أهداني صديقي البروفيسور والخبير الزراعي محمود صالح حسن (شـنكو) الجزء الأول من سيرته الذاتية التي اختار لها عنواناً ( أشـكان ) - وهو اسم قريته في منطقة حلفا دغيـم شرق النيل على بعد كيلومترات قليلة شمال مطار وادي حلفـا .

يقع الجزء الأول من هذه السيرة في 200 صفحة في طباعة و إخراج فني أنيق من دار مدارك للطباعة و النشر تحت اشراف مديرها الصديق الفنان الياس فتح الرحمن . وقد سعدت عندما وجدت أن إبن الدفعة السفير عوض محمد الحسن ( قدورة ) هو الذي كتب مقدمة هذه السيرة لما عرف عنه من مقدرة على الإبانة و الإفصاح بموضوعية .
كتب عوض : " هذا كتاب فريد ، مدهش ، وقيم . هذه مذكرات الأشكانوكي( نسبة لقريته أشكان ) محمود صالح شنكو كتبها من الذاكرة و من القلب : مباشرة و بسيطة و صادقة. بسط فيها – دون تزويق – مسيرة طفولته و صباه و نشأته و دراسته و الحياة في قرى حلفا قبل أن تغمرها مياه بحيرة النوبة / ناصرإلى الأبد ." انتهى كلام الأخ عوض .
بما أنني وجدتها سيرة ذاتية مختلفة و ممتعة رأيت تقديم قراءة متواضعة و عجلى لها .
لقد كان أول ما تبادر إلى ذهني بعد الاطلاع على هذه السيرة دروس ( سبل كسب العيش في السودان ) - التي كانت جزءاً من مقررات المدارس الأولية لأبناء جيلنا- ذلك لأن هذه السيرة تقص عليك بتفاصيل دقيقة محكمة كيف كان يعيش أهل المنطقة مع خرط للمواقع التي يشير إليها أثناء السرد بالإضافة لموقع ( أشكان ) و الطرق المؤدية لها مع خارطة تفصيلية للقرية ذاتها من الداخل : شوارعها الداخلية ، بيوتها ، طوابيها ، أشجارها ، وابوراتها وسواقيها و الطواحين الموجودة بها .
و لدقة الوصف و حيويته ينتابك احساس قوي – بعد الفراغ من قراءة الكتاب - بأنك قد عشت و ترعرعت في قرية ( أشكان ) هذه.
فبالإضافة لشرح طرق و مراحل زراعة المحاصيل المعروفة في المنطقة كاللوبيا و الفاصوليا و البسلة و الترمس و الذرة و الدخن و غيرها ، بداية من إعداد الأرض وانتهاءاً بعمليات الحصاد المختلفة بصورة تفصيلية متقنة ( لا غرو فالكاتب خبير زراعي عالمي) ، يدلف محمود بعد ذلك إلى إبراز أهم مظاهر الحياة الاجتماعية لأهل المنطقة و ما عرف عنهم من ترابط و تعاون في أعمال الزراعة المختلفة خاصة عمليات الحصاد وكذلك في المناسبات الاجتماعية خاصة مناسبات الزاوج . و في هذا الصدد يورد محمود تفاصيل حفلات زواج مشهودة جرت في أشكان أو فيما يجاورها من قرى ، في فترات سابقة ، لعدد من أبناء و بنات أشكان مشيراً إليهم بأسمائهم وأسمائهن !
ومما يزيد الكتاب طرافة و متعة فإن البروف يورد ضمن ذكرياته بعضاً من الطرائف و النوادر التي حدثت له أو لبعض أصدقائه في سني الدراسة سواء في فترة خلوة الشيخ عبد الرحمن في ( كفرين ) شرق النيل أو في مدرسة حلفا دغيم الأولية ( 44- 1948 ) أو مدرسة حلفا الأميرية الوسطى ( 48- 1952 ) أو وادي سيدنا الثانوية (52 – 1956 ) اكتفي منها بهاتين الطرفتين :
أ‌) أشار أنه في المدرسة الأميرية الوسطى كان يمد التلميذ بالداخلية شهرياً بأربعة قطع من صابون الغسيل الكبيرة وأربع ظهرات كلها مصنوعة في انجلترا و كان فوق السرير في الداخلية مرتبة و مخدة وبطانية صوف ثقيل مصنوعة في انجلترا كذلك.
ب‌) قال البروف محمود أول ما دخلنا المدرسة الأولية قالوا لنا مافي كلام بالرطانة هنا الكلام بالعربي فقط و كنا عندما نرجع بيوتنا الأهل يقولوا لنا ما دايرين كلام بالعربي هنا رطانة بس ؟!


*****
الخرطوم 2 ديسـمبر 2018 م


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.