عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

لعل معظم الذين شاهدوا جموع اخوتنا السودانيين الجنوبيين المتضامن مع اخوتهم الذين خرجوا في جميع ارجاء السودان مطالبين باسقاط النظام قد شعروا شعورا عميقا بالوطن السودان وبالفقد العظيم. لقد جمع ذلك الموقف أشواق السودانيين جميعا نحو السودان الكبير حيث ولد بعضهم وعاش وشارك من شارك في الأفراح العظيمة العميقة الأثر وعانى من عانى مع اخوة وأخوات لهم مشاكل السودان ومآسيه. و"تغنى ورطن" باسمه الجميع كوطن. وكان لهتافهم الجماعي: الشعب يريد اسقاط النظام معناه الخاص والعام. ولعل في مثل تلك العواطف اكثر من امر. ففيه بلا شك وقفة عميقة مع النفس ومع التاريخ وتطور الوطن وحس المواطن به بنفسه كحالة وجودية. هنا أتقدم بهذه التأملات ليس كبعض وانما ككل لدعوانا: "الشعب يريد اسقاط النظام" إذ منها ندخل جميعا في معنى ومنهج "الشعب يريد تغيير النظام" وبالامرين معا نصنع السودان الوطن الممكن. الوطن القائم على عمد ::نحن الشعب السوداني فلنتامل جميعا ما يلي من واقع تجليات تلك العاطفة الجياشة:

*****

إختتم السيد إدوارد لينو حديثه لبرنامج ضيف المنتصف لقناة الجزيرة يوم الأثنين الموافق العاشر من يناير من العام 2011 ثاني أيام الإستفتاء على مصير جنوب السودان بأن صحن الصيني قد إنفلت من يد عمر البشير ليرتطم بحجر السودان القديم الضخم ويتكسر أشلاء. ولعل حديث الأخ لينو يعيد للأذهان المقولة المشهورة للزعيم الراحل إسماعيل الأزهري بأنه قد سلم السودانيين إستقلالهم سالماً كصحن الصيني "لا طق ولا شق". لا شك إن لينو أرادأن يقول لنا إن السودان الوطن الذي إستلمناه من أباء الإستقلال سالماً ذات يوم قد سقط ليتشظى أمام أعيننا الآن. ولعل ما فات على الاخ ادوارد باننا قد أصبحنا جميعا غرباء في بلادنا لا استيلا قايتانو وحدها. التي سطرت ذلك بشعور عميق. وقد يطيب المقام لأن يتذكر لينو وأن يذكر كل الهاربين من إلتزامات السودان الجديد بأن هنالك سودان قديم. فإن الذكرى في مثل هذا المقام هي بداية التأمل في المعاني العميقة لما جرى. ولعل الذين يستصعبون ذلك الحدث هم الذين يمكن أن يذهب بهم التأمل إلى النظر في كيف تمت صناعة ذلك الصحن في مراحله المختلفة ولماذا سقط وتكسر أشلاء. أما الطيب مصطفى فإنه لم يكتف بما حمل ما ظل ينفثه من نعرات وسموم وإنما ذهب إلى ما أبعد من ذلك بأن أخذ على مسؤليته أن يحدد لنا كيف نفكر وكيف علينا أن نتصرف وألا فهو سيظل على اقل تقدير سيكون مشفق علينا. وتلك طبيعة العقل الشمولي الإستبدادي المستهين بالله وبالناس. فهو قد يقسم بأنه مشفق "على من لايزالون ينتحبون ويلطمون الخدود ويشقون الجيوب ويدعون بدعوى الجاهلية حزنا على هلاك عجل السامري المسمى بالوحدة." ولعل الذين يستسهلون ويستصغرون الأمور العظيمة مثل الأخ الطيب تأتي عزائمهم على قدرهم. ومن بين هذا وذلك يأتي من يحمل عمر البشير كل ذلك الوزر. وهناك من يستنكر على غيره ساعة حزن إستوجبها الوقف في دمن واحدة من أكبر الحوادث التي مرت على البلاد عبر القرون. لذلك فإن أول دعوانا أن: الشعب يريد تغيير ذلك النظام.

نعم هناك وزر تنؤ بحملة الجبال. هو وزر سيظل في ذاكرة التاريخ كما بقي وزر قابيل وما بقيت الأوزار الكبرى تدور في فلكها حتى يقضي الله أمراً كان مقضياً. والوزر هنا ليس لأن أهل الجنوب قد أرادوا أو قرروا مصيرهم بهذا الشكل أو غيره وإنما لانه قد ظلت هناك لحظة تاريخية مواتية من أجل بناء وطن جديد وفق ميثاق جديد ومجمع عليه من الجميع ينتقل بنا جميعاً من ضيق الموروث إلى رحابة السودان الوطن الممكن. غير أننا الآن نرى الآن وأمام أعيننا أنه في اطار تلك اللحظة التاريخية قد سعت الحركة الإسلاموية وبشكل منتظم وفق برنامجها الذي قزم التجربة السودانية أدخلها في مأزق تاريخي كان من نتائجه أن خرج البعض من عسف البرنامج الخانق للإنقاذ وسجنها الكبير الذي أدخلت فيه البلاد بعد أن تجرع الجميع مرارة تلك التجربة. ومن هنا فإن الذين خرجوا الآن عن طريق الإستفتاء لم يخرجوا او تخرج جموعهم من السودان بقدر ما إنها قد خرجت من جحيم الإنقاذ. وخاصة وإنه حتى الذين إستجاروا بالوطن ورحلوا الي مدن السودان الاخرى حاملين آلامهم بما حاق بهم من دولتهم فسكنوا لاخوة لهم في موطنهم الجديد منذ عهد شمالاً قد طردتهم التصريحات الوزارية والرئاسية الإنقاذية الجائرة التي هددتهم بالحرمان حتى من حقنة الدواء. ولعل الدرس المستفاد لنا ولغيرنا هو كيف يمكن أن يسيئ من يدعي بأنه النموذج للدولة الدينية للدين وللناس ولنفسه أيضاً وذلك بتقزيم الدين وفق أفقهم المحدود وضيق برنامجهم وأجندتهم التي تود إستعمار حياة الناس.

بالطبع لم تتسرب اللحظة التاريخية من بين أيدينا بشكل نهائي وإن كان من الممكن للسودان أن يقدم النموذج الذي كان يمكن أن يحتذى في مجال بناء الأوطان وصناعة الدولة إنفصالا كانت تلك النتيجة او إتصالا. إذن على من توزع الأوزار؟ بالطبع أن الوزر الذي يتحمله البشير هنا سيضاف إلى ميزان أوزاره المثقل والتي لم ولن تنمحي من الذاكرة الإنسانية بشكل عام والذاكرة السودانية بشكل خاص. ولعل رمانة ميزان أوزاره التي أثقلتها تصريحاته المتعلقة بالإنفصال تشير بأن الرجل من الواضح لم يتعلم شيئاُ ولم يتذكر شيئاً طوال عقدين من الزمان وقتها وهو في سدة الحكم. هذا من جهة ومن جهة أخرى فأن الأمر لا يقف عند هذا الحد وإنما يشمل ذلك الوزر الحركة الإسلاموية السودانية بمللها ونحلها خاصة تلك التي تآمرت على الوطن ذات ليل بالإنقلاب العسكري ومن ثم حولت الوطن كله إلى شركة قابضة تديرها وحدها لتنال فيه هي ومنسوبيها كل الثواب وينال غيرها كل أشكال العسف والعقاب والبطش الامر الذي لم تشهد له البلاد من قبل مثيلاً. كل ذلك لا لشئ غير أن أولئك السودانيين من قد كتب عليهم ذلك العقاب كانوا أو ظلوا على خلاف مشروع مع ذلك البرنامج الإسلاموي المغتصب للسلطة ومن ثم فقد غاب أو غيبت كل حقوق المواطنة وحقوق الإختلاف في شئون أساسية كفلها لهم الرحمن والمواطنة والإنسانية بما فيها حق الإختلاف. فحولوا الدولة إلى مشروع قمعي يعلن الجهاد ضد بعض المواطنين ويخص بالتعذيب في بيوت الاشباح البعض الآخر وبالتطهير بأشكال وأنواع اخرى برعوا فيها يهتز لها الضمير رغما عن ذلك فقد خصصت للبعض الآخر من المواطنين ما هو غير ذلك. ومن هذا وذاك فقد حولوا الدولة إلى مشروع لإستثمار السلطة من أجل خدمة درجات عالية من السعار نحو تكديس الثروة ودمج السلطة والثروة. ومن "ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ."

إضافة لكل ذلك فقد تحول الفصيل الإسلاموي القابض على السلطة من شعار وهرج وغوغائية "أمريكا قد دنى عذابها" إلى إعادة تصميم النظام من أجل أن يقدم كل الخدمات التي يمكن أن يداجى بها أمريكا طمعاً في أن تبادله أمريكا بقليل مما يمكن أن يبعث الأمان أو ما يمكن أن يخفف من رعبه التاريخي. ومن هنا فقد تمت إعادة صناعة النظام ليفي بذلك الغرض في الوقت الذي ظلت تتصاعد وتتجدد كل يوم المطالب الأمريكية ويظل النظام يلهث إن حمل عليه ويلهث إن ترك. ولم يجن من كل ذلك غير الحصرم. وبهذا فقد وصلت الإنقاذ بنظام الدولة الموروث من الدولة الإستعمارية إلى أقبح أنواع وأشكال الإستبداد. لذا فلم يبق أي مجال لتغيير طبيعة النظام فلابد من تغييره وتفكيك القواعد التي يقوم عليها.

وزر آخر تتحمله الحركة الشعبية حين إكتفت من كامل مشروعها المعلن للسودان الجديد بما تيسر لها من وظائف بعد نيفاشا في إنتظار أن تكون الوحدة جاذبة وبذا ظل المشروع يتراجع بخطى سريعة بعد أن أدخله الشريك المتمترس بجهاز الدولة في إطار شراكة يقوم أمرها على صراعات أو ترضيات مع فصيل له مشروعه المتآكل للسودان والذي كان قد أسماه بالتوجه الحضاري. لا شك أن ذلك المسمى بالمشروع الحضاري مناقض جملة وتفصيلا لكل مشاريع ورؤى السودان الجديد التي ترى في تلك في مشاريع رؤى السودان الإتفاق العام السوداني العام والمشروع المتكامل يتفق عليه الشعب السوداني الذي ينبني حول حقوق المواطنة والحريات وكرامة الإنسان. والأمر كذلك ولكون مشروع الإنقاذ وهو طريق لإتجاه واحد ومثله مثل المشروعات الشمولية الإقصائية يقوم على البطش غير أنه أكثر من المشروعات الشموليات الأخرى لكونه قد إنتقل بالقمع إلى حدود إعلان الجهاد ضد مواطنين لم تشفع لهم شيئاُ مواطنتهم من تسخير أجهزة النظام العامة والخاصة المكونة من مليشياته وأدوات قمعه المختلفة. لقد شمل مشروع الجهاد ذلك قطاعات متعددة من الشعب السوداني على طول البلاد وعرضها. وعلى الرغم من أن النظام لم يعد يتحدث عن ذلك المشروع البائس منذ أمد طويل إلا أنه لم يتراجع أو يتقدم بما يمكن أن يعتبر مراجعة فكرية أصيلة أو سلوكية ناقدة لذلك النهج. وحتى بعد الدخول في إتفاق نيفاشا والإتفاقيات الأخرى إلا أنه وحتى الآن لم يقدم الإسلامويون في السودان في جماعاتهم المختلفة دون إستثناء في داخل الحكم أو خارجه ما يشير بأن هنالك أي مراجعة أو تغيير في نظرتهم للدولة أو حقوق المواطنة وعلاقة الدين بالدولة. لذا أصبحت كل محاولات الحوار مع النظام أقرب إلى حوار الطرشان كما ظلت شراكة الشريكين أشبه بالجمع بين الماء والزيت. وهو ما يقود إلى قناعة كاملة إنه مهما يكن فإن تغيير طبيعة النظام قد ظلت من أحد المستحيلات. لذا فإن الأمر لا يمكن إصلاحة من داخل إطار الدولة أو في إطار النظام.

غير إنه قد كان من الممكن تجاوز ذلك المأزق التاريخي بإخراج نيفاشا خارج إطار الثنائية وإطار الدولة القائمة والنظام وذلك بمشاركة كل القوى السياسية السودانية وأهل المعارف العلمية في مناقشات السلام الأمر الذي كان من الممكن أن تتحول نيفاشا إلى مؤتمر مائدة مستديرة من أجل معالجة ناجزة لصناعة سودان جديد متفق علية لا كحل جزئي لقضية كلية. رغماً عن ذلك فقد مات مشروع السودان الجديد الذي كانت تدعو له الحركة في مهده أربع مرات كما قلت من قبل.

أولاً لقد ساهم الرحيل المبكر لجون قرنق في إحباط الحراك الفياض في مجال المجال العام والذي أعطاه حضوره إلى الخرطوم والإستقبال غير المسبوق الذي استقبل به كتفويض للشخص والمشروع معا. لقد تعاظمت من ذلك حيوية واضحة أمل البعض بأنها يمكن أن تعطى المجال العام قوة إضافية تتواصل مع القوى الأخرى من أجل إحداث حركة تغيير يمكن أن يركن إليها ويمكن أن تخرج مشروع الدولة إلى مشارف دولة ونظام جديدين أساسهما حقوق وإلتزامات المواطنة. الأمر الذي كان من الممكن أن يجعل من نيفاشا بداية لا نهاية. غير أن من إعتبروا ورثة مشروع قرنق للسودان الجديد ولو عنه هاربين حالما إختفى قائد المشروع.

ثانياُ ومما يؤكد إستحالة تغيير طبيعة النظام فقد قتل النظام أو خنق حتى الموت ما إتفق عليه من ما يمكن أن يعتبر بدايات في مشروع السودان الجديد عن طريق إنقلاب دولة الإسلامويين الشمولي والتي إقتصت لنفسها أول ما إقتصت من الفريق الداخلي الذي شارك في الوصول إلى إتفاق نيفاشا. وذلك هو الإنقلاب الثاني في إطار حروبات الإسلامويين الداخلية بعد إنقلاب فصيل منهم في نهاية القرن على الشيخ الأكبر أو الدكتور حسن الترابي الذي تباروا بتسميته بالشيخ حسن ذات يوم تمهيدأ لمشروع ولاية فقيه سنية. هذا فقد قضى الإنقلاب الثاني ضد من تنادوا خجلا بتسميته بالشيخ الأصغر أو شيخ علي عثمان وإخراجه وفريقه من دائرة الفعل السياسي والإدارى في الدولة ليبق والحال كذلك الشيخ الأصغر في حالة موت سريري في غرفة إنعاش القصر. ومن هنا فقد لحقت بذلك الإنقلاب الصامت هزيمة بالشيخ الأصغر للجماعة علي عثمان القائد الطموح لقطاع من الجماعة والمتطلع دوما للسيطرة المطلقة على المركز الأعلى في الدولة والحزب. لقد أودى الإنقلاب الثاني والأسلوب الذي أخرج به شيخ علي إلى هزيمة ظلت بلا دوي لتذهب بعلي ومن معه من فريق مناقشات نيفاشا إلي مجالات التهميش. ولعل في ذلك شيئ من المكر حتى لا يذهب الشيخ الصغير بقدراته التآمرية إلى المنشية متصالحاُ مع الشيخ الأكبر مما يمكن أن يشكل تهديداُ مروعاُ للنظام. وبهذا وذاك الإنقلاب إنتقل المشروع الأسلاموي بقضه وقضيضه من التآكل إلى دائرة النسيان. وفي ذات الوقت تحول مشروع السودان الجديد نسخة الحركة الشعبية إلي مكاسب هزيلة يتشاجر حولها الشريكان. ومن كل ذلك لم يبق من خطاب النظام الفكري والجماهيري شيئا ذا بال إلا لغة لحس الكوع وغيرها من لغة نابية لم تعهدها الخطابة ورصانة أسلوب رجل الدولة وأسلوب الخطاب بشكل عام. لاشك إن ذلك الخطاب النابي يتكامل وخطرفات بيريا الإنقاذ نافع علي نافع.

ثالثاً لقد إنكفأت الحركة الشعبية في تكوينها العسكري لتقفل كل الطرق المؤدية إلى برنامج التغيير الشامل الذي دعى إليه قائدها ذات يوم. فلم تعد المتحدث بإسم الهامش أو أحد الهوامش حتى. وإكتفت بما أعطى الوضع الجديد من وظائف وأزمات إنتظاراً لمائدة في السماء قد يأتي بها الإستفتاء.
رابعاً لقد أضاف إستمرار تفجر الموقف في دارفور وتداعياته المحلية والإقليمية والدولية ما يشير تفاقم أزمات الإسلامويين والإسلامية السودانية والنظام ككل ولذا إصبح أن كل ما ياتي الآن من جانب المجال الرسمي أو النظام هو أشبه بغناء البجع. لذلك فالامر يتجاوز إسقاط النظام إلى ضرورة تغيير النظام وتفكيك المنظومة التي تقوم عليها الدولة المستبدة من أجل بناء سودان جديد.

الآن لقد خرج الجنوب من نظام الدولة المستبدة. ولكنه لم يخرج من السودان. فالذين دخلوا السودان بالميلاد سيظلوا مواطنين سودانيين ويظل السودان بيننا جميعاُ كحالة وجودية حتى أمر آخر. ويظل التحرر من النظام ودولته الموروثة مشروعاُ وأولوية قصوى وحالة سياسية واجبة التنفيذ حتى تتحقق بشكل آخر ولا بد من الوصول إليها مهما طال السفر. وقد نجد في تحررنا كل ما يعظم إرثنا في تدافعه صوب تعظيم تجربتنا الإنسانية العميقة. لذا فمن الأوجب أن ننظر لما حدث كبداية لا كنهاية. وأن هناك في ذات الوقت لحظة تاريخية مواتية. وأن تلك اللحظة التاريخية تشير إلى الخروج كلية من هذا الوضع الذي نحن فيه وذلك بالخروج كلية من الإنقاذ نظاماُ ودولة وبما ورثت. وإن كان الأمر يتطلب إبتكاراً سودانياً جديدأً فقد كانت لنا إبتكاراتنا ذات الأثر من قبل دول أوربا الشرقية وتونس ومصر في مجال قيادة حركة التغيير من خارج إطار الدولة. ذلك الإبتكار بالطبع يبدأ بتغيير المناخ العام للحوار الوطني ليتضمن رؤية مشتركة ونهجاُ جديداً من أجل التحرير الكامل من ربقة إستعباد دولة السودان القديم التي وضع أسسها ونجت وقامت على أركانها هذا النظام بوجه خاص والنظم الإستبدادية الأخرى وسخرت أجهزة الدولة من كسب سبل معيشتها القمعية. وذلك لاشك يتطلب أيضاً تطوير أدوات تجاربنا الكبرى التي بنى وخاض بها الشعب السوداني خارج إطار الدوالة المركزية في إطار المجال العام المزالق الكبرى وترك إرثاً يعتد به يمكن يدرس ويمكن أن يلهم. ولعل ما يمكن أن تعطي تلك التجربة قوة إضافية وفاعلية عظمى. الآن وأدوات الإتصال في تقدمها ويسرها وفاعليتها تمكن في أن يجمتع اهل التجارب والمعارف والجمهور الواسع على صعيد واحد من أجل التداول والإتفاق على برنامج الخروج. وتظل أكتوبر أحد إبتكارات ومبادأت هذا الشعب في إطار قيادة المجال العام لحركة التغيير ذات الأثر.

هذا والأمر كذلك فإن التقويم الجاد لأكتوبر يمكن أن يعطي ذلك الإنموذج وزناُ وقيمة أخلاقية وأسلوب عمل له من القوة والفاعلية التي يمكن أن تلهم أسلوباً جديداً من أجل الوصول إلى ميثاق داخلي جديد يقوم على تصور مدروس ومتكامل لإعادة صناعة الدولة الوطنية ومن ثم صناعة السودان الجديد الذي يجد فيه كل منا ملامحه. مرة أخرى إن الاوطان تبنى ولا تنزل هبة من السماء. ومن واقع التجربة السودانية المعاصرة هناك من الإرث الحي الذي لا يزال يلهم. ولعل ما يهم هنا أن كل التحولات الكبرى قد حدثت بشكل أساسي في إطار قيادة المجال العام لحركة التغيير. لقد إستطاع علي عبد اللطيف ورفاقة من قبل تحرير الخيال القومي من ربقة الإستعمار وأكدوا على حق مخيلة الجماعية لأهل السودان في تصوير ماهية وإختيار رؤاءها لقيام أمة تقوم على أساس أن تكون المواطنة هي حجر الزاوية في بنائها. هذا ومن جهة أخرى فقد أعطت أكتوبر المجال العام السلطة والقوة الكبرى في قيادة حركة التغيير. كما وضعت أكتوبر الإطار العام الذي يمكن أن يرسم خريطة طريق مبتكرة يتبناها ويحافظ عليها المجال العام ويدخل عن طريقها الناس أفواجاً ينتقلون عبرها إلى رحاب تلك الأمة التي أن يختارونها بالتراضي لا عن طريق القوة أو القمع. هذا وفي الوقت الذي تتنادى فيه القوى السياسية الآن بالدعوة إلي مؤتمر جامع فقد يكون من الأجدى أن يقوم هذا المؤتمر الجامع على أساس أن هنالك لحظة تاريخية تدعونا جميعاً وتفتح لنا الباب واسعاً لبناء سودان جديد وبناء دولة وطنية جديدة. بداية ومن باب التطوير للإطار الإكتوبري قد تستدعي الضرورة إلى وضع أساس فكري مجمع عليه تقوم عليه قواعد بنيان صناعة الوطن وصناعة الدولة وفق ميثاق جديد. يضع مثل ذلك الجهد الفكري تحت المجهر والبحث والدرس كل تجاربنا السابقة والوثائق المتعلقة بالتجربة السودانية بما في ذلك مقررات المؤتمرات السودانية المتعددة والإتفاقيات وأي وثائق أخرى من إتفاقية الحكم الثنائي حتى وثيقة هايدلبيرج ويضيف إلى ذلك كل جهد فكرى وإجتهاد يمكن أن تبنى عليها صياغة مسودة ذلك الميثاق كجهد متكامل من أجل تصور وإتفاق على رؤية جديدة تجعلنا ننظر لواقعنا كما هو حتى نتمكن من التعرف على سبل ووسائل تجاوزه.

من هنا يمكن أن نتمكن في ذات الوقت من السيطرة على اللحظة من أجل تغييرها والمستقبل من أجل بنائه والمجال العام من أجل إعادة بناء مؤسساته وأحزابه. وفي إطار خارطة الطريق تلك يمكن أن تقدم مسودة ذلك الميثاق لأهل التمثيل والمعارف السياسية وقادة الرأي للإتفاق حولها وإعتمادها في مؤتمر للمائدة المستديرة أو مؤتمر جامع حتي يكون ذلك الإتفاق هو الميثاق الداخلي للسودان الجديد. ومن ثم يقدم لكافة جماهير الشعب السوداني من أجل أن يكون الميثاق الخارجي لبناء الأمة الجديدة. مرة أخرى هنا تكمن اللحظة التاريخية التي يمكن عن طريقها تعظيم التجربة السودانية وتخطيط منهج متميز يمكن أن يضئ لنا ولغيرنا الطريق إلى الوطن الممكن. وفق ذلك المنهج يمكن أن تصبح صناعة الوطن والدولة عملية ثورية نتحرر بها جميعاً من ربقة عبودية السودان القديم الذي تقوم دولته على تأكيد وتوطيد هياكل السيطرة والعنف والتهميش. وننتقل بفيض ذلك التحرر إلى رحابة الدولة القائمة على قيم المواطنة وتأكيد قيم العدل والمساوة والكرامة وإحترام إنسانية وحقوق الإنسان. وفي ومن ذلك أيضاً يمكن أن نعيد العافية للمجال العام السوداني وللمجتمع المدني ليكون هو مجال المبادأة والمبادرة ونماء الجهد الخلاق في صناعة الوطن والشعب والدولة. ومن ذلك نستطيع بناء الدولة ومن ثم الثورة المستدامة.

مرة أخرى لقد صنع السودان وتخلق في رحم التحديات والذي أمامنا الآن هو تحدي العصر. إذ من هنا يمكن أن يكون السودان أكبر أو أصغر أو في ذات حجمه بداية من يوم غد أو في المستقبل. إذن فإن أول دعوانا أن: الشعب يريد تغييرالنظام. لا مجرد إسقاطه فقط.
يا صناع السودان الجديد إتحدوا.