عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.


مّثل سقوط الملكية المصرية على يد الجيش المصري في يوليو 1952 ( سمّه حركة أو ثورة أو أنقلابا ) العلامة الأبرز في التحولات التي شهدها العالم العربي من أنظمة الحكم الملكي الى أنظمة الحكم الجمهوري, وقد أعقب التحول المصري تحولات أخرى في العراق وليبيا واليمن.

وشهدت معظم الجمهوريات العربية انقلابات عسكرية بتوجهات اشتراكية وقومية واسلامية, بينما ظلت الأنظمة الملكية تحكم العديد من الدول العربية مثل دول الخليج والأردن والمغرب.

وعلى الرغم من الأختلافات الشكلية بين هذه الأنظمة المسماة جمهورية و تلك المسماة ملكية الاّ أنّ أوجه الشبه بينها في النواحي الدستورية والقانونية والأقتصادية كبيرة لدرجة تسمح بأن نطلق عليها تسمية مبتكرة هى " الجملكية" أى (الجمهورية / الملكية), لكونها تشكل مزيجا فريدا لهذين النظامين لا يعرفه فقهاء القانون الدستوري ولا يتوفر الا في بلاد العرب.

تعاني أنظمة الحكم المسماة جمهورية والمتناسلة من انقلابات عسكرية من أزمة شرعية دستورية و قانونية, وهو الأمر الذي يدفعها الى حل تلك الأزمة عن طريق فبركة دساتير على مقاسها, و تزوير الأنتخابات ( تسعون بالمائة من أعضاء البرلمان في السودان  ينتمون لحزب الرئيس), حتى يتسنى لها البقاء في سدة الحكم, وقد يصل بها الأمر الى أجراء تعديلات دستورية استثنائية لملء الفراغ الدستوري بسبب وفاة الرئيس وحتى تنتقل السلطة للأبن كما حدث في سوريا ( ربما كانت هذه أوّل سابقة في نظام جمهوري في العالم ).

شعورالكثير من حكام الجمهوريات العربية بعدم التمتع بالشرعية الحقيقية التي تؤمن لهم الاستمرار في الحكم يدفعهم  للأعتماد على أفراد العائلة والأقارب والتابعين لملء المناصب ذات التأثير السلطوي ليكونوا سنداً فاعلاً للحاكم, وكذلك إقامة أجهزة قمع متعددة ومتداخلة الاختصاص لمتابعة المعارضين أحزابا و أفراداً وجماعات ( في ليبيا يسيطرالعقيد القذافي وأبنائه على كل المناصب المهمة في الدولة).

أنظمة الحكم العربية المسماة جمهورية تعاكس التعريف والمفاهيم التي يعطيها فقهاء القانون الدستوري ومفاهيم أنظمة الحكم باعتبار أنّ النظام الجمهوري, يستند الى الأرادة الشعبية و يتيح الفرصة للجميع للتداول على السلطة وتكون صناديق الاقتراع هي الفيصل. وهو الأمر الذي لا يحدث في الجمهوريات العربية التي يبقى فيها الرئيس لعشرات السنين في سدة الحكم.

الأنظمة الملكية كذلك تعاني من أزمة شرعية, فهى ما تزال تستند الى شرعية أسرية تاريخية وأخرى دينية ( الأنتماء لال البيت), وترسم خطوطا حمراء لا يسمح بتجاوزها, ولا تعرف الأرادة الشعبية, ولا تداول السلطة ( عندما طالبت جماهير البحرين في مظاهرات سلمية بتحويل نظام الحكم لملكية دستورية تمت مواجهتها بالرصاص والقنابل).

 وذلك باللعب على وترExtortionتلجأ الجملكية العربية لسد فراغ الشرعية عن طريق الأبتزاز    
إثارة مخاوف الناس من أي منافسين على السلطة ( تخويف نظام مبارك للمصريين من الأخوان المسلمين قبل ثورة يناير), والتشكيك في بدائل النظام القائم ( وهو السؤال الذي يطرحه النظام الحاكم في السودان), مع تشويه سياسات الأنظمة السابقة من خلال تضخيم ما وقعت فيه من أخطاء. والقصد من توظيف هذه الوسيلة هو أن تفهم الجماهير أنّ أوضاعها هي الأفضل في ظل الحكم القائم وأنّ أي تفكير في تغيير النظام  سينطوي على مخاطر كبيرة.

 يعتبر الوسيلة الأخرى التي تلجأ اليها أنظمة الجملكية  لسد Repressionوبجانب الأبتزاز فأنّ القمع
فراغ الشرعية. فأنتهاكات حقوق الأنسان هى السمة الأساسية لتلك الأنظمة, مضافا اليها التطبيق الصارم للقوانين المقيّدة للحريات ( قانون الطوارىء مطبق في سوريا منذ العام 1963  أي قبل أن يولد الرئيس السوري بشّار الأسد). وكذلك توظف تلك الأنظمة ميزانيات مالية مفتوحة لبناء الأجهزة الأمنيّة ليس بغرض تأمين المواطن, ولكن لترويعه, ومن أجل السيطرة على الحكم لأطول فترة ممكنة.

ويقول تقرير التنمية البشرية في الوطن العربي لعام 2009 أنّ :"إجراءات الأمن الوطني مثل إعلان حالة الطوارئ غالبا ما تستخدم كذريعة لتعليق الحقوق الأساسية للإنسان وتخليص الحكام من القيود الدستورية ومنح الأجهزة الأمنية صلاحيات مطلقة".

أضافة الى فقدان الشرعية الدستورية والقانونية ( غياب الديموقراطية ) فأنّ أنظمة الجملكية العربية تشترك في كونها أنظمة تعتاش على الريع الذي لا يوسم الأقتصاد بأى قيمة مضافة ناتجة من تفاعل عوامل الأنتاج ( الأرض, العمل, رأس المال), ولا توجد بها قاعدة صناعية تذكر. فهناك دول يعتمد أقتصادها بالكامل على ريع النفط مثل دول الخليج والسعودية وليبيا والسودان ( يشكل النفط 95 % من صادرات السودان ), وهناك دول عربية ريعية غير نفطية، مثل الأردن و مصر التي تعيش على السياحة وعائدات المغتربين في الخارج والمساعدات الأميركية.

في الأنظمة الريعية المفتقدة للأسس الشرعية الدستورية والقانونية ( الديموقراطية ) يحكم النظام قبضته على الثروة ( في بعض الأنظمة الملكية يصل نصيب الأسرة المالكة من نفط البلد الى 40 %), ويتحكم في صرفها بحسب الأولويات التي يراها, وهى في الغالب أولويات تهدف لأستمرار السيطرة على الحكم, فيتم الصرف على الأجهزة الأمنية وأجهزة القمع, وشراء الذمم والأتباع, وخلق طبقة من رجال الأعمال والمصالح المرتبطة بالنظام الحاكم , ويسيطر الوزراء والمتنفذين وأبناءهم على الشركات وعلى المفاصل المهمّة في الأقتصاد (زواج السلطة والثروة).

التتويج الأعلى لخصائص الجملكية المفتقدة للشرعية الدستورية والقانونية, والمعتمدة على الأقتصاد الريعي يتمثل في أنتشار الفساد الذي هو ظاهرة انسانية لا يخلو منها أي مجتمع أو دولة, ولكنه يشكل كارثة حقيقية في الدول التي تحكمها الأنظمة مدار حديثنا.

لقد أدّى الأنتشار الواسع للفساد المؤسسي في الجملكية العربية إلى شروخ كبيرة في منظومة القيم الأخلاقية والثقافية, فأنتشرت ظواهر الرشوة والمحسوبية و الغش والنفاق. وقوى الاتكال والاستهلاك على حساب روح المبادرة وأصبح الحديث عن الفساد لا يجد أستغرابا, فقد أضحى هو الأصل و ليس الأستثناء. وعادة ما يبدأ الفساد برأس النظام ( صعق الناس لأرقام ثروة الرئيس المخلوع مبارك, والقذافي, وبن علي), ثم ينداح ليصبح سمة عامة تجتاح المجتمع بكل شرائحه.  

 أتسعت دوائر الفقر في الجملكية العربية, وأزدادت الهوّة بين قلة من الناس تملك كل شىء, وأكثرية لا تملك شيئا. وتقول الأحصاءات أنّ أكثر من خمسة وعشرين مليونا من سكان هذه الدول يعانون من سوء التغذية.

على الرغم من أنّ الفقر في عدد محدود من مجتمعات الجملكية العربية ( الدول البترولية ) لم يستشري بصورة واسعة, الا أنّ ذلك لا يعزى للخطط والسياسات الأقتصادية الناجعة بقدر ما هو ناتج عن الفوائض الضخمة من ريع النفط. و حتى هذه الفوائض لم يتم توظيفها بطريقة سليمة, حيث أدّى  سوء الأدارة والنهب والتبديد لعائدات النفط – على سبيل المثال - الى حرمان شعب مثل الشعب الليبي من أن يصبح واحدا من أغنى شعوب العالم اذا أخذنا في الأعتبار تعداده القليل مقارنة بناتجه الضخم من البترول.

انّ رؤية صور المدن والطرق والمستشفيات والساحات الليبية عبر الفضائيات التي تنقل أحداث الثورة هناك أتاح الفرصة للمشاهدين لمعرفة مدى الجرم الذي أرتكبه نظام العقيد في حق بلده وشعبه.

أشتراك الجملكية العربية في الخصائص التي أتينا على ذكرها في هذا المقال ( فقدان الشرعية الدستورية والقانونية , والأعتماد على الأقتصاد الريعي ,و القمع والأبتزاز, والفساد) يقود الى نتيجة مفادها أنّه لا فوارق جوهرية بين الأنظمة التي سقطت على أيدي الشعوب الثائرة, وتلك التي تشهد حاليا زلزالا تحت أقدامها, والأخرى التي ما زالت تنتظر.   

Babikir Babikir [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]