إنتشر في ولاية كسلا مؤخرا مرض "حمى الشيكونغونيا" بصورة وبائية أدت إلى إصابة آلاف الأشخاص ووفاة العشرات, وما زالت الولاية تعاني من آثار الداء الذي يسبب آلاماً مبرحة في المفاصل إضافة للآلام العضلية والصداع والتقيؤ والتعب والطفح الجلدي.

وقد تصادف أنني كنت أتحدث مع أحد أصدقائي حول طبيعة المرض وطريقة إنتقاله, وكان في نية ذلك الصديق زيارة كسلا, فقلت له أنه بحسب معلوماتي فإن المرض لا يُعدي بطريقة مباشرة, بمعنى أن عامل المرض (الفيروس) لا ينتقل من الشخص المريض إلى المعافى (بالتماس) كما يحدث في مرض مثل الأنفلونزا على سبيل المثال بل ينتقل بطريقة غير مباشرة عبر نوع معين من البعوض.
هنا تدخل شخص ثالث كان يجالس صديقي, وتبدو على مظهره علامات التدين الظاهري من لحية وزبيبة صلاة , فقال موجها حديثه لصديقي : توكل على الله وسافر, ألم تسمع قول الرسول (ص) : "لا عدوى ولا صفر ولا هامة", ثم نظر إلىَّ شذرا ولسان حاله يقول : حتى لو كان المرض معديا فلن يصبه مكروه !

لم يدر بخلد ذاك الشخص أنني قد سلخت أعواما كثيرة من عمري أبحث وأنقب في كتب الحديث, فباغته بالسؤال : وهل سمعت بالقول المنسوب للرسول : "إذا سمعتم بالطاعون بأرض, فلا تدخلوها", فارتبك من سؤالي, وبعد نقاش معه تكشف لي جهله بالأحاديث الواردة في هذا الخصوص في صحيحي البخاري ومسلم.
في واقع الأمر فإن الأحاديث الواردة في الصحيحين عن هذا الأمر, تعكس تضاربا وإضطرابا واضحا في متنها, كما أنها تبين مدى التهافت الذي حاول المشتغلون بالأحاديث أن يجمعوا به الروايتين المتناقضتين في هذا الخصوص, بدلا عن تبني الرأي السليم المتمثل في رفض إحداهما, لا لشيء سوى الحرص على تقديس كل ما يرد في كتب الأحاديث حتى وإن إتسم بالتناقض البائن.
الأحاديث الواردة في الصحيحين وتنفي إمكانية وقوع العدوى كثيرة, منها ما أخرجه الشيخان (البخاري ومسلم) عن أبي هريرة قال : قال رسول الله : "لا عدوى ولا صفر ولا هامة. فقال إعرابي : يا رسول الله : فما بال إبلي تكون في الرمل كأنها الظباء, فيأتي البعير الأجرب, فيدخل بينها فيجربها ؟ فقال : فمن أعدى الأول ؟"
وكذلك أخرج الشيخان عن أنس بن مالك عن النبي قال : "لا عدوى ولا طيرة, ويعجبني الفأل". وأخرجا أيضا عن عبد الله بن عمر أن رسول الله قال "لا عدوى ولا طيرة, وإنما الشؤم في ثلاثة : المرأة والفرس والدار".كما أخرج مسلم بسنده عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال : قال رسول الله : "لا عدوى ولا طيرة ولا غول" وفي رواية أخرى "لا عدوى ولا صفر ولا غول".

ومن ناحية أخرى, فقد وردت في الصحيحين أحاديث كثيرة على النقيض من الأحاديث أعلاه, إذ أنها تثبت إمكانية وقوع العدوى, منها ما أخرجه البخاري بسنده عن أبي هريرة قال : قال رسول الله : " ... وفِرَّ من المجذوم كما تفر من الأسد". وكذلك أخرج مسلم بسنده عن عمرو بن الشريد عن أبيه قال : "كان في وفد ثقيف رجل مجذوم. فأرسل إليه النبي : "إنا قد بايعناك, فارجع". وأخرج الشيخان بسندهما عن أسامة بن زيد عن النبي قال : "إذا سمعتم بالطاعون بأرض, فلا تدخلوها".

أما أكثر هذه الأحاديث غرابة وإثارة للعجب فهو ما أخرجه البخاري بسنده عن أبي هريرة قال : قال النبي : "لا عدوى ولا صفر ولا هامة" فقال أعرابي : يا رسول الله فما بال الإبل تكون في الرمل كأنها الظباء, فيخالطها البعير الأجرب فيجربها ؟ فقال : "فمن أعدى الأول؟" ثم قال البخاري : وعن أبي سلمة أنه سمع أباهريرة بعد يقول : قال النبي : "لا يورَدَنَّ ممرضٌ على مصح" وأنكر أبوهريرة حديثه الأول . وقلنا : ألم تُحدِّث أنه لا عدوى؟, فرطن بالحبشية. قال أبوسلمة : فما رأيته نسي حديثاً غيره".

نفس القصة أخرجها مسلم في صحيحه بعبارات أوضح تبين إضطراب أبوهريرة في روايته حول "لا عدوى", حيث روى بسنده عن أبي سلمة أن رسول الله قال : "لا عدوى" وقال : "لا يوردُ ممرضٌ على مصح", ثم يقول مسلم أن أبو سلمة قال : كان أبوهريرة يحدثهما كلتيهما عن رسول الله, ثم صمت أبوهريرة بعد ذلك عن قوله : "لا عدوى", وأقام على أن "لا يورد ممرضٌ على مصح", قال : فقال الحارث بن أبي ذباب : قد كنت أسمعك يا أبا هريرة تحدثنا مع هذا الحديث حديثا آخر قد سكتَّ عنه. كنت تقول : قال رسول الله : "لا عدوى". فأبى أبوهريرة أن يعرف ذلك , وقال : "لا يورد ممرضٌ على مصح" فماراه الحارث في ذلك حتى غضب أبوهريرة, فرطن بالحبشية. فقال للحارث : أتدري ماذا قلت ؟ قال : لا . قال أبوهريرة : قلت : أبيت. قال أبوسلمة : ولعمري لقد كان أبوهريرة يحدثنا أن رسول الله قال : "لا عدوى" فلا أدري أنسِىَ أبوهريرة ؟ أو نسخ أحد القولين الآخر؟
هذه القصة تبيِّن بجلاء التناقض في حديث أبوهريرة , فهو تارة ينسب للرسول القول بإمكانية إنتقال العدوى وتارة أخرى القول بعكس ذلك, وعندما إنتبه الحارث بن أبي ذباب إلى ذلك التضارب وحاول تذكير أبوهريرة فإن الأخير غضب ورطن بلغة الأحباش منكرا "فأبى أن يعرف ذلك" أنه قد روى حديث نفي إنتقال العدوى !
وعلى الرغم من إنكار أبوهريرة الواضح إلا أن علماء الحديث لم يتجرأوا على إستبعاد الرواية بل آثروا أن يجدوا لها تفسيرا متهافتا بعيدا كل البعد عن معناها المباشر الذي فهمه الصحابة (الحارث وأبوسلمة), وذلك عن طريق جمع الروايتين على أساس قاعدة "نفي السببية" المعتمدة في المذهب الأشعري, والتي تنفي تأثير الأسباب بقوة أودعها الله فيها وتقول بأن المسببات تقع بخلق متجدد لله في كل مرة.

بناءا على تلك القاعدة جمع شرَّاح الحديث بين الروايتين, وقالوا أن نفي العدوى المقصود منه هو نفي تأثير المرض بمعزل عن إرادة الله لأنه لا ممرض إلا المولى جل وعلا, وأما إثبات العدوى فقالوا عنه أن الله كثيرا ما يخلق المرض عند التماس مع المريض, وأن الإنسان أُمر بالإبتعاد عن المريض ليس خوفا من العدوى إذ لا وجود لها من المريض بل من باب سد الذرائع فحسب, حتى لا يتوهم الشخص أن مرض الآخر قد أعداه دون الله !

لا شك أن تلفيق شُرَّاح الأحاديث وتفسيرهم المتكلف أعلاه يلخص أزمة غياب العقل المسلم بإمتياز, كما أنه يؤكد إحكام سيطرة النقل على ذلك العقل,حيث تضخمت المنظومة الخبرية بصورة كبيرة وتحولت إلى سلطة طاغية لها قوة وإلزام الوحي (القرآن), وبالتالي أضحى من الممنوع نقدها أو مناقشتها أو التشكيك في صحتها.

وذلك يمثل مخالفة صريحة للتقاليد التي أرساها الصحابة الأوائل, الذين حثوا على الإقلال من الرواية عن النبي, حيث قال الخليفة الثاني عمر بن الخطاب ( أقلوا الرواية عن رسول الله (ص) إلا فيما يعمل به ), بل أن الرسول نفسه نسب إليه القول ( لا تكتبوا عني غير القرآن ومن كتب عني غير القرآن فليمحه ).
قد أثبت العلم أن العدوى تسري من الشخص المريض إلى الشخص المعافى عبر الميكروبات ( البكتريا والفيروسات والفطريات والطفيليات), وأن ذلك يمكن أن يتم عبر التماس المباشر, وهو أمرٌ ثبت عن طريق الحس والمشاهدة , وبات علما مقطوعا به لا يمكن نفيه عبر روايات مضطربة, وبالتالي فإنه يتوجب رفض رواية نفي العدوى دون الشعور بأدنى حرج, ودون اللجوء لتفسيرات تلفيقية لا تصمد أمام النظرة العقلانية.


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.