عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

طلبت الولايات المتحدة من بعض الدول العربية والأسلامية عقب أحداث الحادي عشر من سبتمبر أصلاح مناهجها التعليمية التي رأت أنها تحض على كراهية الاخر وتشجع على العنف.

وقد تم التصدي لدعوة الولايات المتحدة لأصلاح المناهج من قبل العديد من التيارات والرموز الأسلامية بأعتبار أنها جزء من الحملة الغربية ضد الأسلام والمسلمين, وأنها تهدف لضرب الهوية العربية الأسلامية, وأعتبروها تدخلا سافرا في شئون الدول الأسلامية.

غير أنّ هناك دولا أعترفت بأنّ مناهجها قد أحتوت على تحريض ضد الاخر غير المسلم وضد أميركا على وجه الخصوص, وهو ما صرّح به الأمير سعود الفيصل وزير الخارجية السعودي الذي قال أنّ مراجعتهم للمناهج والكتب الدراسية بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر كشفت أنّ خمسة بالمائة مما يتم تدريسه في المملكة العربية السعودية يحض على كراهية الأميركان.

ولا تنحصر دعوة اصلاح مناهج التعليم الديني في الأبعاد المرتبطة بالعنف والتعصب, ولكنها تمتد لتخاطب قضية الجمود التي أصابت تلك المناهج وحنطتها في فقه القرون الماضية, وكبلتها من التناول العقلاني لقضايا العصر.

أنّ الدعوة لأصلاح مناهج التعليم الدينية ليست لها علاقة بالحرب الأميركية على الأرهاب ولكنها دعوة قديمة متجددة, نادى بها الأمام محمد عبده منذ نهاية القرن التاسع عشر, و قال وهوعلى فراش الموت :

ولست أبالي أن يقال محمد أبل       أم أكتظت عليه الماتم
ولكنه دينا أردت صلاحه أحاذر     أن تقضي عليه العمائم

وكذلك طالب بها تلاميذ الأستاذ الأمام محمد عبده مثل الشيخ الطاهر بن عاشور,  أضافة  للعديد من المفكرين الأسلاميين المعاصرين مثل الأستاذ جمال البنا والمستشار طارق البشري و الدكتور محمد سليم العوا وغيرهم ممن ربطوا شروط النهضة الحضارية بالتغييرات الجوهرية في قضايا التعليم والتربية.

سأتناول في هذا المقال عبر أمثلة مختصرة قضيّة أصلاح مناهج التعليم الديني في بعدها المرتبط بالجمود ومخالفة روح العصر. ومادة المقال هى جزء من رسالة في الدراسات العليا أعددتها في العام 2008 بجامعة دينفر بالولايات المتحدة, وكان موضوعها مناهج التعليم الديني والأرهاب. وسأكتفي في هذا المقال بأمثلة مأخوذة من كتاب"الروض المربع بشرح زاد المستنقع " المؤلف في حوالى العام  1622للميلاد وهو الكتاب الذي كان مقررا في مادة الفقه علي طلاب المذهب الحنبلي بالصف الأول والثاني والثالث بالمرحلة الثانوية بالمعاهد الأزهرية  في سنة تجميع مادة البحث 2006.
الأمثلة التي سيتطرق لها المقال تتناول غريب الألفاظ,و الرقيق, والمرأة, وأهل الذمة وأحكام متعلقة بهم, ومخالفة العلوم الحديثة.

أهل الذمة :
جاء في كتاب الروض المربع بخصوص العلاقة مع أهل الكتاب ما يلي :
( العلاقة بين المسلمين وأهل الكتاب يتم ترتيبها بحسب عقد الذمة, وقد ورد الحديث حول عقد الذمة تحت عنوان " أهل الذمة وأحكامها". وقد جاء فيه أنّ " الذمة لغة العهد والضمان والأمان, ومعني عقد الذمة أقرار بعض الكفار علي كفرهم بشرط بذل الجزية وألتزام أحكام الملة والأصل فيها قوله تعالي"حتي يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون". لا يعقد أي لا يصح عقد الذمة لغير المجوس لأنه يروي أنه كان لهم كتاب فرفع فصارت لهم بذلك شبهة و"لأنه صلي الله عليه وسلم أخذ الجزية من مجوس هجر" رواه البخاري عن عبد الرحمن بن عوف وأهل الكتابين اليهود والنصاري علي أختلاف طوائفهم ومن تبعهم فتدين لهم بأحد الدينين كالسامرة والفرنج والصابئين لعموم قوله تعالي"من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم" ولا يعقدها أي يصح عقد الذمة الا من أمام أو نائبه لأنه عقد مؤبد فلا يفتات علي الأمام فيه ويجب أذا أجتمعت شروطه,ولا جزية وهي مال يؤخذ منهم علي وجه الصغار كل عام بدلا من قتلهم وأقامتهم بدارنا علي صبي ولا أمرأة ومجنون وزمن وأعمن وشيخ فان وخنثي مشكل ولا عبد ولا فقير يعجز عنها وتجب علي عتيق ولو لمسلم  ومن صار أهلا لها اي للجزية أخذت منه في اخر الحول بالحساب, ومتي بذلوا الواجب عليهم من الجزية وجب قبوله منهم وحرم قتالهم وأخذ مالهم ووجب دفع قصدهم بأذي ما لم يكونوا بدار حرب ومن أسلم بعد الحول سقطت عنه و(يمتهنون عند أخذها) أي أخذ الجزية ويطال وقوفهم وتجر أيديهم وجوبا لقوله تعالي " وهم صاغرون" ولا يقبل أرسالها).انتهى

من الواضح انّ النص أعلاه يخالف روح العصر الذي نعيشه وهو ينبني على فقه ساد قبل أربعة قرون, وهو فقه الخلافة الأسلامية الذي يقوم على الفرز الديني و لا يعرف مفهوم " المواطنة " الحديث الذي ظهر مع قيام الدولة / الأمة, والذي يساوي بين جميع المواطنين في الحقوق والواجبات بغض النظر عن أنتماءهم الديني أو العرقي. والنص كذلك يتضمن أستثناء " العبد" من الجزية, وهذا أيضا من القضايا التي تجاوزتها الأنسانية منذ فترة طويلة بحيث أصبح الرق جريمة يعاقب عليها القانون ووصمة في وجه من يرتكبها, فما هو الغرض من تدريسها للطلاب في القرن الحادي والعشرين ؟ ويستثني النص كذلك " الخنثى المشكل" وهو المخنّث الذي لا هو بالذكر ولا هو بالأنثى من دفع الجزية ولا يوضح العلّة من وراء ذلك !!!!

وفيما يخص بعض الأحكام المتعلقة بأهل الذمة يقول الكتاب ( ويلزمهم التمييز عن المسلمين بالقبور بأن لا يدفنوا في مقابرنا والحلق بحذف مقدم رءوسهم لا كعادة الأشراف ونحو شد زنّار ولدخول حمامنا بجلجل أو نحو خاتم رصاص برقابهم, لهم ركوب غير الخيل كالحمير بغير سرج فيركبون بأكاف وهو البرذعة ولا يجوز تصديرهم في المجالس ولا القيام لهم ولا بدأتهم بالسلام أو بكيف أصبحت أو أمسيت أو حالك). أنتهى

وهذا أيضا نص غريب مخالف لروح العصر, فهو يدعو لأن يحلق أهل الذمة شعر رؤوسهم بطريقة لا تشبه حلاقة "الأشراف", وهل يعرف أحد في هذا الزمان كيف كان الأشراف يحلقون رؤوسهم ؟ وهو كذلك يحرمهم من ركوب " الخيل" ويسمح لهم بركوب " الحمير" ولكن من غير " برذعة" ( والبرذعة يا رعاك الله هي الحلس الذي يوضع تحت الرحل) ومن المؤكد أنّ لسان حالك يا قارئي الكريم يقول وما هو الحلس  ؟  وأنا بدوري أتساءل عن جدوى مثل هذا الحديث في عصر السيارة والطائرة والقطار التي نستمتع بركوبها نحن المسلمون ويصنعها الكفار ؟ وينص الكتاب كذلك على أنّ الذمي أذا أراد دخول حمّام المسلمين فيجب عليه ربط " جلجل" وهو "الجرس الصغير" على رقبته حتى نستطيع تمييزه عن المسلم !!!!

ويقول الكتاب ايضا أنّ من بين ما للزوج المسلم من حقوق علي زوجته الكتابية أن "يمنعها من دخول بيعة وكنيسة وشرب ما يسكرها لا ما دونه, ولا تكره علي أفساد صومها أو صلاتها أو سبتها". أما فيما يختص بغسل الميت فقد جاء في الكتاب أنّه " لكل واحد من الزوجين ان لم تكن الزوجة ذمية غسل صاحبه". أنتهى
 
وهذا أيضا مخالف للعصر لأنّ منع الزوج لزوجته الكتابية من ممارسة دينها في أماكن العبادة  يعتبر انتهاكا لحق من حقوق الأنسان في قوانين وأعراف زماننا هذا, فهل يملك أحد في عالم اليوم أن يمنع مسلما من دخول المسجد للصلاة ؟ والغريب في الأمر أنّ الكتاب لا ينهى الزوجة الكتابية من شرب الخمر في حدود " النعنشة" دون ان تصل حد السكر, فما هو المعيار ؟ أمّا الأمر غير المتصوّر فهو أنّ الزوج الذي يعيش عمره كاملا ويعاشر زوجته وينجب منها لا يسمح له بغسلها عند موتها, فتأمل!!

ومن ضمن الأحكام الخاصة بغير المسلمين ما أورده الكتاب في باب الجنايات من ( أنّ الشّرط الثالث للقصاص: المكافأة بين المقتول وقاتله حال جنايته بأن يساويه القاتل في الدين والحرية والرق يعني انه لا يفضل القاتل والمقتول بأسلام أو حرية أو ملك فلا يقتل مسلم حر أو عبد بكافر أو كتابي أو مجوسي: ذمي أو معاهد لقوله عليه السلام" لا يقتل مسلم بكافر" رواه البخاري وأبوداؤود ولا يقتل حر بعبد لحديث أحمد عن علي " من السنة أن لا يقتل حر بعبد" وكذا لا يقتل حر بمبعض ولا مكاتب بقنه, لأنه مالك لرقبته. وعكسه بأن قتل كافر مسلما أو قن أو مبعض حرا يقتل القاتل ويقتل القن بالقن وأن أختلفت قيمتهما). انتهى

وهذا النص أيضا ينقل الطلاب الي أجواء القرن السابع عشر, حيث كان الناس يتمايزون  بأديانهم, وحيث كانت تسود تجارة الرقيق وملك الرقاب, ولا يتساوى الناس أمام القانون بكونهم بشر و"مواطنين". وتكمن خطورة تدريس مثل هذه الأفكار للنشء في أنها تسهم في تشكيل عقولهم وقناعاتهم, وقد ورد في مداولات الحكم في قتل الدبلوماسي الأميركي غرانفيل أنّ المتهمين دافعوا عن أنفسهم بالقول أنّ المسلم لا يقتل بكافر, ومن المؤكد أنّ هذا هو ما تعلموه من مثل هذه النصوص.

مخالفة الحقائق العلمية :
جاء في الكتاب بخصوص حمل المرأة لجنينها أنّ  "أقصي مدة للحمل هي أربع سنوات" , وهذا حديث مناف للعلم ومجاف للعقل , وهو حديث خرافة لا يجوز تدريسه للطلاب في عصر العلم. فمع تطور علوم الطب، ومتابعة الحوامل بصورة دورية  أصبح بإلأمكان التأكد من عمر الحمل بدقة، وقد رصد الأطباء المختصون بأمراض النساء والولادة في العصر الحديث ملايين الحالات، ولم تسجل لديهم حالات حمل طبيعية يدوم لسنة واحدة، ناهيك عن عدة سنين.
 
وفي كتاب الجنائز عن علامات الموت يقول الكتاب " أنّه يعرف بأنخساف الصدغين وميل الأنف وأنفصال الكف واسترخاء الأرجل", وهذا كلام غير علمي, لا يمكن أخذه مأخذ الجد بتدريسه لناشئة الطلاب الذين يؤمل في قيادتهم لمسيرة النهضة للحاق بركب الأمم.

وكذلك يقول الكتاب أنّ الصلاة تبطل " بمرور كلب أسود لأنه شيطان". فمن أين تأتّى لمؤلف الكتاب الجزم بأنّ الكلب الأسود الذي يمر بالصلاة هو شيطان ؟ ولماذا لا يكون لون الكلب ابيض أو بنيا مثلا ؟  وفي أية صورة اخرى يختبىء الشيطان اذا كان في بلد لا تطلق فيه الكلاب الضالة ولا يصلي فيه الناس في الأماكن المفتوحة ؟

نواصل .......