عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.


مرّت يوم الأربعاء الثامن من ديسمبر الذكرى الثالثة عشر لرحيل معلم الأجيال والمثقف الوطني الكبير الأستاذ أحمد أسماعيل شيلاب.  وتمثل لنا هذه المناسبة نحن تلاميذه وعارفي فضله فرصة لعكس بعض جوانب سيرته الثقافية والوطنية والسياسية الثرة.

كانت الثقافة تمثل محور حياة الأستاذ شيلاب ومنها تفرعت بقية الأهتمامات, ويعرف كل من زاره بمنزله العامر بالثورة الحارة التاسعة أنّه وضع لافتة على باب المنزل كتب عليها  " دار الثقافة الوطنية", وقد كانت كذلك بحق,  يؤمها الطلاب والباحثون والمثقفون والسياسيون, وقد كان المنزل ذاته عبارة عن مكتبة كبيرة.

في أوّل لقاء جمعني بالأستاذ في داره قبل حوالى عقدين ونصف العقد من الزمن أعطاني كتاب " الظاهرة القرانية" لمالك بن نبي, وسألني أن أستعد لمناقشته في زيارتي القادمة, ولهذا الموضوع قصة.  كنت قد فقدت نسختي من الكتاب قبل أكمال قراءته , وكانت واجهتني صعوبة في أستيعاب لغته التي بدت لي غير مألوفة, وتوقفت في الفصل السابع منه الذي ناقش "مقام الذات المحمديّة في ظاهرة الوحي", وهو الفصل الحاسم الذي خلص فيه الى الأنفصال الكامل بين الذات المحمدية، والوحي القرآني. وفي زيارتي التالية أنفقنا ساعات طويلة في نقاش الكتاب, وعرّفني بالعلاقة التي جمعته بمالك بن نبي في قاهرة المعز لدين الله الفاطمي, ثم اهداني الكتاب الذي ما زلت احتفظ به بكلمة جميلة وبتوقيعه المميّز.

لم تكن الثقافة مهنة للأستاذ رغم أنه شغل موقع "مدير مصلحة الثقافة" بالوزارة , بل كانت منهج واسلوب حياة, منذ أيام دراسته بكلية دار العلوم وحتى سنين دراسته العليا بمعهد الدراسات العربية, وما بينهما من حركة نشطة في دوائر الثقافة والفكر أمتدت بين الحضور المنتظم في صالون العقاد, والمكتبات والندوات والمحاضرات العامة, والى حضوره لمناقشة أكثر من الف رسالة ماجستير ودكتوراة في مختلف ضروب العلم والمعرفة, ثم الصلات الواسعة مع المثقفين والأكاديميين العرب أمثال الدكتور احمد صدقي الدجاني من فلسطين, والدكتور حسن صعب من سوريا, والدكتور حامد ربيع من مصر وغيرهم.

وكانت الثقافة هى مدخله للعمل الوطني و السياسي العام, ولذلك لم تشغله هموم المناصب والمواقع الحزبية, حيث أنصب كل عمله ونشاطه في ترسيخ الفكر والرؤى والبرامج الحزبية, واليه يرجع الفضل الأكبر في صياغة المرتكزات الفكرية للحزب الأتحادي عبر مدارس الكادر التي أنتظمت روابط الطلاب الاتحاديين بالجامعات السودانية وجامعات جمهورية مصر العربية والعراق, وتخرجت على يديه المئات من القيادات الطلابية والشبابية التي أستطاعت أن تجد لها مكانا في تلك الساحات التي ظلت لفترات طويلة حكرا على اليسار وعلى حركة الأخوان المسلمين. وظل حتى أيامه الأخيرة يلقي المحاضرات الداخلية, وينشط في أختيار الكوادر وفق أسلوب دقيق, وكان يشدّد علينا في التركيز على العناصر الصلبة والمميزة, ولا يقبل مرشحا الا بعد تمحيص شديد, وبعد أن تتوفر كافة المعلومات المطلوبة عنه.  

لم يكن الأستاذ شيلاب مثقفا تقليديا, بل كان " مثقفا عضويا"  ناقدا للأوضاع السائدة, وساعيا للتغيير عبر الأنحياز للجماهير, ومن هنا نستطيع أن نفهم عبارته الشهيرة " أنّ ديموقراطية الثقافة وجماهيريتها هما المدخلان الرئيسيان لنهضة الأمة", وما كان لينحني لأستعلاء "السياسي" على " الثقافي", بل كان يرى أنّ الأخير هو أداة التغيير الحقيقية, ولم يكن يثق كثيرا في القيادات السياسية, حيث كانت لازمته الشعرية التي لا يكل من ترديدها علينا في ضرورة ان لا ننخدع ببريق السياسيين, هى أبيات متنبىء بادية السماوة :

  غيري بأكثر هذا الناس ينخدع   أن قاتلوا جبنوا أو حدّثوا شجعوا
  أهل الحفيظة الاّ أن تجرّبهم       وفي التجارب بعد الغى ما يزع

أشتغل الأستاذ في مطلع التسعينات على بحث في غاية الأصالة, و حين عرض علىّ  أفكاره الأولية وخطوطه العريضة, قلت له أنّ ذلك سيجلب لك الكثير من المتاعب. فقد عرض علىّ أوراق بها أقتباسات مقارنة, وتعليقات بخط يده, ثم بادرني بالقول أنني أعمل على بحث يقوم على فرضية تقول أنّ بن خلدون قد أنتحل معظم أفكاره في المقدمة وفي العبر من أخوان الصفا, ثم بدأ حديثا مطولا به الكثير من الأستشهادات من رسائل أخوان الصفا, وقارنها بمقولات أساسية لأبن خلدون. وبعد حوالى عقد من الزمان ( في عام 2000) صدر كتاب للمؤرخ المصري الدكتور محمود أسماعيل بعنوان " نهاية أسطورة" يقوم على نفس الفرضية, وأحدث زلزالا فكريا هائلا. كان حينها الأستاذ شيلاب قد رحل عن الدنيا, ولا أدري مصير بحثه, وأين ذهبت أوراقه ومخطوطته الأولية.

انحياز الأستاذ شيلاب للحرية و للديموقراطية شكل الملمح الرئيسي في مسيرة عمله السياسي والوطني , وبهذا يشهد تاريخه النضالي ضد الأنظمة العسكرية, ومساهمته الفاعلة في ثورة اكتوبر عبر العمل النقابي أثناء وجوده بالأذاعة, ومشاركته في الموكب الشهير, ثم المشاركة في العمل المقاوم لنظام مايو, واخيرا مسؤليته عن العمل الطلابي في ظل الانقاذ. وقد كان كذلك رمزا من رموز الأصلاح الديموقراطي داخل الحزب الأتحادي عبر التوعية وبث الأفكار وتنشئة الأجيال الرافضة للهيمنة الطائفية.

منحته المؤسسة التعليمية العملاقة و الرائدة جامعة الأحفاد درجة الأستاذية الكاملة حيث ظل يحاضر فيها حتى وفاته, وقد كان في ذلك عزاء له بعد أن أجبر على ترك وظيفته في ظروف بالغة التعقيد. وعاش سنوات عمره الأخيرة متفرغا للعمل الوطني, ومحتفيا بطلابه وتلاميذه, في المحاضرات والندوات العامة و شكل حضورا دائما في ندوات أحتفال الأستقلال التي كان يحتضنها  منزل الزعيم اسماعيل الأزهري "بيت الأمة".

وقد تبرعت أسرته الكريمة بمكتبته لتلاميذه وطلابه الذين جعلوها نواة للمركز الذي حمل أسمه " مركز شيلاب لدراسات المجتمع المدني" والذي يشرف عليه عدد من تلاميذه على رأسهم الدكتور نورالدين احمد عبد الله, والدكتور صديق تاور, والأستاذ عز العرب حمد النيل واخرين.

في صبيحة الثامن من ديسمبر من العام 1997, وصلتني مكالمة تليفونية ينبئني فيها المتحدث من الطرف الاخر بالرحيل المفاجىء للأستاذ, وقد حاولت دون جدوى نفى الخبر مثلما فعل أحمد بن الحسين :

طَوَى الجَزِيرَةَ حتى جاءَني خَبَرٌ   فَزِعْتُ فيهِ بآمالي إلى الكَذِبِ  

حتى إذا لم يَدَعْ لي صِدْقُهُ أمَلا    ً شَرِقْتُ بالدّمعِ حتى كادَ يشرَقُ بي

وصدق النبأ و نفذ أمر الله الذي لا مرد له .الا رحم الله الأستاذ أحمد اسماعيل شيلاب, وجعل الجنة مثواه.