عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

وجدت الثورة الليبية تعاطفا كبيرا من قبل السودانيين بمختلف انتماءاتهم العرقية والجهوية, و بكافة ولاءاتهم السياسية ( معارضين وحاكمين). ونستطيع كذلك الجزم بأنّ مختلف شعوب أفريقيا أبدت ذات الموقف المتعاطف مع الشعب الليبي في مواجهته غير المتكافئة مع الطاغية الذي جثم على صدره لما يزيد عن أربعة عقود من الزمن.

وبقدر ما كان التعاطف نابعا من معين الأخوّة الأنسانية الواسع, فأنّ نعرات وممارسات عنصرية بائنة تبّدت مرارا من قبل الثوّار الليبيين معكرّة صفو ذلك التعاطف وتلك المناصرة التي أبدتها الشعوب الأفريقية, والشعب السوداني على وجه الخصوص.

شاهدت بأم عيني, وسمعت بأذني – مع أخوة اخرين – حديث العديد من الثوّار وهم يتحدثون لقناة الجزيرة الأنجليزية و يقولون : "المرتزقة السود يهاجموننا ", "لقد أطلق علينا العبيد ليقتلوننا", كما نادى بعضهم بأن تسحب " أي قشرة سمراء من ليبيا". وقد تبعت تلك الأقوال أعمال وحشيّة أرتكبت دون تمييز ضد  أصحاب البشرة السوداء, أغلبهم من الأبرياء الذين كانت جريرتهم الوحيدة هى لون جلودهم المختلف.
 
وقال عيسى عبد العزيز الامين، أحد الشبان السودانيين الفارين من ليبيا : " الوضع تأزم أكثر واكثر بالنسبة إلينا بعد الأحاديث المتواترة عن مشاركة "مرتزقة أفارقة" في القتال ضد الثوار بعد أن استجلبهم نظام القذافي خصيصاً لهذا الغرض، بعدها انقلبت الأحداث تماماً وأصبحنا أهدافاً مشروعة، وأسهمت قناة الجزيرة وتصريحات بعض المسؤولين في الحكومة السودانية في تأجيج النيران وإعلاء الروح العدائية ضدنا، وكانت النتيجة مقتل الكثير من الأبرياء من ذوي السحنة السوداء سحلاً وحرقاً وشنقاً دون ذنب أو جريرة".

وعندما قامت قناة الجزيرة بعرض صور لأفارقة قيل أنهم مرتزقة تم القبض عليهم بواسطة الثوّار, كانت جوازات السفر المعروضة تشير الى أنهم مواطنون من السودان وأثيوبيا وتشاد والصومال و النيجر.

وقد أستمعت بحزن شديد لشاب صومالي أنقطع به السبيل مع الاف الأفارقة في الحدود الليبية التونسية وهو يقول : " العالم يتفرّج على اللاجئين السود ولا يحرّك ساكنا".

ولم يكن الأستعلاء العرقي قاصرا على استخدام الثوّار لألفاظ " العبيد" و " المرتزقة السود", بل تعدى ذلك للأستحقار المستبطن الكامن في مفهوم أنّ الأسود سلعة أو أداة يتم شراؤها بالمال لتقوم بدور القاتل المأجور, وأنّ من يقوم بشراء العبيد (القذافي) لا يتورّع في الجهر بحديث عنصري نتن مستخدما الأفارقة كسلاح في حربه الخاسرة. قال القذافي محذرا الأوربيين من أنّه في حال سقوط نظامه فأنّ : "ملايين السود سيغرقون أوروبا وايطاليا وتصبح أوروبا سوداء".

في الثقافة العربية - وثقافات عديدة أخرى - يرتبط اللون الأبيض  بالطهر والبراءة, وهو لون مصاحب للنور والضياء ويطلق على من يتصف بخصلة حميدة . قال الأخطل :

رأيت بياضا في سواد كأنه
بياض العطايا في سواد المطالب.

واللون الأبيض – بعكس الأسود - مرتبط بالفعل الطيب والعمل الصالح, وهو ما عبّر عنه الشاعر بالقول:

ربّ سوداء وهى بيضاء فعل
حسد المسك عندها الكافور
مثل حب العيون يحسبه الناس
سوادا وانما هو من نور

أمّا اللون الأسود فهو اللون الذي يعمي القلوب, هو لون سوء الحال والمصير والمنقلب, وهو المرادف للظلام بقتامته وهواجسه, وهو دليل العبوس والتشاؤم. وهو كذلك اللون المعبّر عن الخوف والمهلكات كالحروب، حيث يسوّد وجه المقاتل خوفاً وهلعاً . قال أبو تمام :

ما أن ترى الأحساب بيضا وضحا
إلا بحيث ترى المنايا سودا

والأنسان الأسود في تلك الثقافة ليس موضع ثقة كاملة, وهو مشكوك فيه, ويجب الحذر منه :

كريم الاصل لا يرجى لود   فكيف من الاماء له وعاء
فاحذر كل أسود واجتنبه      فظاهره وباطنه سواء

قد أرتبط السود من البشر عموما, وخصوصا في الوطن العربي بالعبودية. وعندما قدّمت هيئة الاذاعة البريطانيّة برنامجا عن السود في المجتمعات العربية, قال أحد المشاركين من دولة الأمارات العربية : " في الواقع هذا الأمر منتشر لدينا هنا. ومعظم الناس هنا يطلقون على صاحب البشرة السوداء "عبد" أو "خادم" وذلك لأنه من فتره ليست ببعيدة كان هؤلاء الناس عبيدا مملوكين للتجار. وحتى بعد عتقهم ما زالو يلقبون بكلمة "خدام" والكثير منهم يستاؤون ويحسون بالدونية أو الخجل من ذكر أن والده أو جده كان عبدا لفلان أو لعائله فلان. وتظهر هذه العنصرية عندما يغلط صاحب البشرة السوداء على "عمه" الأبيض، حينئذ تظهر أسوأ اشكال العنصرية ضدهم."

للموقف من اللون الأسود في الثقافة العربية تجليات في كافة النواحي الثقافية و السياسية والأجتماعية والأقتصادية. ويلاحظ الكاتب صلاح عووضة أحد تجليات ذلك الموقف في نفور قناة الجزيرة الفضائية من ظهور مقدمي برامج ذوي بشرة سوداء على شاشتها, ويقول : "فالجزيرة ـ على سبيل المثال ـ سقطت في امتحان المساواة (الديمقراطي) حيث لا تمييز بين الناس إلا بالتميز المهني .سقطت في امتحان نجحت فيه بإمتياز فضائيات غربية مثل الـ (سي إن إن) و (سكاي نيوز) ففي وقت نرى فيه وجوهاً سمراء وسوداء وصفراء - الى جانب البيضاء - في الفضائيات هذه، تظل شاشة الجزيرة حكراً لوجوه لا يخالط بياضها سمار. هل رأيتم سودانياً يطل ـ بالغلط ـ عبر شاشة الجزيرة كمذيع، أو مقدم برامج، أو قارئ نشرة. وكذلك لن تروا وجهاً جيبوتياً أو صومالياً رغم أن شعبي الدولتين هاتين (معدودين) في زمرة العرب مثلهما مثل شعب السودان."

 حدثني من أثق في كلامه - وكان قد عمل مدّرسا بليبيا لفترة طويلة من الزمن - أنّ أحد الليبيين قال له متهكما : حتى وقت قريب كنا نترككم يا "سوادنة" تدخلون بيوتنا دون حرج, واليوم أصبحتم تعلمون أبناءنا. وهذا قول فيه أشارة عنصرية في غاية الخبث ذلك لأنّ ثقافة العرب لا تتشدّد في دخول " العبد" على النساء في البيوت كيفما كان حالهنّ, أمّا الحر فلا يستطيع الدخول على النساء الاّ في أوضاع معينة.

ويخبرك كثير من السودانيين المغتربين في الدول العربية, وخصوصا دول الخليج العربي والسعودية بمواقف كثيرة لهم في تلك البلاد تشير الى نظرة أهل تلك البلاد المستعلية لأصحاب البشرة السوداء, وفي النكتة التي تروى عن السوداني المسمى " عبيد" بيان شىء من تلك النظرة.

وفي ندوة أقامتها الجالية السودانية بمدينة دينفر ولاية كلورادو, حضر مفكر أردني معروف وطلب التعقيب على المتحدث وعنما أتيحت له الفرصة بدأ حديثه بالقول - بعفوية شديدة - أنه سعيد لكونه العربي الوحيد الحاضر بين " الأخوة السودانيين", فسرت همهمة وضحكات خافتة في القاعة جعلته يتساءل بعد نهاية الندوة عن سببها, فقيل له : كيف تقول أنك العربي الوحيد الموجود بالقاعة ؟ انّ من بين الحضور من يصل نسبه "بالعباس عم الرسول", ومنهم من يعتقد انّ السودانيين هم " عرب العرب" !!

ليس الغرض من هذه الكلمة التحريض ضد الثقافة العربية أو الدعوة لمحاربتها ففي ثقافتنا السودانية شىء منها, ولكن القصد هو تبيين هذه الحقائق المتعلقة بالنظرة لأصحاب البشرة السوداء في تلك الثقافة, وهو أمر في غاية الأهميّة لأنه يزيل الأوهام العالقة بأذهان البعض منا ممن يعتقدون أنهم " عرب العرب" وهو الأمر الذي كان أحد الأسباب الرئيسية في أن تفقد بلادنا ثلث أراضيها, وربما يؤدي لفقد المزيد.

لسنا في حاجة للخروج من جلودنا حتى نثبت أنتماءنا لثقافة ما, فنحن أصحاب ثقافة متميّزة,لا تصطدم مع الأنتماء الأنساني الذي هو الغاية التي يجب أن نرنو لها, فهى الفضاء الأرحب الذي يجعلنا نتعاطف مع ثوّار ليبيا, ونحزن لضحايا تسونامي اليابان, ونتبرع بالمال لتعمير هاييتي. هذا الأنتماء الكوني يسع كل السحنات ويستوعب مختلف الألوان, ولا تتحدّد فيه قيمة الأنسان بلونه, ولكن بفعله وعمله, وهو ما قصد اليه عنترة في الزمان الماضي :     

لئِن أَكُ أَسوداً فالـمـسْـكُ لَوْني
وَ مَا لِـسـوَادِ جِـــلــدي منْ دَواءِ
ولكن تـَبـعُـدُ الـفـحـشاءُ عني
كـبـعـدِ الأرضِ عن جوِّ السماءِ

للاخرين الحق في تعظيم ألوانهم كما يشاءون وليس علينا الأعتذارعن سوادنا فهو ( الأعظم).