين محمد خفاجه وأبو بكر الهادي، ومهندسي الصوت أسامة جمعة وأبوبكر الهادي وطلال عثمان. فانطلقَ مانديلا مخاطباً عشرات الملايين في جنوب أفريقيا بعد إطلاق سراحه يوم الأحد 11 فبراير 1990م قائلاً: " ... أَقِفُ هُنَا أَمَامَكُم كَخَادِمٍ بَسِيْط، لَكُم، لِلشَّعْبِ. إِنَّ تَضْحِيَّاتِكُم البُطُوْلِيَّةَ، هِيَ التي سَمَحَتْ لِي أَنْ أَكُوْنَ هُنَا اليَوْمَ... نَحْنُ نُنَاضِلُ مِن أَجْلِ حَقِّنَا كَوَطَنِيِّينَ، ونُرِيْدُ إِلْغَاءَ هَيْمَنَةِ البِيْضِ، ولَا نَسْعَى لِاسْتِبْدَالِ الهَيْمَنَةِ البَيْضَاءِ بِهَيْمَنَةٍ سَوْدَاْءَ، إِنَّـمَا نُرِيْدُ إِحْقَاقَ الحَقِّ، وإِفْشَاءَ العَدْلِ...".
ومِنْ أَقْوالِ مَانديلا ذَائِعَةِ الصِّيْتِ: "أَسْتطِيْعُ أَنْ أَكُوْنَ الأَسْوَأَ دَائِماً، لَكِنَّنِي أَمْلِكُ قَلْباً يِرْفُضُ جَرْحَ الآخرين". كَما يَقُولُ:"القُوَّةُ لَيْسَتْ دَائِماً فِيْمَا نَقُوْلُ ونَفْعَلُ، أَحْيَاناً تَكُوْنُ القُوَّةُ فِيْمَا نَصْمُتُ عَنْهُ، فَيْمَا نَتْرُكُهُ بِإِرَادَتِنَا، وفِيْمَا نَتَجَاهَلُهُ".

ونُوَاْصِل

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
//////////////


//////////////////