عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.


كتب الأستاذ أمين أبوالعواتك مقالا بعنوان "حينما لا يكون القصد هو الحق فأنّ الهوى هو الدليل"  يرد فيه على مقالنا " النيّل أبوقرون وقوانين سبتمبر", وقد تكرّم الأستاذ أمين في مقاله – مشكورا -  بالرد على كل شىء عدا ما أوردناه في مقالنا سابق الذكر, وهذه افة تصيب كل من تبرطم ( تغضّب) من كلام دون أن يتدبره, وقد حزمت أمري وتوكلت على الحيّ الدائم أن أفليّ  ( فليّت الأمرأذا تأملت وجوهه ونظرت الى عاقبته) سطورمقاله وكلامه البايخ ( يقال باخ اللحم بؤوخا بمعنى تغيّر, ووصف الكلام بأنه بايخ (تخفيف بائخ) بمعنى أنّه غير مقبول, كاللحم اذا تغير).

بادركاتب المقال بمقدمة في ماهية الكتابة التاريخية جاء فيها أنّ ( الكتابة عن التاريخ والأحداث وتفاعلاتها المتداخلة والاثار المترتبة عليها ليس بالأمر المزاجي ), وهى كذلك ( أمانة يجب أن تؤدى بعيدا عن هوى النفس والعواطف), والحق أنّ هذه المعايير لا تنطبق على الكتابة التاريخية فحسب, ولكنها تصلح للتطبيق على الكتابة بصفة عامة. غير أنّه وبجرأة يحسد عليها خالف ما خطتّ يداه في الفقرة السابقة فنسب ألينا ما لم نقله ونقل عنا ما لم نسطره, كتب يقول متحدثا عن (الشريعة) ( كما أنّ القول بأنها هى السبب في زعزعة الأستقرار في فترة الديموقراطية الثالثة وغيرها من المحصلات التي ذكرها الكاتب هى من قبيل القفز الى النتائج وليست بالأمر الصحيح), ثم يصل الى نتيجة في غاية الغرابة مفادها أننا قصدنا أن نرجع لتلك القوانين (كل مثالب وأخفاقات الدولة السودانية في مراحلها المختلفة).

 وهذا نقل فيه تدليس,فنحن لم نستخدم كلمة شريعة على الأطلاق لوصف قوانين سبتمبر,  أما النتيجة التي خلص اليها (أرجاع كل أخفاقات السودان لتلك القوانين) فأقل ما يقال عنها أنها ساذجة, حيث أنّ صغار الدارسين لمناهج البحث العلمي يعلمون أنّه من الخطأ في تحليل الظواهر (خصوصا الأجتماعية  والسياسية والتاريخية) أرجاعها الى سبب واحد, فما الذي يحملنا على أرتكاب مثل هذه الحماقة وأستخلاص ذلك القول المفشكل ( المعوج ) ؟     

ذلك ما كان من أمرعوار النقل, أمّا بوارالحجة فشاهده هو أنّ تلك القوانين كانت محل خلاف دائم  بين الأحزاب ( قال السيد الصادق المهدي أنها لا تساوي الحبر الذي كتبت به)  وفي البرلمان وأجهزة الأعلام والصحف بل وفي الشارع حين سارت المسيرات (المليونية), وهى كذلك كانت حاضرة في فض الحكومات الأئتلافية الذي ترتب عليه عدم استقرار الحكم الديموقراطي , كما أنّ كافة الأتفاقات ومحاولات التوصل للسلام في الجنوب أرتطمت بصخرة ألغاء تلك القوانين أو تجميدها , وهى قد كانت الحجة التي أستخدمتها الجبهة القومية الأسلامية ضمن أسباب أخرى للأنقلاب على النظام الديموقراطي, فأين اذا هو القفز الى النتائج الذي يعنيه كاتب المقال ؟

ثم يواصل كاتب المقال مجانفة الحقيقة حينما يصرعلى القراءة الخطأ لما سطرناه ,فيقول – غفر الله له – ( ولا أدري كيف يطيل مولانا النيّل أبوقرون عمر نظام مايو كما أشار الكاتب وكأنه يمتلك أطرا تنظيمية أو ثقلا ما أو حتى يمتلك (امر مايو) وهو الذي كان لا يستطيع الحصول على وقود لعربته من (أسياد) القصر وقتها لأنه كان غريبا عليهم ولأنه جاء لمهمة محددة ).

وحقيقة الأمر أننا لم نقل أنّ الشيخ النيّل هو من أراد أطالة عمر نظام النميري, بل ذكرنا أنه كان أداة أستخدمها النميرى لأطالة عمر نظامه, وقد قلنا الاتي ( ويعلم الشيخ النيّل أنّه ومن معه (عوض الجيد وبدرية سليمان) شاركوا في مؤامرة دبرّها حاكم معزول لأحداث كسب سياسي ليس له علاقة بالدين وقصد منه أطالة عمر نظام متهالك فاقد للسند وللمشروعية).

فهل يصدر مثل هذا الأحتيال في القراءة من شخص قصده الحق ؟ وهل يحق للكاتب أن يرمينا جهلا بأنّ الهوى كان دليلنا عندما كتبنا مقالنا ؟ وذلك ما جاء في العنوان الذي أختاره لمقاله ولحديثه المبخوش (المثقوب).

ويسأل كاتب المقال سؤالا ليس من موضوع المقال ثم يتبرع بأحالتنا لمصادر, ويقتبس أقتباسات مطوّلة هى في ظني أهدار لمساحة تحتاجها الصحيفة, ولزمن لا يتوفر للقارىء, فيقول وكأنه قد أمسك بالوعل من قرنيه ( كما وكيف يتجاهل الأخ كاتب المقال قضية الخلافات السياسية الفكرية العميقة بين الجمهوريين والأسلاميين والقضايا التي كانت قبل ذلك في المحاكم والتي رفعها الجمهوريون ضد الأسلاميين ).

وأجابتنا على سؤاله بسيطة وهى أنّ موضوع مقالنا لم يكن عن دور الأخوان المسلمين أو الجبهة القومية الأسلامية في أغتيال الأستاذ محمود محمد طه, أو علاقة الجمهوريين بالأسلاميين, بل كان عن قوانين سبتمبر ودور الشيخ النيّل فيها, وهو ما يوضحه عنوان المقال الذي سبق ذكره, وبالتالي فقد حصرت حديثي على ذلك, وهو ما يرغب الأستاذ كاتب المقال في صرف النظر عنه, وهذا ما يفسر تجاهله الرد على فقرة تعتبر من أهم ما جاء في المقال, وهى الرسالة التي تشير بوضوح الى أنّ الشيخ النيّل كان يتربص بالجمهوريين ويتحيّن الفرصة للأيقاع بهم, وقد ذكرت في تلك الفقرة (ومن يقرأ رسالة النيّل للنميري يشعر بمدى الفرحة التي غمرته بالقبض على الجمهوريين. ويورد الدكتور احمد المصطفى حسين نص المذكرة التي بعث بها النيّل للنميري :
   (الأخ الرئيس القائد .. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .. المنشور المرفق وزّعه الجمهوريون، وقد قُبض على ستة منهم، وتم التحقيق معهم وسوف يقدمون للمحاكم. وبهذا، فقد أتاحوا لنا فرصة تاريخية لمحاكمتهم. وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون. ولا شك أنها بداية لمسيرةٍ ظافرةٍ بإذن الله يتساقط دونها كل مندس باسم الدين، وكل خوان كفور، ولله الأمر من قبل ومن بعد .. وفقكم الله لقيادة المسيرة الظافرة، وإتمام نهج الله على آثار المصطفى صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ومن سار بسيرهم ونهجهم إنه سميع مجيب
 .. النيّل عبد القادر أبو قرون ـ 6 ربيع الثاني 1405 هـ ـ يوم السبت الموافق 29/12/1984م).

ثم يتجاوز كاتب المقال حدود النقاش الموضوعي, عندما ينصّب من نفسه شرطيا للمباحث يفتش في عقائد الناس بنفس المنهج الذي يتبعّه من يسميهم هو بالظلاميين, فتأمّل قوله التالي: ( وأني لأشتم من الكاتب موقفا من الشريعة الأسلامية بسبب منظوره الضيّق لها أو بسبب الأخطاء التي حدثت في التطبيق بسبب حداثة التجربة ).

وفي هذا الخصوص يجب أن أوضح أنّ كاتب المقال يرتكب خطأ عظيما في اللغة وفي الاصطلاح عندما يطابق معنى الشريعة الأسلامية بمعنى "القانون". فكلمة شريعة  لم ترد في القران الا مرة واحدة في الاية الكريمة " ثم جعلناك على شريعة من الأمر فأتبعها ولا تتبّع أهواء الذين لا يعلمون", وكذلك وردت كلمة شرعة في الاية " فاحكم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق, لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا, ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة". وكما هو واضح من الايتين فأنّ الكلمة تعني طريقا أو منهاجا. وفي اللغة تعني كلمة شريعة "المكان الذي ينحدر منه الماء", وفي الأصطلاح تعني الكلمة ما شرّعه الله لعباده من الدين, مثل الصوم والصلاة والحج, وغير ذلك, وأنما سمى شريعة لأنه يلجأ اليه, كما يلجأ الى الماء عند العطش.

فمن هو صاحب المنظور الضيّق ؟ من ينظر للشريعة الأسلامية بهذا الأفق الواسع أم من يحصرها في مجرّد قوانين ؟ ثم من الذي أعطى السيد أبوالعواتك الحق في أن يشتمّ  أفكار الناس, ويتفلحس (يتطفل) على قلوبهم و ضمائرهم ليخلص الى نتيجة مفادها أنّ لهم موقفا من الشريعة ؟  

ثم ينفضح أمر الكاتب, بعد أن يتضّح أنّ الفرضية الأساسية التي قام عليها بنيان مقاله البائر (الفاسد الذي لا خير فيه ) كانت خاطئة, فقد ظنّ – وبعض الظن أثم – أنني أنتمي للفكرة الجمهورية, وأنّ دافعي لكتابة المقال هو غضب شخصي لما حدث للأستاذ المرحوم محمود محمد طه, ولذلك أومأ الى أنني أحد الذين (أعمتهم عبادة الأفراد والتباكي عليهم من الأذعان والقبول بالمشيئة الألهية والتي هى تجري وفق الأقدار المسبقة لا التقدير البشري الحادث. ولا نفعل كما يفعلون بأن نشمت أو نسىء لأحد بل الواجب والتعاليم تحتم على الكاتب وأخوته سعة الصدر وقبول الاخر والرضاء بقدر الله والعمل بالحرية لنا ولسوانا وهى تعاليم الراحل الاستاذ محمود محمد طه.... نحن ننتظر من الأخوة الجمهوريين طرحا يطال كل التحديات المطروحة في رؤى تجديدية متنامية بمرجعية الفكرة المحمدية السامقة).

أنّ دافعنا لكتابة المقال كان دافعا مبدئيا يرفض تملّص الأشخاص من المسئولية الأخلاقية لأفعالهم وهو ما بدا من حديث الشيخ النيّل, ولم يكن غرض المقال محصورا في الدفاع عن موقف الأستاذ محمود وهو موقف مبدئي يدعو للفخر والأعزاز, ولكنني تحدثت كذلك عن المئات من المقموعين الذين طالتهم سياط "محاكم العدالة الناجزة", وقطعت أياديهم وأرجلهم من خلاف, وشهّر بهم في أجهزة الأعلام المقروءة والمسموعة والمرئية, ولم يحرّك الشيخ النيّل ساكنا لأدانة كل هذا, فمن هو الذي يعبد الأفراد اذا ؟ من يرفض تهرّب الأشخاص من المسئولية أم من تدفعه البرطمة (الأنتفاخ غضبا) ليجّرد قلمه ويكتب مدافعا عن هؤلاء المتهرّبين ؟

ويختم السيد أبوالعواتك مقاله مستهجنا بطرف خفي من أستدلالنا بمقولة لسقراط, فيقول ( فهذه هى مرجعية مولانا النيّل ابوقرون وهى الخلق العظيم رسول الله صلى الله وبارك عليه واله واتباعه في كل فعل وقول وفي كل شىء حتى وان كان خاتما شديد اللمعان, وليس التمثل بسقراط أو حتى تلميذه أفلاطون أو من حذا حذوهم).

وهذا ضرب من البطبطة (ضعف الرأى) لأننا في حقيقة الأمر لم نحتج بسقراط في أمر من أمور الدين, ولم نأخذ فتوى شرعيّة عن افلاطون, ولكننا اوردنا حوارا بين الأثنين يظهر ثبات المفكرين العظام على مواقفهم المبدئية, بينما ينبطح اخرون في مواقف شبيهة وقلنا الكلام التالي  ( فماذا كان موقف النيّل من تهمة الرّدة التي أتهم بها ؟ تراجع عن كل شىء ورضى بالأستتابة, وشتان بين موقف وموقف. أصحاب المبادىء والقامات الفكرية السامقة لا يتراجعون ويمضون الى الموت بهدوء ونبل, وعندما حكم الأثينيون الجّهال على سقراط بالأعدام تسلل اليه في ليلة التنفيذ أفلاطون حاملا اليه خطة الهرب, ويستمع المعلم لتلميذه المتحمس حتى يفرغ ثم يرفض الهرب ويسأل أفلاطون مذهولا عن السبب فيبتسم سقراط بحزن ويجيب : لقد أدرت ظهري لهذا العالم الدنيىء).

 قد تهجم علينا دون وجه حق السيّد ابوالعواتك دفاعا عن الشيخ النيّل, ولم يقم بالرد على جوهر ما طرحناه وما قصدنا اليه, وكان نهجناعلى الدوام تجنب مجاراة مثل هذا النوع من الكتابة عملا بأبيات الأمام على كرّم الله وجهه:
    
لربما اختزن الكريم لسانه         حذر الجواب وانه لمفوّه
ولربما ابتسم الوقور من الأذى   وفؤاده من حرّه يتأوه

ولكن الأذى أشتد علينا هذه المرّة, فحزمنا الأمر على كتابة هذه الكلمة عسى أن يذهبه الله عنا  ويعافينا.