عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.


شغلت الساحة الرياضية في الاسابيع الماضية بقضية استثناء الدكتور كمال شداد حتى يتمكن من خوض انتخابات رئاسة اتحاد كرة القدم لدورة جديدة. وقد تم تناول هذا الموضوع من زوايا عديدة, غلب عليها الطابع الجزئي الضيق الذي يحصر النقاش بين أصحاب المواقف المؤيدة والمعارضة للأستثناء. وسأحاول في هذا المقال نقل النقاش خطوة للأمام بحيث يتم النظر للموضوع من منظور ثقافي أشمل لا يحصر القضية في بعدها المرتبط بالرياضة بل يتعدى ذلك للبحث في الصورة الأكبر بوصف القضية تعكس أزمة ثقافية أجتماعية ذات أبعاد متعددة , وسأركز الحديث على بعدين مهمين هما بعدى القيادة والقانون في مجتمعنا السوداني.

في العام 1975 قاد الدكتور كمال شدّاد ضمن كوكبة من الرياضيين حملة ضارية ضد الدكتورعبد الحليم محمّد مطالبا أياه بالتنحي وأعطاء الفرصة للشباب من اجل تجديد الدماء, والفكر, والوجوه. ومنذ العام 1979 وحتى يومنا هذا ظل الدكتور شدّاد حاضرا في أتحاد كرة القدم, رئيسا له الاّ في فترات محدودة شغل فيها المنصب أخرين, فهل سأل نفسه بعد ثلاثين عاما عن مطالبه التي أذاعها على الملأ عندما نادى بتنحي سلفه الدكتور حليم ؟ .

على أنّ موقف شدّاد هذا ليس وقفا على الحقل الرياضي, فهو يمتد ليشمل حقول أخرى منها الحقل السياسي, حيث يحيلنا مباشرة لخلاف السيد الصادق المهدي مع الاستاذ محمد احمد المحجوب, حين طالب الاوّل بتنحي الثاني بذات الدعاوى , تجديد الفكر, والدماء, والوجوه, ولكنه وبعد أن أبعد المحجوب  ظل قابعا في سدّة رئاسة الحزب العتيد لأربعة عقود من الزمان.

كنت قد ناقشت أزمة ديمومة القيادة في رسائل متبادلة مع أحد الأصدقاء في شأن يخص حزب سياسي كبير, وأعتقد أنّ ذات النقاش يصلح للتطبيق على ظاهرة الدكتور كمال شدّاد, وكان مما جاء في أحدى الرسائل :      

( أنت سيد العارفين بحكم خبرتك في مجال الأدارة أنه ومنذ نهاية القرن التاسع عشر عندما ظهرت أعمال أحد كبار شيوخ علماء الأقتصاد والأجتماع" ماكس فيبر"- وحينها كانت مفاهيم التنظيم الحديث جديدة- حيث كانت تطغى مفاهيم التنظيم الأبوي علي المفاهيم العقلانية وكانت تمثل المصدر الأساسي لمبادىء وأسس التنظيم , هذه المنظمات الأبوية كان علي رأسها رمز أبوي , فرد يمتلك سلطة مطلقة , وهو الوحيد الذي له الحق في مكافأة الأفراد أو عقابهم, ترقيتهم أوفصلهم من المنظمة , كل ذلك بناء علي تقديراته الخاصة. هذا الضرب من التنظيم أختفي منذ أكثر من مائة عام ولكنه مازال يسيطر علي المشهد الحزبي  والجميع مستسلمون له , كل يحاول أن يجد له المبررات, منهم من يتعّزي بأنّ هذا هو حال السودان وحال أحزاب السودان ونحن لسنا استثناء من ذلك ,ومنهم من يقول علينا بالصبر حتي يقضي الله أمرا كان مفعولا بأنتقال هؤلاء(القادة) الي الرفيق الأعلي, ولكن هؤلاء تلجمهم أبيات محمد المكي أبراهيم الشهيرة :

الكوخ المائل لا يهوي
والشجر الذاوي ليس يموت
والناس لهم أعمار الحوت

لقد أبتلينا بقادة لا يموتون الا بعد ان تموت الآمال والأحلام في صدورالناس ولله في خلقه شئون. ومع طول العمر هذا تغيب عن ثقافة العمل العام فكرة التنحي وأدب الأستقالة ويسود نهج أطلقت عليه نهج" الكنكشة" . وعلي ذكر هذا النهج فقد كنت علي الدوام أؤكد أنّ أسطورة " نلسون مانديلا " بالنسبة لي لا تتجلي في صموده لأكثر من سبعة وعشرين عاما داخل سجون النظام العنصري, ولا في القدر العالي من التسامح الذي اظهره تجاه الأقلية البيضاء مع ما ارتكبته من فظائع في حق أهله السود, وبرغم أهمية ذلك الصمود وهذا التسامح, فأنّ عظمة هذا القدّيس تبدو أكثر بريقا ولمعانا في أختياره الطوعي للتنحي عن السلطة و أفساح المجال لآخرين, تلك لعمري مزية لا تتوفر الاّ لأصحاب العزائم وذوي النفوس الكبار وياليت( قادتنا) يستلهمون تلك الدروس من حكيم افريقيا ورمزها الأكبر.)- أنتهى.

في ظني أن أزمة القيادة عندنا أزمة متجذرّة في ثقافتنا, ويجب أن نبحث في أمرها في بني المجتمع التحتية وليس في تمظهراته الخارجيه, علينا أن ننقب في مناهج التربية والتعليم , في نظم التنشئة, في الأسرة والمدرسة والحي السكني, في دور" الدين" في حياتنا, كل هذه المكونات الثقافية أنتجت لنا ما اصطلحت علي تسميته بثقافة " الواحد" الذي يجب أتباعه في كل الأحوال : الأب والمعلم وشيخ الطريقة ورئيس الحزب ورئيس النقابة ( بالمناسبة رئيس اتحاد العمال الحالي ظل قابعا في منصبه منذ مجىء الأنقاذ ) , مثل هكذا ثقافة لا تنجب ديمقراطية ولا تبشّر بحرية وتقدم.

لا يستطيع الدكتور شدّاد المزايدة على الاخرين بتمسكه بالنهج الديموقراطي, فهو في سبيل الحفاظ على كرسي الرئاسة أرتضى- مثل غيره في مجالات اخرى- ركوب قطار "حزب المؤتمر الوطني" الذي أنقلب على الديموقراطية, والمبادىء لا تتجزأ. هو يتمسك بديموقراطية شكلية, يحشد لها أنصارا مفتونين بمؤهلاته التي لم يجن من ورائها السودان بطولة أو كاسا. يقولون لك انّ "الدكتور" شخصية عالمية فهو صديق "لبلاتر", وخبير بقوانين الفيفا, ومتحّدث متمكن من اللغة الأنجليزية, فهل يستدعي ذلك أستثناءه بقرار من وزير الشباب والرياضة ؟

من المؤسف أنّ جوقة الأنصار التي تقدمّت بطلب الأستثناء وأيّدته فيها خبراء رياضة و ادارة و محامين وصيادلة و اعلاميين وغيرهم من الذين أذابوا ذواتهم في ذات الدكتور شداد في مشهد عشق صوفي يحسدون عليه, وهددوا بتصعيد الموقف لأعلى المستويات , وكأنما الأرض ستزلزل زلزالها اذا فارق الدكتور شدّاد منصب الرئيس. كان مؤملا أن يتصدى أحد هؤلاء الأنصار لتولي منصب الرئاسة, فالخبرات لا تكتسب وتطوّر الا بتولّي المسئوليات ومن ثم التجربة والخطأ, وليتفرّغ الدكتور شداد لمهام أخرى ربما صادف فيها نجاحات تغطي على الفشل الذي صاحب مسيرة الكرة السودانية التي ظل يقودها لعقود من الزمن.      

أستمعت قبل عدة أعوام لحوار في هيئة الأذاعة البريطانية مع الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون سئل فيه عن أمنية تمنّاها ولم تتحقق, فقال في أجابته : تمنيت لو أنّ الدستور الأميركي كان يسمح بأنتخاب الرئيس لفترة رئاسية ثالثة حتى أكمل ما بدأته من برامج وخصوصا برنامج الأصلاح الأقتصادي. ومعلوم أنّ الرئيس كلينتون يعتبر بمقاييس الأنجازات الأقتصادية وعلى صعيد العلاقات الخارجية من أنجح الرؤساء الأميركيين.

الفارق الثقافي هنا يبدو في غاية الوضوح , فالرئيس كلينتون يعرف الحدود التي تنتهي فيها الأماني ويبتدىء فيها القانون والدستور, فهو – بعكس شدّاد – لم يحشد الحشود, ولم يدبّج المذكرات, ولم يحاول المزايدة بأنجازاته, فالقانون والدستور خطوط حمراء غير مسموح بتجاوزها في تلك الثقافة.

امّا في مجتمعنا الذي يتخطى فيه سائق السيارة الأشارة الحمراء بكل فخر وأعتزاز, والذي ينقلب فيه ضابط الجيش على الدستور الذي عهد اليه بحمايته, فأنّ التحايل علي القانون لا ينظر اليه بوصفه جريمة. أنّ الأزمة ببساطة شديدة هى أزمة ثقافية عميقة لا يقتصر مداها على اتحاد الكرة بل يمتد ليشمل كافة ميادين الحياة.

ولا حول ولا قوة الاّ بالله.