ما أن صدح الفنان محمد منير يغني لمصر، حتى إهتز الرجل الجالس قبالته يبكي بحرقة، كما الطفل مفتقد والديه….، وكلما سعى أحدهم لتهدئته، إزداد نواحا وإختلاجا. كان يبكي شوقا ولوعة لمصر المحروم من دخولها بسبب محاكم التفتيش العصرية…!

وعندما كرّمته مؤسسة إبن رشد للفكر الحر (برلين، كانون الأول/ديسمبر 2005)، إعتبر جائزتها وساما هاما، «لأنها تقرن إسمي باسم فيلسوف الشرق والغرب «ابن رشد» الذي اخترق فكره ظلمات القرون الوسطى فأضاءها، والذي أتشرف منذ سنوات باعتلاء كرسي أكاديمي يحمل اسمه بجامعة «الإنسانيات» بمدينة «أوترخت» بهولندا. ولأنها تمسح العار الذي لحق بقيمة الحرية، حرية الفكر وحرية البحث العلمي وحرية العقيدة، في عالمنا العربي والإسلامي».

في 5 تموز/يوليو الجاري، مرّت ثماني سنوات على رحيل أحد أبطال الإستنارة، المفكر المصري نصر حامد أبو زيد، الذي شكّلت وفاته صدمة كبيرة للفكر والضمير الحي. كان معارضا مقداما لسلطة النص المطلقة، مكافحا ضد الاستبداد، السياسي والديني، مجاهرا بالدعوة للحرية الفكرية والسياسية، وملتزما أكاديميا وإنسانيا بحقوق الإنسان في كل مجالاتها. يصف همومه البحثية بأنها ذات الأسئلة التي شغل بها رواد النهضة في العالمين العربي والإسلامي منذ بداية القرن التاسع عشر: هل يتوافق الفكر الإسلامي مع الحداثة؟ هل تسمح أصول الدين أن يعيش العربي المسلم في دولة حديثة تتميز بمحورية الإنسان المواطن في المجتمع، وحرية الرأي والمساواة بغض النظر عن الجنس أو اللون أو الدين؟ هل يتعارض الإسلام مع أنظمة الحكم الحديثة القائمة على الديمقراطية وتناوب الحكم والتعددية؟ هذه الأسئلة نابعة من محاولة التواصل الإيجابي الفعّال مع الآخر الأوروبي الغربي الذي ظهر في أفق وعينا مسلحا بكل أنماط القوة، قوة السلاح وإرادة السيطرة من جهة، وقوة العلم والعقلانية وقيم التطور والحداثة في الوقت نفسه. وجد نصر حامد أبو زيد لنفسه موضوعاً كبيراً شغله طيلة حياته ولم يفارقه إطلاقاً منذ دراسته لنيل الماجستير، وهو موضوع العلاقة بين النص القرآني والمتلقي مستمعاً كان لتلاوته أم قارئاً. وبالأخص السؤال عن الشروط التي يجب توفرها كي يتمكن المتلقي من فهم ما يقوله القرآن وما يريد أن يقوله الخالق في الواقع الثقافي والتاريخي الاجتماعي المحدد. هذه الإشكالية التأويلية الأساسية كان يُعيد فحصها من منظور جديد في كثير من أبحاثه المنشورة. وهذا الجهد الفكري الذي بذله الراحل للوصول إلى قواعد نظرية مُقنِعة للتفسير قائمة على مستوى المعرفة العلمية الحديثة لفتح باب التأويل للقرآن من جديد حتى يفهم معانيه بشر هذا العصر بآفاقهم الثقافية والاجتماعية، لم تكن شهادة التزامه العلمي فحسب، بل هي شهادة لإيمانه بالله أيضاً، حسب الباحثة الألمانية البروفسر روتراود فيلاندت.

في الولايات المتحدة درس أبو زيد النظريات الغربية الحديثة لتأويل النص، واستخدمها في دراسة النص القرآني. كما أصبح يشك في صحة تقسيم الفلسفة إلى شرقية وغربية، لأنه وجد أن الفلسفتين تطرحان نفس الأسئلة العامة والأساسية، منها السؤال حول علاقة القارئ بالنص القرآني، وهو السؤال الذي يشكل أهمية خاصة بالنسبة لأبو زيد. وهكذا تبدى له تلاقح فكري واسع منتج بين التراث العلمي الذي ينتمي إليه والإستنتاجات التي توصل إليها العلماء غير المسلمين في مجهوداتهم الفكرية. وقد ميز هذا التلاقح الفكري جميع أعمال ابوزيد الفكرية اللاحقة. ومن أعماله ذات القيمة الفكرية العالية: الاتجاه العقلي في التفسير، التفكير في زمن التكفير، نقد الخطاب الديني، دوائر الخوف…وغيرها. لكنه يعتبر كتابه «مفهوم النص» (1990) أهم منجزاته الفكرية.

عندما بلغ المفكر الراحل سن الرابعة عشرة توُفي أبوه الذي كان قد قرر أن لا يلتحق ابنه بالتعليم الثانوي بالرغم من تفوقه الدراسي وذلك ليتعلّم مهنة تمكنه من إعالة الأسرة. فأكمل أبوزيد، أولاً تعليمه كفني لاسلكي، ثم حصل على الشهادة الثانوية خارج إطار المدرسة. وكان أثناء فترة الدراسة في قسم اللغة العربية بجامعة القاهرة، يواصل عمله كفني لاسلكي حتى يعول والدته وأخوته. ظروفه الحياتية الصعبة، جعلته يعتاد الصمود أمام الصعوبات في سعيه لتحقيق ما يراه صحيحا، مما أكسبه بعداً نقدياً سليماً ضد ذوي السلطان وأصحاب الامتيازات.

بعض اعضاء اللجنة العلمية التي شكلتها جامعة القاهرة لدراسة أبحاثه بغرض نيله درجة «الأستاذية»، إتهموه بالكفر والالحاد بناء على ما جاء في تلك الابحاث والكتب والمتضمنة أفكاره حول النص القرآني. كما رفعت مجموعة من المحامين الإسلامويين دعوى تفريقه عن زوجته بدعوى الردة. ولم ينتظر أحد شيوخ الظلام في مصر حكم حكمة النقض، بل دعى السلطات إلى إعدامه بناء على حكم المحكمة الإبتدائية المؤيد للدعوى ضده. لكن، المفكر لم ينزو ولم يتراجع، بل صرخ « أنا أفكر..أنا مسلم»، و«إن وظيفة القضاء ليست محاكمة الفكر وإنما تطبيق مواد القانون ونصوصة في حالات النزاع بين الأفراد والجرائم ضد الفرد أو المجتمع. ولأن التفكير بذاته ليس جريمة، ولأن نشر ثمرة التفكير، وهو الاجتهاد، واجب يمليه ضمير الباحث ومسؤوليته إزاء دينه ومجتمعه، فإن إدخال القضاء طرفا حاكما في شئون الفكر هو الجريمة بعينها».

ولم تتردد الزوجة لحظة واحدة، بل تبعت رفيق حياتها إلى المنفى. وأهداها كتابه «دوائر الخوف» كاتبا: «إلى إبتهال يونس: الزميلة والصديقة والزوجة. في الزمن الرديء يدفع الحب ضريبة إنه يريد أن يجمل وجه الحياة. يتحدثون بإسم «الله» والكراهية تطفح في نفوسهم وعلى وجوههم.
وقوفَك ضد القبح دليل دامغ على إن الرجل شريك المرأة وليس العكس. فيك وفي إرادتك تتجلى قوة المرأة مانحة الحياة والحب والنبل. هذا الكتاب لك، ولكل بنات جنسك ولأبنائهم وبناتهم. ألسنا نحلم بالمستقبل؟»…
فقيد الفكر والحق، لا يموت….، يظل كائنا نشطا في كل ضمير حي…، ويظل حيا بإلهامه وقوة دفعه للآخرين في رحلة البحث عن الحقيقة.

٭ نقلا عن القدس العربي
///////////