يقول الدكتور محمد سعيد القدال في كتابه " الانتماء و الإغتراب" ص 127 عن الحالة السياسية بعد ثورة 1924م، ( خرجت الحركة الوطنية بعد ثورة1924 منهزمة. و تراجعت قياداتها من مثقفي الطبقة الوسطي تراجعا مرتبكا. و كانت السنوات التي اعقبت فشل ثورة 24 " سنوات عجاف" كما وصفها احد السودانيين " محمد المكي إبراهيم". و تنبه الاستعمار البريطاني في انزعاج الدور القوي الجديدة من المثقفين و الطبقة الوسطى التي عبروا عن طموحها و قادوا نشاطها. و بدأ الاستعمار ينتهج سياسة يحافظ بها علي بقائه. فأرهب الحركة الوطنية. و تطور في أجهزة المخابرات لاختراق تلك الحركة) و رغم إن الثورة أبرزت إن هناك قوي جديدة في المجتمع قادرة علي فرض شروطها السياسية علي الواقع و قيادة عمل سياسي، لكن من جانب أخر كانت هناك رؤية الاعيان في المجتمع، الذين كانوا يعتقدون إنهم وحدهم لهم حق قيادة المجتمع و الحديث بإسمه. عبر عن ذلك حسين شريف رئيس تحرير جريدة حضارة السودان حيث كتب في مقال له ( البلاد أهينت لما تظاهر أصغر و أوضع رجالها دون أن يكون لهم " مركز" في المجتمع، و أن الزوبعة التي أثارها الدهما، قد أزعجت طبقة التجار و رجال المال، و أنها الأمة وضيعة تلك التي يقودا أمثال علي عبد اللطيف و ذلك " إن الشعب ينقسم إلي قبائل و بطون و عشائر" و لكل منها رئيس أو زعيم أو شيخ و هؤلاء هم أصحاب الحق في الحديث عن البلاد، فمن هو علي عبد اللطيف الذي أصبح مشهورا حديثا و إلي أي قبيلة ينتسب؟) حديث حسين شريف كان مستفزا، و يحاول أن يقسم الأمة لطبقات بعضها يأخذ السيادة و الريادة، و طبقات القاع يجب أن تقدم فروض الطاعة و الولاء. هذا الحديث بالفعل لابد أن يخلق تساؤلات سياسية و اجتماعية عند النخب الصاعدة.

لذلك كان تكوين الحزب الشيوعي السوداني في النصف الثاني من عقد الأربعينات، كتطور تاريخي للحركة السودانية للتحرر الوطني، كان منحازا للطبقات الدنيا في المجتمع، و جاء تأسيس الحزب داعما أساسيا لتطور الحركة السياسية السودانية، مضيفا لها العمل المخطط وفق برنامج مبني علي منهجية و يستند لمرجعية فكرية ماركسية، و الذي أحدثة نقلة نوعية في العمل السياسي من خلال الأداء التنظيمي، و في نفس الوقت قدرة عالية للتحليل تعتمد علي منهجية المادية التاريخية. و هنا أنقل فقرة تتحدث عن تكوين التنظيمات السياسية في القاهرة وسط الطلاب السودانيين من كتاب بعنوان " دور الحزب الشيوعي في انشقاقات الحركة الاتحادية" لكاتب المقال يقول ( إن حركة اليسار السوداني, كانت بداية لتخلق حركة اليسار و الشيوعية في السودان، والتي لم تختلف كثيرا في تكوينها عن حركة الأخوان المسلمين, إذ إنها ولدت من رحم الحركة الشيوعية المصرية, و تخلقت بكل مكوناتها الحياتية في البيئة المصرية, و إن كان هنري كوريل يقول في مذكراته أنه لم يكون مؤسسا للحزب الشيوعي المصري, بل كان عضوا في الحزب الشيوعي المصري, و لكن لدي الفضل في تأسيس الحزب الشيوعي السوداني, و يقول أحمد سليمان عن العلاقة الوطيدة بين الحركتين الشيوعيتين السودانية و المصرية " أن الصلة بين الحركتين نمت و توثقت بعد وصول أفواج الطلاب السودانيين إلي مصر، و إقبالهم علي الدراسة بالجامعة و الأزهر بعد سنة 1947 عندما ألت قيادة " حستو" بالسودان إلي أولئك الذين عبوا و نهلوا من تجارب "ح- م" و من بعدها "حدتو" و تدربوا في مدارس نضالها و علي رأسهم عبد الخالق محجوب الذي تولي مسئولية المنصب الأول في " الحركة السودانية للتحرر الوطني" إذ أصبح أمينها العام" و يضيف أحمد سليمان " إبان الظروف الصعبة و الشدة و أثناء محنة الحركة الشيوعية المصرية في منتصف 1948 و طوال 1949 نتيجة للضربات العنيفة و المتواصلة التي كالها لها إبراهيم عبد الهادي باشا الذي خلف النقراشي في رئاسة الوزراء بعد اغتيال الأخير علي أيدي الأخوان المسلمين فإن غالبية اللجنة المركزية " لحدتو" كانت من السودانيين إذ لم يبق خارج السجون و المعتقلات من الرفاق المصريين أعضاء اللجنة المركزية غير كمال عبد الحليم الشاعر المشهور و أخوه فؤاد" فقد كان للرفاق السودانيين دورا كبيرا في المحافظة علي الفكر الشيوعي, بعد ما تعرض التنظيم لضربات كبيرة من قبل و بعد الثورة المصرية, بل أن الحزب الشيوعي السوداني قد ساهم في إقناع الشيوعيين المصريين في حل حزبهم, و الدخول في التنظيمات السياسية التي كونتها ثورة يوليو المصرية, فقد كان لعبد الخالق محجوب الأمين العام للحزب الشيوعي السوداني دورا كبيرا في إقناع رفاقه المصريين, عندما طلب منه الرئيس المصري جمال عبد الناصر أن يقوم بذلك الدور, دعما للثورة المصرية, و بداية لتوحيد قوي اليسار المصري في مواعين النظام الحاكم, حيث كان الرئيس جمال عبد الناصر بعد ما أعلن الثورة و الإصلاح الاجتماعي و الحرب ضد الأخوان المسلمين عقب حادثة اغتياله في الإسكندرية عام 1954) فدواعي التكوين ستظل تؤثر علي المجرى العام للتنظيم في تطوره التاريخي.
بعد أن نال السودان استقلاله في 1/1/ 1956م، في فبراير من ذات العام عقد الحزب الشيوعي مؤتمره الثالث، الذي يعد بداية لطريق العمل الحزبي المقيد ببرنامجه الماركسي، و كان قد حدد فيه القوي الاجتماعية التي يتكئ عليها، و بدأت من خلال ذلك المؤتمر توضح معالم برنامج الثورة الوطنية الديمقراطية، كما إن الحزب ساهم إسهاما كبيرا في تأسيس النقابات في السودان لذلك كان سكرتيره السياسي كثير التردد علي عطبرة باعتبارها قلعة القوي البوليتارية. كتب عبد الماجد بوب مقالا في جريدة الأحداث في 11 أغسطس 2009، بعنوان " عبد الخالق محجوب أحب السودان فأحبه سواد الناس" يقول فيه ( لعل أكثر ما تميز به الشهيد عبد الخالق محجوب قدرته العالية علي استقراء ضرورات اللحظة التاريخية و وضع أصبعه علي المهمة السياسية الأكثر الحاحا، و القوى الاجتماعية و السياسية الصاعدة فبعد أن تولى قيادة الحركة السودانية للتحرر الوطني المعروفة أنذاك أختصارا بأسم حستو توجه إلي عطبرة للوقوف علي أوضاع الطبقة العاملة، و المشاركة في توجيه نضالها ضد هيئة شئون العمال، و انتزاع حق التنظيم النقابي بعيدا عن تدخل الإدارة البريطانية) فكانت النهضة في الحزب الشيوعي تعتمد علي القوي الحية في المجتمع " طبقة العمال" و كان استنهاض هذه القوي الاجتماعية لكي تلعب هذا الدور لابد من ربطها بالحزب الشيوعي، و إدخالها في المشروع الثقافي السياسي للحزب لكي تكسب وعيها و إدراك موقعها في عملية التغيير.
و بعد 11 عاما من المؤتمر الثالث و في عام 1967/ عقد مؤتمر العام الرابع الذي يعتبر نقطة تحول في تاريخ الحزب حيث قدم فيه الحزب مشروع قضايا الثورة السودانية، الذي يعتبر نص التقرير العام للحزب الذي حدد فيه مشروع الثورة الوطنية الديمقراطية، متقدما القوي السياسية في قضية طرح الأفكار و التحليل السياسي للوضع الدولي و العربي ثم لقضايا الثورة السودانية. حيث جاء في مقدمة باب "الملامح الرئيسية للاقتصاد السوداني" (أن المرحلة الثورية التي وصلت إليها البلاد بإعلان الاستقلال السياسي أجبرت الفئات و الطبقات الاجتماعية المختلفة علي طرح منهجها لتطور البلاد، و علي رسم سبيلها لذلك التطور. إلي أين وصل هذا الصراع بين قوى الثورة الهادفة لتنمية البلاد عبر الرأسمالي و الفئات و الطبقات الاجتماعية التي سلكت طريق المحافظة و قاومت بعنف انجاز مهام الثورة الديمقراطية في البلاد؟ ما هي حقيقة الأوضاع الاقتصادية في بلادنا اليوم – و هي التي تحدد ميدان الصراع و أشكاله الطبقية المختلفة؟ ) ركز البرنامج كثيرا علي دور الجماهير الثورية في العملية السياسية بهدف التغيير في البلاد، و إن صراعها مع أقسام الرأسمالية الوطنية التي بدأت تهادن الاستعمار و القوي الرجعية، سوف يحفز هذه الفئات الثورية لكي تكتشف قياداتها الحقيقية و تكشف أن مصالحها تكمن حقا في استكمال الثورة الوطنية الديمقراطية و في باب "الحركة الجماهير تواجه مهام ما بعد الاستقلال" يقول التقرير ( لقد أصبحت المهمة العاجلة للحركة الجماهيرية بعد إعلان الاستقلال حل مشاكل البعث الوطني و السير بالثورة إلي فترة جديدة ضمن المرحلة الوطنية الديمقراطية. صحيح أن المرحلة التي تمعل في إطارها الثورة السودانية لم تتغير بإعلان الاستقلال السياسي، و لكن كانت هناك فترة جديدة أصبحت فيها قضايا البعث الوطني و الديمقراطي في مقدمة واجبات الثورة، و من أهم المشاكل التي تواجهها في طريق دعم الاستقلال الوطني في وجه العدو الاستعماري) و لكن الحزب الشيوعي بعد شهور من انعقاد مؤتمره الرابع، تعرض إلي مؤامرة من الحركة الإسلامية في معهد المعلمين، و هي المؤامرة التي أدت إلي طرده من البرلمان ثم حل الحزب. الأمر الذي أوقف برنامج الثورة الوطنية الديمقراطية، الذي يركز علي طبقة البوليتارية باعتبارها القوي القادرة علي عملية التغيير، و أصبح الاتجاه إلي الطبقة الوسطي الريديكالية، و قد وجد ضالته في القوات المسلحة، و كان قد بدأ بتنظيم بعض المنتسبين إليها، و تحول التركيز عند قيادة الحزب في التغيير السريع، الذي يعتمد علي الآلة العسكرية، و ليس علي البرنامج الثقافي السياسي القائم علي توعية الطبقة البوليتارية. الأمر الذي جعل الحزب يشارك في انقلاب مايو عام 1969م، و عندما حدث الصراع داخل الكتل التي صنعت الانقلاب، سارع الحزب الشيوعي بانقلاب 19 يوليو 1971م معرضا كل عضويته للخطر، حيث فشل الانقلاب في الاستمرار، و خسر الحزب نصف عضويته و قيادته في العملية الانقلابية، و كانت خسارته في السكرتير العام خسارة كبيرة جدا، باعتباره العقلية المفكرة و الديناميكية، خاصة إن عبد الخالق كانت لديه قدرة تحليلية سياسية فائقة، إضافة إلي قدرته في تقديم المبادرات السياسية، غياب عبد الخالق كان بمثابة تعطيل العقل المحرك في الحزب. الانقلابان يؤكدان إن قضية الديمقراطية ليست مبدأ راسخا في الحزب، إنما هي شعار يزين بها الحزب الشيوعي " برنامج الثورة الوطنية الديمقراطية" هو شعار يمكن التغاضي عنه أمام التحديات و ظهر جليا في الانقلابين. و في لمحات من تاريخ الحزب الشيوعي السوداني, يستشهد عبد الخالق محجوب بمقولة لينين من أن الديمقراطية الليبرالية لا تلغي الاضطهاد الطبقي, و لكنها تساعد علي كشف سوءاته, و في النظام الديمقراطي يستطيع العمال رؤية شرور النظام الرأسمالي, و هذه المقولة توضح الفهم الشيوعي للنظام الديمقراطي.
بعد 19 يوليو ظلت قيادة الحزب تعمل تحت الأرض، و كان الشاغل القيادة كيفية إعادة بناء الحزب من جديد، و إعادة دوره في المجتمع، متجاوزا الضربات التي لحقت به، و بالفعل استطاع أن يعيد دوره من خلال واجهات منظمات المجتمع المدني، و خاصة النقابات الفئوية، حيث كان له دورا بارزا في انتفاضة إبريل، و لكن تراجع دور الحزب التنويري في المجتمع، و بدلا من خلق الأحداث في المجتمع و إدارتها، بدأ دوره في التعيلق فقط علي الأحداث. هذا الغياب للحزب في الشارع السياسي، و عجز الحزب علي تحليل الأوضاع، كان سببا في سقوط الديمقراطية، خاصة إن القوي التقليدية لا تمتلك الآدوات التي تساعدها علي التحليل السليم، و كانت فرحة إن السلطة رجعت لها مرة أخرى، دون أن توفر الأدوات التي تساعد علي الحفاظ علي النظام الديمقراطي. هذا الحال استمر مع الحزب الشيوعي حتى بعد سقوط الديمقراطية و تكوين التجمع الوطني الديمقراطي. حيث كان الحزب فرحا بالتحالف مع بندقية الحركة، و اعتقد إن الحركة الشعبية سوف تحقق النصر المؤذر، فظل مستكينا، دون تقديم أية نقد علي نهج الحركة، التي وضعت قرارات مؤتمر القضايا المصيرية وراء ظهرها و هي تتفاوض مع النظام من أبوجا إلي نيفاشا، ظل الحزب الشيوعي مغمض العينين، و ساهم مع الحركة و الحزب الاتحادي في أبعاد حزب الأمة من التجمع الوطني الديمقراطي، كانت قيادة الحزب تعتقد أية نقد يمكن أن يوجه للحركة الشعبية يعني بداية الإنهيار للتجمع الوطني. حتى جاءت اتفاقية " نيفاشا" التي باعت فيها الحركة كل حلفائها. و ظل الحزب صامتا، دون أن ينطق ببنت شفا، الأمر الذي يؤكد غياب الدور الطليعي للحزب، و رغم أختلاف الناس مع الفكر، لكن هذا الخلاف لا يمنعهم من الاعتراف بدور الحزب الذي كان في الشارع السياسي و قدرته علي تحليل الأوضاع، لكن أصبح الحزب عاجزا عن هذا الدور خاصة عندما صعدت العقليات التنفيذية لقمة هرم الحزب، فالدور النهضوي بدأ يتلاشى، و بقي كيف المحافظة علي المواقع.
كان التوقع بدلا أن يلعن الحزب الظروف، و يظل بعيدا عن صناعة الأحداث أن يتجه إلي الإنتاج الثقافي، و أن يعطي دورا أكبر للقضايا الفكرية كما كان يفعل عبد الخالق محجوب الذي يوازن بين العمل السياسي و الانتاج الثقافي من خلال تحليلاته المنهجية العميقة، و هذه المسالة فطن لها السكرتير العام السابق محمد إبراهيم نقد في مقال له في جريدة الرآي العام 2 اكتوبر 2002م حيث تحدث حول العلاقة بين الوصف و التحليل النظري تعريف دور الدول و النظام السياسي حيث يقول ( تصنيف الدولة دينية علمانية مدنية لا يعفينا من تطوير ثقافتنا و معرفتنا بنظرية الدولة في حد ذاتها كظاهرة تاريخية اجتماعية بدلا من القناعة الكسولة بتوصيفها أو تصنيفها و لعل أفضل مدخل يتناسب و قدراتنا النظرية الأولية المتواصلة أن نبدأ بدراسة الدولة السودانية و نشأتها و تطورها و تجلياتها المتعاقبة دون أن نحشرها قسرا في قوالب و أطوار الدولة الأوروبية الحديثة) يؤكد غياب التحليل المنهجي داخل الحزب، و تعثر دور الفكر في الحزب. و في ذات العام و بعد مقال نقد، كتب كمال الجزولي في ذات الصحيفة 16 ديسمبر مقالا يقول فيه ( فإن من صميم فساد النظر و سوء التدبير عدم إيلاء الحركة السياسية الوطنية الاعتبار اللازم لاخطائها في تفسير " مزاج" الجماهير الذي قد يبدو متنافضا للوهلة الأولي من حيث انفعاله للتو بنصره المؤزر علي الديكتاتورية لاستعادة النظام الديمقراطي البرلماني ثم "تعاطفه " الذي ما يلبث أن يتراءه للنظر المتعجل مع فعل الانقلاب علي هذا النظام نفسه أما بالترحيب الإيجابي ولو إلي حين كما حدث تجاه انقلاب مايو 1969 أو اللامبالاة السالبة ولو لحين أيضا كما حدث بازراء انقلاب يونيو 1989) كان من المتوقع أن يعيد المؤتمر الخامس دور الحزب في المجتمع، و لكن كان المؤتمر محاولة للمساومة التاريخية بين الاجنحة المتصارعة داخل الحزب، حيث الصراع بدأ بعد سقوط حائط برلين و سقوط الاتحاد السوفيتي، الأمر الذي يؤكد إن التجربة السوفيتية الماركسية قد سقطت، و كان لابد من المراجعة، لكن التيار الاستاليني داخل الحزب الشيوعي ما يزال قابضا علي مفاصل الحزب، و يعرف كيف يستطيع تحريك تكتلاته داخل المؤسسة الحزبية، خاصة إن القيادات المنتجة للثقافة و المعرفة بدأت في مغادرت الحزب، و ما تزوال هناك بواقي أيضا تتململ. إن قضية سقوط التجربة السوفيتية و الدعوة لنقد التجربة، و مراجعة الفكر الماركسي من القيادات الفاعلة داخل الحزب، قد خلقت صراعا عنيفا، لذلك جاء المؤتمر الخامس لكي يحافظ علي وحدة الحزب دون الخوض في قضايا فكرية، قد رماها الحزب من زمن وراء ظهره ألمر الذي مكن التيار الاستاليني، لذلك لا تجد اختلافا كثيرا بين تقرير المؤتمر الرابع الذي كان عام 1967 و المؤتمر الخامس الذي عقد عام 2009، كان الزمن قد توقف و لم يحدث تغيرا يذكر. في المؤتمر الخامس للحزب الشيوعي يقول التقرير الذي تقسمت أبوابه علي ذات ترتيب المؤتمر الرابع الذي يفصل بينهم 42 عاما، حيث جاء في الباب الثاني ( تمكن الحزب الشيوعي السوداني مسترشدا بالمنهج الماركسي من تأكيد و تعزيز ضرورته التاريخية و الموضوعية لتطور الثورة السودانية، تلك الضرورة التي أفرزها واقع و موازين الصراع السياسي و الاجتماعي في السودان في منتصف اربعينات القرن الماضي و دعمتها التطورات اللاحقة في مسار ذلك الصراع و قد ساعد الاهتداء بذلك المنهج، وصولا إلي صياغة إستراتيجية و تكتيكات الحزب و برامجه و أشكال و اساليب عمله، في تعميد و ترسيخ جدوي الحزب الشيوعي في الساحة السيتاسية و الاجتماعية في السودان) هذا التقرير يذكرني لمقال للكاتب أحمد حيدر يقول فيه ( إن النخبة لا تضع الأفكار و لكن تكتشفها و هي تحمل شعبها علي إعادة الاكتشاف هذه، بأن تحمله إلي مستوى التأمل من نفسه ، فالتأمل إمكانية في أعماق الذات، و وظيفة النخبة أن تصل بين المعاناة و هذه الإمكانية و بذلك يبدأ التأمل و التفسير لذلك هو معنى اللقاح الفكري الذي تحمله النخبة للشعب) و لكن الحزب الشيوعي عجز أن يكتشف الطاقة الكامنة في عضويته، و في ذات الوقت عطل كل الطاقات الإبداعية عند عضويته، و بعد ما كان عمل الحزب يطال كل القطاعات المنتجة للمعرفة و الثقافة و الفنون أصبح الحزب دوره فقط في أصدار بيانات الإدانة و الاستنكار دون أن يدعم ذلك بأية دراسات نقدية، و إنتاج معرفي و ثقافي من داخل الحزب، و الغريب في الأمر إن كل الأحزاب التي تتبني الأيديولوجية أصبحت أماكن طاردة للنخب التي تشتغل بالعقل و الذين ينادون بديمقراطية التنظيم، فقضية الديمقراطية التي يرفع الحزب شعارها، تواجه معضلة كبيرة داخل مواعين الحزب، و فصل عدد من قيادات الحزب في المؤتمر السادس تعد مذبحة للديمقراطية، و حتى الآن عجز الحزب أن يقدم رؤيته كيف تتم عملية الديمقراطية مع وجود الإيمان بدكتاتورية البوليتاريا، فهذه بالفعل تحتاج لمجهود نظري. و عن الديمقراطية كتب الدكتور الشفيع خضر مقالا في جريدة القدس العربي يوم 19 سبتمبر 2016 بعنوان " الديمقراطية تتعدد الأشكال و الجوهر واحد" يقول فيه (ستظل دعاوى التغيير والإصلاح السياسي مجرد مفاهيم معلقة في الهواء مالم تترجم إلى ممارسة ملموسة وفق الواقع المحدد الملموس. وعلى عكس المفاهيم التي هي عامة وثابتة وموحدة، فإن الممارسة ليست كذلك، وإنما تتشكل وتتلون وفق السمات الخاصة لكل مكان وزمان. فمثلا، بينما يظل جوهر الديمقراطية ثابت دون تغيير، فإن أشكال ممارستها تتعدد وتتنوع حسب السمات الخاصة لكل بلد وكل مجتمع. وجوهر الديمقراطية، غير المتغير، هو مجموعة من القيم والمبادئ الثابتة التي لا يجوز مطلقا، في الزمان والمكان، التخلي عن إحداها أو الانتقاص منها. وأي شكل من أشكال الممارسة الديمقراطية، مهما تفنن أصحابه في تسميته بالديمقراطية الليبرالية أو الديمقراطية الاشتراكية أو الديمقراطية الشعبية أو الديمقراطية الثورية أو الشورى الإسلامية أو ديمقراطية التوالي كما ابتدعها النظام الحاكم في السودان…الخ، لا علاقة له بالديمقراطية ما لم يعبر عن تلك القيم والمبادئ الثابتة. بعض القوى في منطقتنا، ومن منطلقات تدعي أنها ثورية، تعتبر قيم التعددية والفصل بين السلطات وحرية التعبير والتنظيم والمعتقد…الخ، سمات خاصة بالغرب والليبرالية وحدها، وليس بالضرورة أن تتبناها الممارسة السياسية في بلداننا. بالطبع، هذا الحديث له أسسه الموضوعية، إذ أن الليبرالية هي أول من صاغ تلك القيم والمبادئ، الحريات والحقوق، بشكل مؤسس ومباشر، وهي بذلك تعد مأثرة عظيمة وإنجازا تاريخيا حققته الثورة البرجوازية بعد ظلام العصور الوسطى. لكن، كون هذه القيم هي سمات خاصة بالليبرالية وحدها، فهذا حديث قاصر لأنه يتعارض مع جوهر الديمقراطية وقيمها المطلقة) بعد المؤتمر السادس، انتقل الحزب الشيوعي من قوي طليعية، تقدم مبادرات و تنتج ثقافة تسهم في عملية التغير و النهضة في البلاد، أصبح قوي سياسية تريد أن تحافظ علي وجودها في المجتمع من خلال بيانات بين فترة و أخرى لكي تؤكد علي وجودها في الساحة السياسية، أما في الساحة الثقافية فغاب الحزب تماما، و هذا يعود إن النخب السياسية التي اعتمدت في أدائها الوظيفي في الحزب علي الأعمال التنفيذية لا تستطيع أن تملأ الفراغات التي خلفها مغادرت العناصر التي كانت تشتغل بالفكر داخل المؤسسة الحزبية، كما إن الديمقراطية المركزية التي يصر عليها التيار الاستاليني المتحكم في الحزب، لن تسمح بصعود العقليات التي تميل للإنتاج الفكري، و هي معضلة الحزب الشيوعي و أدت إلي غيابه عن الساحة بالصورة التي كان يشغلها في السابق، و هي إشكالية تعاني منها أغلبية القوي السياسية، و التي أصبحت طاردة للقوي الحية في المجتمع، الأمر الذي أضعف دور التيارات الناهضة في المجتمع. و نسأل اله حسن البصيرة. .

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.