هنالك فروق كبيرة جدا بيننا وبين الأمم التي تقدمت فأصبح الفارق بيننا وبينها كبير جدا ، في النماء والحس الحضاري الإجتماعي ، والتعامل مع الحياة.

كثير جدا منا تسأله ، انا شايفك في السوق امبارح ، إن شاء الله خير ، يرد عليك ، والله "ساهي" ، وكثير من اولادنا تسأله ليه عملت كدا ؟ ، فيأتي رده وبسرعة فائقة ، والله ، " ساهي" ومؤكدة بقسم مغلظ.
عندما نرى زحمة على جانب الطريق ، يقلتنا الفضول فنتوقف ، ساهي ، ونسأل عن السبب ساهي ، ونأخذ معلومات ساهي ، ونعطيعها ساهي ، حتى لو كان اعطاء تلك المعلومات يعد جريمة او ذنب ، او يساعد في اخفاء جريمة ، لكنا نقوم بها خدمة مجانية ، ساهي.
تجدنا في الاسواق وفي بيوت المناسبات ، نتحدث "ساهي" ونفرح ساهي ونحزن احيانا ساهي وربما نبكي ساهي "، ونجامل ساهي ، ونشارك ساهي ، الا من رحم الله.
هذه " الساهي" هي التي ضيعت أعمارنا ، ساهي ، وضيعت أسرنا ، ساهي ، وضيعت تعليمنا ساهي ، وضيعت وطننا مع ما ضيعه ، ومن ضيعه ، ساهي.
انا أجزم أن أغلبنا تزوج ساهي ، وأنجب ساهي ، وربى ساهي ، ومن تخصص في شيء ما تخصص ، ساهي ، وكثير ممن التحق في وظيفة التحق ، ساهي ، ومن قلب الحكومة واستلم الدولة قلبها واستلمها ساهي ، ومن عارض عارض ساهي ، ومن اغترب مثلي إغترب ساهي ، وقضى ثلاث ارباع عمره في الغربة ساهي، دون تخطيط يذكر او عائد يستحق هذا الاغتراب.
نحن شعب لا نعرف التخطيط والرؤية ووضع الأهداف ، ولا كيفية تحقيقها ، الا من رحم الله ، وكانت قسمته ان يخطط الله له ساهي وفق التوفيق والاختيار ، ونحن لا نعرف االالتزام واستدامة ذلك التوفيق والعطاء الالهي ، او البشري ، فكثيرا ما نبدأ بشيء له قيمة لكن تتدحرج تلك القيمة سريعا ، لا نعرف الحدود ، أي شيء عندنا دائري ، ينتهي بلولب يفضي الى ، "ساهي" هذه.
مناهجنا التربوية لا تساعدنا على وضع خطط ورسم منهج حياة ، ولا تساعدنا في معرفة حقوقنا وحدودنا وكذلك تربيتنا الاسرية والمجتمعية لا تساعدنا أبدا في في ذلك، بل تربي فينا القيام بالاشياء ، ساهي.
الزمن عندنا هو أرخص الأشياء، لا نهتم كثيرا بالنتائج ، ونتحملها مهما كانت انواعها ، بإعتبار ان أساس التخطيط كان ، ساهي .
إدراكنا لجدية الحياة وماهيتها والقصد منها حتى والمقاصد الربانية ضعيفة جدا ، والله يقول " وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما لاعبين" ، ولا عبين هذه ، تعني ، ما "ساهي" ، فكيف نتعامل مع ذلك "ساهي" ، لا نعمر الارض وفق التخطيط الذي تستحق ولا ندرك نعم الله في الاولاد والأسرة ، فنخطط لها ونخطط معهم ونساعدهم ايضا في رسم مستقبلهم ونسأل الله بعد ذلك، التوفيق؟ والأسر في المجتمعات المتقدمة تضع منهاجا لحياتها وادوار لافراد أسرها ، تتدرج وفق مراحل الحياة ، ليس فيهم فردا واحدا ينشأ ساهي او يفكر ساهي او يدرس ساهي او يتخرج ساهي ، كما نظن ، انهم يخططون للغد ، واما نحن فنتيجة الغد تحتمها الصدفة ساهي .
الشيء الساهي الوحيد الذي رأيت الناس في جنوب افريقيا يعملونه " ساهي" هو اثناء ساعات الترفيه في اخر الاسبوع ، والسياحة ايام العطل ، وهذا الساهي هو ايضا شيء له دوره في عجلة الحياة إذ يعتبر الترفيه هو تزييت لماكينة دورة الحياة لإنتعاشها ولمزيد من بذل الجهد وتحقيق العطاء والاهداف نفسها ، ونحن ايضا لا نقوم بذلك الساهي ، "ساهي".
فنحن نساعد في تدنى مستوى حياتنا ، ومن يهتم بالاخرة فينا ، يعيش الدنيا ساهي لا ينفع احيانا ولا ينتفع ، من مشاركة الناس في إعمار الارض حتى بالعبادة ، إلا من رحم الله ، وهو الرحيم ، يرحم من يشاء بلا حساب.
لا يجب ان يحدث أي شيء ساهي ، هنالك دوافع ولو دقيقة جدا وغير محسوسة ، اما طبعية غريزية شخصية ، او اكتسابية اجتماعية تجعلنا نتصرف حتى على مستوى " الساهي" هذه ، وهي "رواب" تخطيط وأهداف لكنها تحتاج لتطوير لتصبح مخططات يمكن ان تفيدنا في الحياة وتحتاج لإدارة ذاتية ومجمعية وتحتاج لصقل وتجريب وتعود عليها حتى تصبح ديدنا عاما ينتظم الحياة ، وهي عبارة عن شرر بسيط في الاتجاه السليم يحتاج لنفخ في روحه حتى يوقد في السلوك فنستفيد من كل حراكنا في الحياة ويستفيد منه الغير كمنظومة جماعية ، يعود خير الفرد فيها وسلوكه الهادف للمجتمع والعكس صحيح .

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.