عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

منطقة ما بين النيل والبحر الأحمر قبل الألف الثالث قبل الميلاد
ألقينا في الحلقتين الثانية والثالثة بعض الأضواء على التاريخ المناخي واللغوي لمنطقة غرب نهر النيل في العصور المبكرة، ونواصل هنا تناول المنطقة الواقعة بين نهر النيل والبحر الأحمر.
المناخ القديم للمنطقة الواقعة بين نهر النيل والبحر الأحمر يختلف قليلاً عن المناخ القديم لمنطقة غرب نهر لنيل. ويلاحظ ذلك بوضوح على خريطتي Kopytoff للجزء الشمالي والأوسط للقارة الافريقية. الخريطة الأولى عن المناخ والنباتات بين أعوام 16000 و 11000 ق م، والخريطة الثانية عن النباتات بين أعوام 9000 و 6700 ق م. فالجفاف الحاد الذي كان سائداً في منطقة ما بين البحر الأحمر والمحيط الأطلسي والذي أدى إلى تصحر المنطقة قبل القرن الحادي عشر قبل الميلاد لم يشمل جزء كبير من شرق السودان و ساحل البحر الأحمر السوداني، فقد كانت هذه المنطقة داخل في امتداد مناخ البحر المتوسط جنوباً. وأدي ذلك إلى توفر متطلبات الحياة في هذه المنطقة قبل البداية الرطبة لعصر الهلوسين بعد الألف الحادي عشر قبل الميلاد. وظلت منطقة ساحل البحر الأحمر تتمتع بمناخ البحر المتوسط في عصر الهلوسين نحو الألف العاشر ق م، وساد نبات الاستبس في منطقة شرق السودان الداخلية وامتد غرباً حتى المحيط الأطلسي. (Kopytoff)
ولم تحظ منطقة ما بين البحر الأحمر ونهر النيل باهتمام الباحثين مثل الاهتمام والبحث الذي وجدته منطقة غرب نهر النيل حتى السنوات الأخيرة من القرن الماضي. وبدأت المعلومات الجيولوجية تتوفر عن المنطقة بأعمال البعثات الآثاري لمعهد دراسات الصحراء الشرقي الإيطالي Centro Ricerche sul Deserto Orientale عام 1989. (Sadr, p 1) وأعمال البعثات الآثارية لجامعة نابلي التي نشرت العديد من نتائج كشوفاتها في العقد الماضي. والآن في شهر فبرائر يباشر معهد البحوث العلمية بجامعة موسكو الحكومية موسمه الكشفي الثالث في مناطق التعدين القديمة.
وقد توفر قدر معقول من المعلومات مما تم الكشف عنه في بعض مناطق شرق السودان منذ عصر الهلوسين المبكر وبخاصة في أعمال التنقيب التي قامت قيها بعثة آثار جامعة نابلي الإيطالية في السنوات الماضية. وسنتعرف هنا على بعض ما تم الكشف عنه من آثار في منطقة وادي العلاقي والمجرى الأدنى لنهر عطبرة في الفترة المبكرة من عصر الهلوسين. كان وادي العلاقي نهراً دائم الجريان في عصر الهلوسين المبكر ينبع من سلسلة جبال البحر الأحمر الواقعة جنوب منطقة حلائب الحالية ويصب في النيل جنوب مدينة أسوان. (UNESCO) ويتواجد الجزء الأكبر من وادي العلاقي في حدود السودان الحالية.
فقد تم العثور على طريق كورسكو (شمال وادي حلفا) إلى وادي العلاقي في حدود السودان الحالية على آثار توضح الحياة في عصر الهلوسين المبكر، (Sardr, p 23) كما تم الكشف في وادي قبقابا الرافد الغربي لوادي العلاقي مقابل وادي حلفا على بقايا بحيرات قديمة أو playas وكهوف وأماكن إيواء صخرية وعلى 55 موقع أثري، ووجد محار كثير ومناطق استقرار وآثار نار وفخار ترجع إلى الفترة بين الألفين الثامن والرابع قبل الميلاد. وعثر على مدافن تؤرخ بين 5500-4000 ق م، يبدو في إحدى المقابر أن الجثمان وضع فوق جلد، وفي مقبرة أخري في الأسفل نحو 5.4 في 4 متر يوجد جثمان أنثى وعقد رقبة وودع وفخار قرابين، حول الرأس بقايا جلد وحبوب بقوليات متحللة تاريخ المقبرة 3980 -3760 ق م كما عثر على بقايا هياكل بشرية وخرز أخضر وفخار مزين. وتشير هذه الآثار إلى الاستيطان الموسمي منذ عصر الهلوسين المبكر. (Bernard, p 43 – 46, 53)
وفي موقع آخر على وادي Wlei في أعلى وادي العلاقي داخل السودان عثر على آثار قرية تغطي نحو 5 كيلو متر تتكون من دوائر حجرية مفتوحة فسرت بأنها قطاطي وأدوات فخارية مزينة وخرز ملون ومدافن وقرابين عبارة عن أنية وقرون بقر وغنم وخرز وعقود وهيكل عظمي لإنسان يرقد على جنبه ورأسه نحو الغرب وعقد ذهبي على اليد. يرجع تاريخ هذه الآثار إلى منتصف الألف الخامس قبل الميلاد. وفي مقبرة أخرى عثر على هيكل يشري وجهه متجه نحو الجنوب، وعقد ذهبي وعظام قرابين وأماكن مواقد نار وعظام غنم وبقر تؤرخ 3100 ق م. (Bernard, p 52 - 53) .
وذكر صدر أنه عثر في وادي قبقابا على أثار فخار وآثار تعدين ذهب. وأوضح أنه لم تكتمل الدراسة المكثفة للمنطقة بعد، وأن ما تم (1995) فقط عبارة عن مسح عام لمناطق تعدين الذهب. ويبدو أن المقابر التي تم كشفها في وادي كو (أعالي وادي قبقابا) كانت مقابراً لطبقة اجتماعية عالية، ومن بين ما عثر عليه خمسة قطع ذهبية ومباني حجرية دائرية تؤرخ 3201 ق م (Sadr, p 2, 10)
وإلى الجنوب من وادي قبقابا عثر على بعض الموقع الأثرية للهلوسين المبكر في صحراء شمال أبو حمد، وأغنى تلك المواقع موقع Nasb Atiliya بالقرب من المحطة الصحراوية رقم 5 بين أبو حمد وحلفا، وهو موقع منخفض ربما كان بحيرة قديمة، وعثر على فخار حجارة طحين . (Bernard, p2)
وعلى ضفاف المجرى الأدنى لنهر عطبرة وجدت العديد من المواد الأثرية توضح الاستقرار في عصر الهلوسين المبكر. اعتمد السكان على الموارد المائية واستخدام الشباك، وتم اصطياد حيوانات: الفيل الزراف الأبقار الوحشية مثل الثور الافريقي، ووجدت آثار الاعتماد أيضاً على طعام نباتي وآثار مقابر على أطراف مناطق الاستقرار، ويصعب تحديد ما إذا كانت هنالك قرابين داخل القبور. دفن الموتى بوضع مقرفص ويبدو أنه لا يوجد نمط ثابت بالنسبة لاتجاه الميت. تاريخ المواد الأثرية تقع في الفترة بين الألفين السابع والخامس قبل الميلاد. (هالاند ص 7 - 8 و (Manzo 2012 b, p 84وعثر في المنطقة الواقعة بين خور القاش وعطبرة على عدد من المواقع ترجع إلى الألفين الثالث والثاني قبل الميلاد.
يتضح مما ورد من معلومات عن منطقة وادي العلاقي السودانية وبعض مناطق نهر عطبرة وشمال أبو حمد أن تلك المواقع كان مَواطناً لثقافات متطورة وكثافة سكانية واضحة كما يتضح من خريطة صدر (Sadr, fig. 4). فقد تم الكشف عن 19 موقع أثري على فرعي وادي العلاقي داخل حدود السودان وعلى ثلاث مواقع أخرى على بعض الأودية التي تجري نحو البحر الأحمر أيضا داخل حدود السودان. ويعني ذلك أن هنالك 22 موقع أثري من جملة المواقع الأثرية على الخريطة والبالغ عددها موقعاً 24. وأوضحت المواد التي عثر عليها على الثقافات والنظم الاجتماعية المتطورة لسكان تلك المناطق مثل الثراء الواضح فيما وجد في المقابر من عقود ذهبية وفخار مزين وخرز ملون. وقد امتدت آثار الحياة المبكرة لتلك المناطق لفترة طويلة قبل الألف الثالث قبل الميلاد.
هذا عرض موجز لبعض المواقع في منطقة أثرية محدودة أوضحت ثراء وعمق تاريخ السودان القديم. والمزيد من البحث والكشوف في هذه المنطقة وغيرها من مناطق شرق السودان مثل خور بركة وخور القاش ونهر عطبرة وجبال البحر الأحمر وأوديتها يكشف عن المزيد من تراث وحضارة السودان القديم قبل قيام مملكة كوش الأولى في كرمة في منتصف الألف الثالث قبل الميلاد.
وقد أوضح ما تم الكشف عنه من آثار في الحقب القديمة المبكرة الصلة والتواصل بين سكان السودان القديم. فقد بينت المواد الآثارية لسكان منطقة وادي العلاقي السودانية في الألف الخامس قبل الميلاد الصلات مع أصحاب الثقافة أ A-Group (Sadr, p 5) وآثار منطقة مكرام في كسلا في الفترة بين الألفين الخامس والأخير قبل الميلاد تشبه آثار مناطق البطانة والنيل. (Manzo a, p 318 - 319} آثلر منطقة وادي جواسيس على البحر الأحمر شمال حلائب ذات علاقة بكرمة وبالشلال الرابع. (Manzo b, p 75)
ودراسة تلك الصلات تبرز مكونات الأمة السودانية القديمة الضاربة في أعماق الزمن، واضعين في الاعتبار أن دخول مكونات الأمة في حدود سياسية واحدة طيلة حقب التاريخ المتعاقبة لم تكن شرطاً لتكوين الأمم كما هو الحال في العصر الحديث.
اللغة الكوشية Cushitic
يلاحظ أن هنالك عدد من اللغات التي نشأت وتفرعت في المنطقة الواقعة غرب نهر النيل، بينما نجد في شرق السودان اللغة الكوشية هي التي سادت المنطقة في تلك العصور المبكرة. واللغة الكوشية Cushitic لا علاقة لها بمملكة كوش Kush التي نشأت في كرمة، وللتفرقة بين بين دلالة الكلمتين في اللغة الانجليزية تكتب كوش الدالة على اللغة بالحرف “C” Cush وتكتب الكلمة بالحرف K للدلالة على المملكة Kush.
تنتمي اللغة الكوشية إلى اسرة اللغات الافريقية الآسيوية - كانت تعرف باللغات الحامية السامية - التي تضم عدداً من اللغات المنقرضة والحية. مثال اللغات المنقرضة اللغة المصرية القديمة، واللغة الجعزية Ge’ez لا زالت مستخدمة في نطاق ضيق في الكنيسة الأرثوذكسية في اثيوبيا وأرتريا. وتعتبر اللغة الجعزية حية في لغة التجري الحالية (ادريس إبراهيم جميل ص 161 – 165). واللغات الحية تتضمن مجموعة من اللغات هي: 1/ اللغة الكوشية يتخاطب بها البجة والأرومو والصوماليين والسيدامو والعفر والبلين والساهو. 2/ اللغة السامية: من لغاتها العربية والعبرية والأمهرية والتجري والتجرنيا. 3/ اللغة التشادية: تتضمن عدد كبير من اللغات منتشرة تشاد والنيجر وشمال الكمرون وشمال نيجريا ومن أشهر لغاتها لغة الهوسا. 4/ اللغة الأمازيغية (البربرية) لغات سكان شمال افريقيا. 5/ لغة أوموتك Omotic يتخاطب بها في جنوب غرب اثيوبيا.
لم يتفق الباحثون على الموطن الأول الذي نشأت فيه اللغة الافريقية الآسيوية الأولى proto-Afro-Asiatic يجعل أحد الآراء نشأتها في منطقة الصحراء الكبرى بين مرتفعات تبستي في شمال دولة تشاد ودارفور (Frajzyngier)وفي رأي آخر كانت نشأتها بالقرب من القرن الافريقي نحو 18000 سنة مضت. (Holt) وهذا التقدير يجعل نشأتها قبل عصر الهلوسين حيث كانت منطقة ما بين البحر الأحمر والمحيط الأطلسي شديدة الجفاف ومتصحرة، إلا أن ساحل البحر الأحمر الجنوبي الغربي كان يتمتع بمناخ البحر المتوسط – كما أشرنا أعلاه - مما هيأ سبل الحياة المبكرة.
وقد نشأت اللغة الكوشية الأولى Proto-Cushitic في وقت مبكر هي وأخواتها اللغات المصرية القديمة والتشادية والأوموتك بين الأفين التاسع والثامن قبل الميلاد. (Britannica) فهل يدل ذلك على أن متحدثي اللغة الكوشية الأوائل Proto-Cushitic وأسلافهم هم الذين أسسوا الثقافات والحضارات المبكرة في أعالي وادي العلاقي ونهر عطبرة وأودية القاش وبركة وجبال البحر الأحمر؟
كما ذكرت من قبل فإن ما ورد هنا هو مجرد مقدمات وفتح الباب للمزيد من البحث والدراسة في تراثنا السوداني القديم السابق لقيام دولة كوش الأولى في الألف الثالث قبل الميلاد.
ونواصل ...
المراجع
- هالاند، راندي "الهلوسين المبكر وظهور الاستقرار في منطقة عطبرة" ترجمة أسامة عبد الرحمن النور، أركاماني: مجلة الاثار والانثروبولوجيا السودانية، العدد السابع، ديسمبر 2005.
- ادريس إبراهيم جميل، الحباب: ملوك البحر وأهل السادة ط 2، الدوحة: مكتبة الثقافة 2014.
- Bernard, Hans and Kim Duistermaat, 2012, The History of the Peoples of the Eastern Desert, Los Angeles: University of California, Cotsen Institute of Archaeology, Monograph 73.
- Frajzyngier, Zygmunt, Afroasiatic Languages, https://oxfordre.com/linguistics/view/10.1093/acrefore/9780199384655.001.0001/acrefore-9780199384655-e-15 Online Publication Date: May 2018
- Holt, Meredith, The Afro-Asiatic Language Family, http://linguistics.byu.edu/classes/Ling450ch/reports/afro-asiatic2.html
- Manzo, Andrea ,2012 a “The Italian Archaeological Excavation to the Eastern Sudan of the Universita Degli di Napoli, di L’Orientale” Newsletter di Archeologia CISA, Vol. 3. pp313-335.
- Manzo, Andrea, 2012 b “From the Sea to the Deserts and Back: New reach in Eastern Sudan” British Museum Studies in Ancient Egypt and Sudan” 18, pp75-106.
- Sadr, Karim, Castigliano, Alfredo & Castigliano, Angelo, 1995, “Nubian Desert Archaeology: A Preliminary View” Archeologie du Nil Moyen, Vol. 7, pp.203-235.
www.academia.edu/30765021/Nubian_Desert_Archaeology_APriliminary_View
Sidebotham, steven A. “An overview of Archaeological work in the Eastern Desert and Along the Red Sea Coast of Egypt by the University of Delaware-Leiden University 1987-1995” Topoi.Orient-Occedent” Annee 1996, 6-2 pp773-783.
UNESCO, Wadi Allaqui, Biosphare Reserve Information. Online.