عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

بينما كنت أقلب بعض أوراقي القديمة وقعت على رسالة ضمن مقترح أولي لدراسة عن التاريخ الأجتماعي لمدينة الخرطوم  كنت قد بعثت بها للخال أبو القاسم كشة, أطلب عونه ومساعدته في هذا الخصوص.

التأريخ الاجتماعي يمكن أن يشكل أحد حوائط الصد ضد الأفكار والمفاهيم الدينية المغلوطة التي تفرّق بين أبناء الوطن الواحد على أساس الدين, وكذلك تثير الكراهية ضد شركاء الوطن من غير المسلمين. هذا الفكر المتشدّد الذي يدعوا الى " اضطرار المسيحيين لأضيق الطريق", والى عدم "مبادأتهم بالسلام" , وتجريدهم من الحق المشروع في السعي لبلوغ المنصب الأعلى في الدولة       " الرئاسة" أضافة للعديد من المفاهيم البالية, يناقض تماما ما هو موجود في سطور التأريخ الاجتماعي الذي أنبنى على خصوصية الدين في المجتمع السوداني أو ما نطلق عليه " اسلام أهل السودان".

التاريخ الأجتماعي أيضا يشكل درعا واقيا من تفتت النسيج المجتمعي وتحلله الى عوامله الأولية ( القبيلة, الجهة, العنصر), وهى الافة التي أنتشرت في العقدين الأخيرين, بحيث ارتد المجتمع الى نقيض ما دعا اليه المثقفون والسياسيون والأدباء والمفكرون قبل حوالى قرن من الزمان, والذي عبّر عنه " أبي تمّام" أغنية الحقيبة كما يسميه الشقيق الدكتور محمد عثمان الجعلي  "ابراهيم العبادي" بالقول الخالد :
جعلي ودنقلاوي وشايقي أيش فايداني
غير خلقت خلاف خلت أخوي عاداني
نبقى أولاد رجل يسري نبانا للبعيد والداني
يكفي النيل أبونا والجنس سوداني

وقد جاء في الرسالة ما يلي :


(   كلورادو - دنفر في عشر مضين من يوليو 2007

الخال العزيز أبو القاسم

التحايا تأتيك مزنا هطالا  ....  تغشاك ومن معك ممن تحب وترضي ,,,

أكتب اليك هذه الخطوط العريضة والمقترح لفكرة عنت لي منذ زمن وقدرّت أنّ بأمكانك المساعدة في تنفيذها, فقد صرت مشغولا منذ فترة بأمر التأريخ الأجتماعي للمدن, وهو كما تعلم أمر غير التاريخ الرسمي الذي تعتني به الجهات الرسمية وكتب المدارس, هو تاريخ " المكان" في تداخله مع " علاقات الناس" وأحوالهم , التأثير المتبادل بين "الجغرافيا" والبشر في أطار التاريخ. وأهمية مثل هذا التاريخ تنبع من أنه يصوّر أحوال الشعب الحقيقية دون تحيزّات يقع فيها التأريخ الرسمي بالضرورة بحكم أرتباطه بالمجال السياسي وما يعنيه ذلك من تدخل الأيدولوجيا في تفسير التاريخ بحسب الأهواء .

ويعنيني هنا بالتحديد كتابة جزء من التأريخ الاجتماعي لمدينة الخرطوم في فترة الستينات وحتي الثمانينات من القرن الفائت. فأنت تعلم أنّ الأنقاذ أحدثت تحولات كبيرة أصابت المجتمع والأقتصاد والسياسة في العمق, وزعم أهل الحكم أنهم جاءوا بمشروع حضاري من شأنه تحويل المجتمع الي مجتمع رسالي يسبّح بحمد الله اناء الليل وأطراف النهار ويحقق الطمأنينة للناس في مأكلهم ومشربهم وعلاجهم وتعليمهم , وبعد قرابة العقدين من الزمان خابت مشاريعهم وباخت خططهم , وصار الناس يتمنون عودة الماضي ويجذبهم الحنين الي أيام طيبة مباركة عاشوها في أمن وسلام دون مشاريع حضارية  لم تجلب لهم سوي الظلم والمسغبة.

التاريخ الأجتماعي لتلك الفترة من شأنه عرض صورة حقيقية لأحوال الناس في معاشهم وأسواقهم ومناسباتهم الاجتماعية , في المقاهي و أماكن الترفيه, ودور العبادة, في دورالرياضة ومنتديات الفن, في علاقاتهم البينية ( الدينية, العرقية, الطبقية) , في القيم التي ظلوا يراعونها في تعاملهم التجاري, ومع جيرانهم في الحي وزملائهم في أماكن العمل , وغير ذلك من المظاهر بما فيها ما قد يتعارض ظاهريا مع مباديء الدين ( مثل بيوت بائعات الهوي وأماكن شرب الخمر) فكل ذلك مطلوب في حد ذاته لأستخلاص الدرس الحقيقي من التأريخ بعيدا عن أقنعة الأيدولوجيا الزائفة.

ولا يخفي عليك انّ التأريخ الأجتماعي في أحد مظانه الرئيسية يعتبر أداة للمقاومة ومحاربة الطغيان وذلك لأنه يبعث الماضي بخيره وشره ومن ثم تنفتح أمام الناس نوافذ جديدة للأختيار بين ما كان وما هو كائن. لا يستطيع السلطان محاربة مثل هذا التاريخ لأن الناس يتداولونه في بيوتهم وأماكن تجمعهم, ويحملونه في عقولهم وصدورهم, في قصصهم وحكاويهم.

مثل هذا التاريخ لا يمكننا البحث عنه جملة في " دار الوثائق المركزية" أو " مكتبة جامعة الخرطوم" فجله محمول في صدورالرجال والنساء الذين عاشوا تلك الفترة , وتقديري أنك مؤهل لتسطير جزء من هذا التاريخ بما تملكه من قدرة علي الكتابة والبيان.

سأكتفي بأيراد مثالين للفائدة المرجّوة من درس التاريخ الأجتماعي ( تاريخ الشعب) في علاج ما الت اليه أحوال البلد في مجال العلاقات العرقية والدينية بين مختلف السودانيين :-

(1)    تخيّل معي منظر عبد الله بلال (الترزي) وهو قابع خلف ماكينة الخياطة أمام دكان التاجر "المسيحي" عبد الله الشامي بالسوق العربي قبالة مطعم الاخلاص مرتديا جلبابه الناصع البياض ( في مثل بياض سريرته) , وحوله يتحّلق محبوه من مختلف الأعراق ( شماليين وجنوبيين ومن أهل الغرب والشرق), عبد الله هذا من أحفاد ( الرقيق) الزنوج المنبتين أو من يسمونهم بالأنجليزية بال Negroid but de-tribalized people. وكان في ذات الوقت من أفضل الرواة لسيرة عنترة بن شداد, يأتي الناس اليه ليستمعوا الي قصص عنترة وأشعاره , و عبد الله كان من محبي نادي المريخ, يتحّلق الرياضيون من مختلف مشاربهم حول ماكينة خياطته ليستمتعوا بالمناكفات بين المريخاب وبين أهل القبيلة الهلالية الزرقاء في مشهد تختفي فيه الفوارق الطبقية والعرقية والدينية, فهناك ميكانيكي السيارات وهناك المعّلم وكذلك الطالب والتاجر و ضابط الجيش, وهناك الدينكاوي والجعلي والفلاتي, بجانب المسلم والمسيحي, كل هؤلاء جمعهم هذا الترزي العبقري في ركنه الصغير وحول ماكينة الخياطة, هو يؤدي عمله ,وهم يستمتعون بصحبته, دون من أو أذي, وبين الأستماع لقصص عنترة والأصغاء لأخبار عملاقي الكرة السودانية تذوب كل الفوارق التي تهدّد بتفتيت السودان اليوم, فتأمل معي الفارق بين ما كانت عليه وما الت اليه أحوال البلد والناس من بعد مجيء الانقاذ  ومشروعها الحضاري . عبد الله بلال بفطرته السليمة أفلح فيما عجزت عنه حكومة يقودها متعلمون وأصحاب شهادات عليا, فقط لأنّ عالم البسطاء والعاديين من الناس محّمل بمستودعات من الحكمة والبصيرة لا تتوفر لأدعياء المعرفة. ومن هنا يمكننا تلمس أهمية درس التأريخ الأجتماعي, فمثل عبد الله الترزي لن تجد له ذكرا في كتب التأريخ الرسمي والتي تكتفي فقط بالتأريخ للملوك والسلاطين. ألم يأتك نبأ تساؤل شاعر العربية الكبير محمود درويش :" هل هكذا التاريخ لا يروي سوي سير الملوك الناجحين ؟ ".

(2)     لا زلت أذكر جيدا عيونه الغائرة وعظام وجهه الناتئة وجسده النحيل الذي هدّه المرض عندما دخلنا عليه أنا وأنت في أحد مساءات الثمانينات من القرن الفائت وهو يرتدي جلبابه البلدي السمني اللون : صالح جرجس , رئيس النادي الأهلي (أو لعله كان سكرتير النادي), كنت قد صحبتك لزيارته في مرض موته بمنزله بالخرطوم غرب. أذكر جيدا كيف هبّ للقائك من سرير المرض وكأنما يستقبل أبنا عزيزا طال انتظاره. كانت معه سيدة تقوم علي خدمته لا أدري من هي, ربما كانت أخته أو زوجه أو لعلها قريبة له, قابلتنا بحميمية شديدة وأخذت تحدّثك عن اخر أخبار العلاج وعن الحالة الصحية للريس صالح. لم أشعر للحظة واحدة أنني أزور كفارا أقباط , أحسست وكأنني أعود خالا أو عما لي مريض. هذا درس اخر لما كان عليه حال العلاقات بين الناس , مسيحيين ومسلمين أو حتي لا دينيين, لقد جمعهم الوطن كمواطنين وجمعتهم الأنسانية كأخوة, كان الريس صالح جرجس سودانيا بكل ما تعني الكلمة, كان قبطيا نعم , ولكن هذا لم يحل بينه وبين الصعود لقمة الهرم الأداري لأكبر أندية الخرطوم, عشق النادي الأهلي, وعشقه مشجعو النادي الأهلي دون حاجة للتدخل في عقيدته ودينه, لا يساورني أدني شك في أنك كنت مستعدا لتقديم كل ما في وسعك لعلاجه وكأنك تسعي في علاج والدك أو أخيك. هذا درس أخر من دروس التأريخ الأجتماعي نحتاجه بشدة وبلادنا تتمدد في نسيجها عقائد التعصب والتطرف الديني الوافدة من صحراء نجد , هذا الغزو الذي تقوده جحافل الوهابيين بفكرهم الجامد والمتعصب سيجبر أبناء وأحفاد الريس جرجس علي مغادرة البلد, وقد بدأوا يفعلون, وحينها سيكون السودان أخسر الخاسرين.

 عبد الله بلال وصالح جرجس رمزان من رموز الخرطوم في الزمن الجميل ويستحقان أن توثق سيرتهما ضمن اخرين, وهذا هو الهدف الغائي من عملنا هذا المنشود.

ملحوظة
والى لقاء قريب في البلد
مرفق تفاصيل مقترح الدراسة
بابكر ). أنتهى