هذا المقال لم ينشر في صحيفة "السوداني" اليوم الخميس 10/ 3/ 2011 لوقوعه في بعض المحظورات.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

كنت قد عبرّت في العديد من المقالات والمناسبات المختلفة عن رأيي في مسألة الفتاوى الدينية المتعلقة بالأمور العامة, وقلت أنها رأي سياسي يتدثر بعباءة الدين من أجل كسب المشروعية لأنّ الدين في المنطقة العربية والأسلامية يعتبر أكبر مصدر للمشروعية.  

والفتاوى الدينية أيضا تمثل أداة يتم توظيفها بواسطة الأشخاص أو التيارات السياسية المستندة الى الفكر الديني أو الأنظمة الحاكمة لأضفاء صفة المشروعية أو نزعها عن المواقف السياسية.

وقد شهدنا في الأسبوعين الماضيين ما يؤكد صواب رؤيتنا بخصوص تلك الفتاوى. حيث أصدر الشيخ القرضاوى فتوى هوائية " على الهواء مباشرة " من ستوديوهات قناة الجزيرة تدعو لقتل القذافي, وقال : " أصدر الآن فتوى بقتل القذافي. أي ضابط أو جندي أو أي شخص يتمكن من أن يطلق عليه رصاصة فليفعل ودمه في رقبتي، ليريح الليبيين والأمة من شر هذا الرجل المجنون وظلمه ".

قد يرى البعض في فتوى الشيخ القرضاوي موقفا انسانيا نبيلا يسعى لحقن دماء الليبيين, وهو الشىء الطبيعي الذي يمليه الضمير السليم على أى انسان, ولكن خطورة تلك الفتوى تتمثل في أنها تعتبر بالمعايير السياسية دعوة " مفتوحة للأغتيال", فهل يستطيع زعيم معارضة في أي بلد الظهور في شاشات التلفزيون والدعوة لأغتيال رئيس ذلك البلد دون أن يترتب على ذلك أى مسئولية ؟

يبدو للوهلة الأولى لكل مراقب للشأن السياسي أنّ موقف القرضاوي موقف متقدم يدافع عن حقوق الأنسان والحرية ويتجاوب مع تطلعات الشعوب الطامحة للتخلص من الحكام الطغاة والمستبدين, ولكن للأسف فأنّ مواقف الشيخ ليست بتلك المبدئية, بل هى مواقف متذبذبة, ومتلونة بألوان الميول الفكري والمذهبي لديه. أليس هو من أجاز الأنقلاب العسكري في السودان بالقول " لا مانع من هذا" ؟! أليس هو من دعا لحرية الشعب المصري ولأزالة الحكم المستبد الفاسد في مصر وصمت عن أحوال السودان المشابهة لبلده الأم لأنّ حكام السودان يشاركونه ذات التوجه الأيديولوجي ؟ أليس الأختلاف المذهبي هو الذي منعه من قول الحق في شأن أنتفاضة الشعب البحريني الذي قتلت حكومته سبعة من مواطنيها الأبرياء المسالمين دون ذنب ؟ ولماذا لم يصدر ذات الفتوى في حق الرئيس علي عبد الله صالح الذي تقتل قواته الشعب اليمني كل يوم ؟ أهى الموازنات الطائفية والخوف من أن يمتطي " الزيدية" صهوة الحكم عوضا عن " الشافعية"؟

الرأي عندي أنّ الشيخ القرضاوي – وبحسابات سياسية ذرائعية محضة وليست مبدئية – يعتقد أنّ البديل لأنظمة الحكم المصرية والتونسية والليبية سيكون " الحركة الأسلامية", بينما لن يكون الأمر كذلك في السودان أو البحرين أو اليمن. فالأخوان المسلمين في مصر هم أكثر الجماعات تنظيما, وحركة النهضة التونسية كذلك, أما ليبيا فقد أحدث فيها نظام القذافي فراغا سياسيا هائلا لن يسده سوى الأسلاميين الذين كانوا الجهة الوحيدة التي شكلت حضورا ملحوظا في ظل حكم العقيد.

وفي موازاة فتوى القرضاوي صدرت فتاوى المدرسة الوهابية السلفية تصف المظاهرات والأنتفاضات والثورات الجماهيرية بأنهّا " فتنة". وقال عالم الدين السعودي البارز وعضو المؤسسة الدينية الرسمية الشيخ صالح اللحيدان أنه  "لم يعرف عن أحد من أئمة الإسلام -من الصحابة والتابعين والأئمة الأربعة- حثه الناس عند الاستنكار أن يقوموا بمظاهرة ومغالبة"، مذكراً "بالسمع والطاعة حتى إذا كان الوالي غير مرضي عنه من الناس ما دام لم يكفر". وقال الشيخ علي الحلبي أحد المرجعيات البارزة للتيار السلفي بالأردن أنّ فهم السلف في الفتن هو أن "نخرج منها كما دخلنا فيها"، وأشار إلى أن الكثير من المطالبين بالتغيير وحقوق الإنسان "لا يفهمون أنهم يخالفون دين الله عز وجل".

ومثلما قصدت فتوى الشيخ القرضاوي الى نزع المشروعية عن نظام العقيد الليبي, بل وذهبت لأبعد من ذلك بالدعوة للتصفية الجسدية للقذافي, فأنّ فتوى المؤسسة الوهابية تعمد الى اضفاء الشرعية على أنظمة سياسية حاكمة وذلك بوضعها لشروط تعجيزية للتغيير والثورة مثل أن " يكفر" الحاكم أو " يمنع الصلاة" وهو ما لن يحدث من قبل أنظمة تجيد اللعب على العواطف الدينية وتوظف شيوخ الدين لأصدار الفتاوى التي تثبّت أركانها الفاسدة.   
 
أما الأستاذ فهمي هويدي الذي يحلو للكثيرين وصفه "بالأسلامي العقلاني", فهو كذلك لا يختلف كثيرا عن الشيخ القرضاوي في التوظيف الانتهازي للمبادىء - وليس الفتوى, فهويدي لا يصدر فتاوى دينية بالمعنى الدقيق للكلمة - التي لا تحتمل التجزئة والتعامل الأنتقائي. فبينما كتب الرجل كثيرا عن مساوىء النظام المصري السابق, وعن ضرورة التغيير, وتحدث كثيرا عن الديموقراطية وحقوق الأنسان في مصر, فأنه يتعامل مع الحالة السودانية بتحّيز ايديولوجي وبخفة لا تليق بأهل الفكر والرأي.

زار الأستاذ هويدي السودان مرارا في ظل حكم الأنقاذ, وكان بعد كل زيارة يكتب ليكيل المدح للنظام الأنقلابي, حتى بلغ درجة أن وصف المجلس الأنقلابي العسكري الأنقاذي ب " مجلس الصحابة الذي يحكم السودان". وعندما يكتب عن الوضع السوداني فهو لا يتناول القضايا التي يتناولها عند كتابته عن النظام المصري السابق, فلن تجده يتحدث عن الفقر و الفساد والمحسوبية والتفاوت الطبقي الحاد, وكبت الحريات, والرشوة والتدهور الأخلاقي الذي حدث في السودان, بل يفاجئك بالكتابة عن الرئيس البشير والقول :  " كنت أعلم أنه حافظ للقرآن وله خلفيته الدينية التي حصلها منذ صغره حين كان حفظ القرآن أول ما يتعلمه أبناء جيله (من مواليد عام 1944). ولما صار رئيسا، فإنه ظل يواظب على أداء الفرائض الخمس من الفجر إلى العشاء في مسجد صغير مقام إلى جوار بيته الرئاسي".

ويعلم الأستاذ هويدي أنّ كبت الحريات و الفساد المتفشي لن تحد منه صلاة الرئيس للأوقات الخمسة في المسجد, وأنّ الفقر والتفاوت الطبقي لن يزيله حفظ الرئيس للقران. وأنّ التديّن الشخصي للرئيس هو أمر يخصه وحده في علاقته برّبه, أما ما يخص الناس فيتمثل في تنظيم علاقة الحاكم بالمحكوم من خلال عقد ينبني على الدستور الذي يكفل الحكم الديموقراطي والتداول السلمي للسلطة. فلماذا – على سبيل المثال -  لم يستنكر الأستاذ هويدي في أحدى مقالاته أستمرار الرئيس البشير في الحكم لأثنين وعشرين سنة مثلما استنكر بقاء مبارك لثلاثين ؟ ولماذا لم يكتب عن ممارسات حزب المؤتمر الوطني في الأنتخابات الماضية, وهى لا تختلف عن ممارسات الحزب الوطني في مصر, وكافة الأحزاب المهيمنة في الأنظمة العربية الفاسدة ؟

لا يجادل أحد في أنّ قناة الجزيرة منذ انطلاقها الأول في 1996 أحدثت تحولا كبيرا في شكل الأعلام العربي وذلك بما تمتعت به من حرية وجرأة كبيرة في تناول الموضوعات المسكوت عنها في أجهزة الاعلام السلطوية التابعة للأنظمة العربية الحاكمة. وقد أنحازت القناة في الكثير من المناسبات للمواقف التي تطمح اليها الشعوب العربية والأسلامية, ومن ذلك تغطيتها المتمّيزة لأحداث الحرب الأسرائيلية على غزة, وكذلك التغطيات الكاملة لأحداث الثورة التونسية و المصرية والليبية.

ولكن يبدو أنّ الجزيرة لم تنجو من شراك التحيزّ الايدولوجي عندما تعلق الأمر بتناول وتغطية العديد من المواقف والأحداث السياسية,  ومنها – على سبيل المثال - ما يجري في مملكة البحرين . حيث اكتفت بايراد أخبار عن انتفاضة الشعب البحريني دون تسليط الأضواء الكافية على ما يدور في " دوّار اللؤلؤة" مثلما فعلت مع " ميدان التحرير". والسبب الذي يبدو واضحا لذلك هو الظلال المذهبية الشيعية للأنتفاضة وما قد يترتب عليها من تشابكات جيو – سياسية ممتدة في الأقليم وتؤثر على الأوضاع والتوازنات القائمة, والتي تطال دول الخليج جميعها بما فيها الدولة التي تنطلق منها قناة الجزيرة.

القناة التي تشكل فيها الأصوات القومية ( الأستاذ هيكل, والدكتورعزمي بشارة), وأصوات الأسلام السياسي ( القرضاوي) حضورا دائما, لا تسمح بظهور أصوات القوى الديموقراطية والليبرالية بذات القدر, وهو ما دعا بعض المحللين لوضعها ضمن الفضائيات التي يسيطر عليها " صراخ المتاجرين بالشعارات القومية التي فقدت معناها, وهيجان حلفائهم من الذين يوظفون الدين لتحقيق أغراضهم السياسية".

الشيخ القرضاوي والاستاذ فهمي هويدي وقناة الجزيرة يفقدون أراض كثيرة اذا أستمروا في التعمية والتمويه, واجتزاء المبادىء لأجل خدمة توجهات ايدولوجية ثبت عدم جدواها في تلبية حاجات الشعوب الثائرة من أجل الحرية والديموقراطية والتقدم.